عام على هدنة غزة.. “الإبادة مستمرة” والفلسطينيون بين القصف والنزوح وتجاهل دولي لمعاناتهم
بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا يزال الفلسطينيون يواجهون واقعا مثقلا بالقصف والنزوح والحرمان من أبسط مقومات الحياة، في ظل استمرار هجمات الإحتلال الإسرائيلي اليومية وتعثر إعادة الإعمار، وسط عجز دولي عن ضمان تنفيذ الاتفاق وتحويل الهدنة المعلنة إلى سلام ينهي معاناة السكان.
ورغم تراجع وتيرة ضربات الإحتلال مقارنة بالفترة التي سبقت توقيع اتفاق شرم الشيخ، في 10 أكتوبر 2025، بوساطة أمريكية ومصرية وقطرية، فإن الهجمات شبه اليومية لا تزال تحصد ضحايا وتبقي سكان القطاع تحت التهديد المستمر، بينما تواصل قوات الإحتلال السيطرة على نحو 70 في المائة من أراضي غزة، وترفض إطلاق عملية إعادة الإعمار.
بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين أنهكتهم الحرب، لم يحمل مرور عام على الهدنة تغييرا ملموسا في حياتهم، إذ لا يزال آلاف النازحين يعيشون في خيام وملاجئ مؤقتة، بعيدين عن منازلهم المدمرة، فيما يلاحقهم الخوف من القصف ونقص الغذاء والماء والدواء.
وتقول فاطمة عوكل، وهي نازحة في مدينة غزة، لوكالة فرانس برس، إن “لم يتغير شيء، بل إن الأمور ازدادت سوءا”، مضيفة أن الحديث عن الهدنة لا يعكس الواقع الذي يعيشه السكان، في ظل سقوط قتلى وجرحى واستمرار القصف وأزيز الطائرات المسيرة فوق رؤوسهم.
وفي شوارع مدينة غزة، تنتشر الخيام البيضاء وسط أنقاض المنازل المدمرة، بينما لا تزال مبان أخرى قائمة، لكنها فقدت نوافذها وأجزاء من بنيتها، في مشهد يلخص حجم الدمار الذي خلفته الحرب، واستمرار معاناة السكان الذين ينتظرون العودة إلى مساكنهم.
وكان أحمد جنيد، وهو نازح في المدينة، يأمل أن يتيح وقف إطلاق النار عودة الحياة إلى طبيعتها، وأن يتمكن من الرجوع إلى منزله، غير أن واقع النزوح بدد تلك التوقعات. ويقول إن الفلسطينيين اعتقدوا أنهم سيعيشون لحظات من الفرح بعد الاتفاق، لكنهم وجدوا أنفسهم مجددا أمام معاناة المخيمات والنوم على فراش مؤقت.
وتكشف الأوضاع الإنسانية عن حجم المأساة التي خلفتها الحرب الإسرائيلية، المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023. فقد اضطر سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 1.2 مليون نسمة وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى النزوح مرة واحدة على الأقل، فيما أدى الدمار الواسع إلى حرمان أعداد كبيرة منهم من مساكنهم.
وبحسب الأمم المتحدة، كان نحو 82 في المائة من المباني القائمة في القطاع قد تعرضت للدمار بحلول منتصف عام 2026، ما دفع كثيرا من الفلسطينيين إلى مواصلة العيش في الخيام والملاجئ المؤقتة، في ظروف تتسم بالاكتظاظ وتدهور الخدمات الصحية وانتشار الأمراض.
وفي المستشفيات، لا يبدو وقف إطلاق النار كافيا لتغيير واقع الطواقم الطبية والمرضى. ويقول أحمد شوان، وهو طبيب في مستشفى بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، إنه لم يلمس على الأرض الآثار التي كان يفترض أن تترتب عن الهدنة، معتبرا أن مرور عام على الاتفاق لم يتجاوز، بالنسبة إلى السكان، حدود الإعلان السياسي.
وعلى المستوى السياسي، لا تزال المرحلة الثانية من الاتفاق، التي يفترض أن تفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة لإدارة القطاع، تواجه عراقيل. ورغم تشكيل لجنة وطنية من التكنوقراط برئاسة الفلسطيني علي شعث لتولي إدارة غزة، لا تزال حركة حماس تحتفظ فعليا بالسيطرة الأمنية في القطاع، فيما لم تبدأ قوة الاستقرار الدولية، التي وافقت خمس دول، من بينها المغرب، على الانضمام إليها، عملها بعد.
وفي انتظار تفعيل هذه الترتيبات، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في اتفاق لم يضع حدا لمعاناتهم. فإسرائيل، التي تسيطر على جميع منافذ القطاع وفق المعطيات الواردة في التقرير، لا تسمح إلا بدخول كميات محدودة من المساعدات، الأمر الذي يفاقم صعوبة الحصول على المواد الأساسية ويُبقي أسعارها مرتفعة بالنسبة إلى كثير من الأسر الفلسطينية.
ويقول إسماعيل حمودة، البالغ 47 عاما، وهو أب من جباليا نزح إلى مدينة غزة، إن عائلته وغيرها من الأسر تعاني نقص المياه الصالحة للشرب والطرود الغذائية والمساعدات المالية والعينية.
وبينما يستمر الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية لمرحلة ما بعد الحرب، يظل الفلسطينيون في غزة عالقين بين دمار لم تبدأ معالجته، وهدنة لا توفر لهم الأمان، ومساعدات لا تلبي احتياجاتهم، في وقت لم تنجح فيه الضغوط الدولية في ضمان وقف الهجمات أو إطلاق إعادة الإعمار. وبعد عام على الاتفاق، لا يزال السلام الموعود بعيدا عن حياة السكان، الذين يواجهون يوميا تبعات حرب لم تنته آثارها الإنسانية رغم إعلان وقف إطلاق النار.