عقدة الإخفاق أمام أصحاب الأرض تطارد السنغال في نهائي “الكان” أمام المغرب
مع اقتراب نهائي النسخة الـ 35 لبطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، الذي سيجمع المنتخب الوطني المغربي، صاحب الأرض والجمهور، بالمنتخب السنغالي الذي يحل ضيفا ثقيلا على أسود الأطلس في سهرة الرباط ليلة الأحد 18 يناير 2026، لا يعود النقاش محصورا في الأسماء أو الجوانب التقنية، بقدر ما يستدعي واحدا من أثقل الملفات في ذاكرة “أسود الترينغا”: عقدة مواجهة المنتخبات المستضيفة للكان، وهي عقدة رافقت السنغال في محطات مفصلية من تاريخ مشاركاتهم في كأس أمم إفريقيا، وامتدت على مدى ما يقارب أربعة عقود.
فرغم أن المنتخب السنغالي افتتح هذه القصة بفوز لافت على منتخب مصر المستضيف في افتتاح نسخة 1986 بالقاهرة، إلا أن ذلك الانتصار ظل استثناء نادرا، إذ منذ تلك النسخة لازنت السنغال عقدة الانتصار على المنتخبات المستضيفة للدورة، كان آخرها الهزيمة في النسخة الماضية أمام البلد المضيف، الكوت ديفوار سنة 2023، بالضربات الترجيحية.
الجزائر بداية العقدة
كانت أولى الضربات القوية في كأس أمم إفريقيا سنة 1990 التي احتضنتها الجزائر،حيث بلغ المنتخب السنغالي آنذاك دور النصف النهائي، ليواجه منتخب “ثعالب الصحراء” على أرضية ملعب 5 جويلية وأمام مدرجات ممتلئة.
وقد انتهت المباراة بخسارة السنغال بهدفين مقابل هدف واحد، في لقاء أظهر فيه المنتخب الجزائري قدرة أكبر على التعامل مع الضغط، قبل أن يواصل طريقه نحو التتويج باللقب بعد انتصاره على نيجيريا في النهائي.
كما شكلت هذه المواجهة أول إنذار حقيقي للسنغال، حيث بدا واضحا أن اللعب أمام منتخب منظم ومدعوم جماهيريا في الأدوار الحاسمة ليس مهمة سهلة أمام أسود التيرانغا.
2000..النسور الخارقة
بعد عقد كامل، عاد نفس السيناريو ليتكرر في كأس أمم إفريقيا سنة 2000 التي احتضنتها كل من نيجيريا وغانا بشكل مشترك.
السنغال وصلت إلى دور ربع النهائي هذه المرة، لكنها اصطدمت بمنتخب النسور الممتازة، نيجيريا، الذي يمتلك خبرة تنظيمية وجماهيرية كبيرة، و الذي خسر بدوره اللقب لصالح منتخب الكاميرون المرعب وقتها.
ورغم تكافؤ الأداء في فترات عديدة من اللقاء، حسم أصحاب الأرض المباراة لصالحهم (2-1)، لتخرج السنغال مرة أخرى أمام منتخب مضيف، في مباراة أكدت أن التفاصيل الصغيرة غالبا ما تبتسم لأصحاب الدار.
تونس..الجرح الجديد
في نسخة 2004 بتونس، واجه المنتخب السنغالي نظيره التونسي في دور ربع النهائي، على ملعب السابع من نونبر في رادس بحضور ستين ألف متفرج.
المباراة اتسمت بالحذر التكتيكي وقلة الفرص، لكن المنتخب التونسي استغل أفضلية الأرض والجمهور، ونجح التونسي جوهر المناري في تسجيل هدف المباراة الوحيد في الدقيقة 65 برأسية كانت كافية لحسم المباراة و إقصاء السنغال بهدف مقابل لا شيء.
و قد عمّقت هذه الخسارة الإحساس بأن السنغال تجد صعوبة في كسر الإيقاع و ضغط الجمهور الذي يفرضه أصحاب الأرض في مباريات الإقصاء المباشر.
2006..الفراعنة يردون الدين
في كأس أمم إفريقيا نسخة 2006 بمصر، استطاعت السنغال بلوغ دور نصف النهائي لمواجهة منتخب مصر المستضيف للبطولة و الذي كان يعيش واحدة من أقوى فتراته التاريخية آنذاك.
ورغم الندية الكبيرة بين المنتخبين، و عودة السنغال بالتعادل مع الفراعنة في الشوط الثاني، إلا أن المهاجم المصري عمرو زكي أضاف الهدف الثاني قبل تسع دقائق على صافرة النهاية لتحسم المباراة في ظل التشجيع المتواصل من قبل أكثر من 75 ألف متفرج في ملعب القاهرة الدولي، ليغادر “أسود الترينغا” البطولة من جديد على يد منتخب منظم على أرضه.
هذه المباراة بالأساس رسّخت صورة العقدة، خصوصا أنها جاءت في محطة متقدمة كانت السنغال تمني النفس فيها بالوصول إلى النهائي، بعدما لم تتمكن من التأهل إلى المباراة النهائية للمرة الثانية، بعد خسارتها الأولى بركلات الترجيح أمام الكاميرون سنة 2002.
خروج دون فك العقدة
أحدث فصول عقدة السنغال أمام المنتخبات المضيفة جاء في كأس أمم إفريقيا 2023 التي أقيمت فعليا مطلع 2024 في ساحل العاج، حين اصطدم حامل اللقب، المنتخب السنغالي، بالمضيف الإيفواري في دور الـ16،في مواجهة مع ذاكرة طويلة من الإخفاقات أمام أصحاب الأرض.
دخلت السنغال المباراة بقوة، وبادر اللاعب حبيب ديالو مبكرا في الدقيقة الرابعة بتسديدة محكمة من داخل المنطقة، مسجلا الهدف الأول للسنغال، لتبدو البداية وكأن السنغال جاءت لتفك العقدة.
لكن أصحاب الأرض لم ييأسوا، ونجح فرانك كيسي في إدراك التعادل للمنتخب الإيفواري في الدقيقة 86 عبر ركلة جزاء، لتتجه المباراة إلى ركلات الترجيح، حيث ابتسمت في النهاية لساحل العاج، وفاز الإيفواريون 5-4، ليقصوا حامل اللقب ويتأهلوا إلى ربع النهائي.
المغرب.. قوة على أرضه
بعد سلسلة من الإخفاقات أمام البلدان المستضيفة، يجد المنتخب السنغالي نفسه اليوم مجددا في مواجهة أصحاب الأرض، المغرب، يوم الأحد 18 يناير 2026 على أرضية ملعب مولاي عبد الله بالرباط ، في نهائي لا يقيس المهارات فقط، و إنما يختبر قدرة السنغال على كسر عقدة عمرها عقود أمام المنتخب المضيف.
المنتخب المغربي الذي أظهر مستوى عاليا وذكاء تكتيكيا كبيرا خلال هذه النسخة، بترسانة قوية من اللاعبين الكبار، لن يكون خصما سهلا “لأسود التيرانغا”، فالتنظيم الدفاعي والهجومي لأسود الأطلس، وسلاسة التنقل بين الخطوط، تجعله منتخبا متكاملا قادرا على التعامل مع أي ضغط، ولو كان الخصم من طينة منتخب السنغال.
وقبل ساعات من إطلاق صافرة البداية لهذا النهائي الإفريقي الحارق، يظل منتخب السنغال رهينا لعقدة مستمرة لعقود أمام أصحاب الأرض، في حين يطمح أسود الأطلس لكتابة فصل جديد في كتاب المجد الذي تعيشه كرة القدم الوطنية في السنوات الأخيرة، عبر التتويج باللقب القاري الثاني في تاريخ المنتخب الوطني بعد انتظار دام حوالي نصف قرن.