عاش الدستور!
أصدرت المحكمة الدستورية أمس الخميس 22 يناير 2026، قرارها بشأن مشروع القانون الخاص بالمجلس الوطني للصحافة، بعدما توصلت، قبل أسبوعين فقط، بطلب من المعارضة يستوفي الشروط الدستورية الشكلية.
القرار نزل علينا بردا وسلاما لأنّه أعاد إلى النقاش بديهيات كادت تُدفن تحت ركام مناورات الكواليس. وأيضا لأنها جاء يذكرنا أن حرية الرأي والتعبير ليست شعارا يعلّق على الجدران، بل شرطٌ مؤسِّس لحياة سياسية واقتصادية واجتماعية لا تنهار عند أول أزمة.
قرار المحكمة الدستورية، في جوهره، ليس مجرد تصحيح تقني لمسودة قانون. هو إعلانٌ صريح بأن الصحافة ليست غنيمة، وأن التنظيم الذاتي للصحافة لا يمكن أن يُفعل به ما فُعل بقطاع المحروقات من احتكار وهيمنة، ولا إلى جهاز مُفصّل على المقاس لإعادة توزيع النفوذ السياسي.
الأهمّ في هذا القرار أنّه وضع حدا، ولو مؤقتا، لمحاولة نقل الصحافة من مجال يُفترض أن تحكمه التعددية والحق في الاختلاف، إلى مجال تُديره أقلية أوليغارشية تعتقد أنها يمكن أن تشتري كل شيء، حتى كادت تستولي على ما يصنع الدولة الحديثة: الإعلام الذي يصنع الرأي العام.
لهذا يبدو القرار أشبه بإفشال محاولة انقلابية، ليس على نصّ قانوني فحسب، بل على روح الدستور وعلى فكرة الديمقراطية نفسها. فكل محاولة لابتلاع الصحافة تعني عمليا ابتلاع حق المجتمع في المعلومة، وكسر قدرة الصحافيين على حماية أنفسهم من الابتزاز، وتحويل الفضاء الإعلامي إلى ملحق تابع لمصالح المال والسياسة.
في مسار صدور هذا القرار، وإلى جانب منطوقه الحاسم، تبرز مؤشرات طمأنة قوية تقول لنا، بوضوح، إن الدولة بمعناها العميق لم تكن راضية ولا مزكّية لمسار هذا “الانقلاب” على التنظيم الذاتي للصحافة. بل تبدو، في العمق، كأنها تحمّلت و”صبرت”، حتى وجدت الصيغة التي تُجنبها، وتُجنبنا معها، صدور قانون لا يترك أي أفق للتعددية والاختلاف والتوازن داخل المجال الإعلامي… وربما داخل الدولة نفسها.
لقد كان المسار مكشوفا منذ البداية: آراء مجالس ومؤسسات دستورية حذّرت من مخاطر المشروع، وبيّنت أعطابه، ورسمت حدوده القانونية والسياسية، وأحزاب حذّرت وندّدت، ونقابات وهيئات مهنية ترافعت واحتجّت… لكن الحكومة تعاملت مع كل ذلك بكل استخفاف. ثم جاءت مقاومة المعارضة وبعض النقابات في مجلس المستشارين، إلى درجة الانسحاب من جلسة التصويت، كرسالة سياسية وأخلاقية تقول إن ما يجري ليس إصلاحا عاديا، بل محاولة مصادرة سلطة خطيرة وحساسة اسمها الصحافة.
ومع ذلك، كانت لحظة الحسم الفعلي هي الإحالة على المحكمة الدستورية. وهذه الخطوة، من حيث منطق الدولة وسلوكها المؤسساتي، لا يمكن أن تقع صدفة، ولا أن تمرّ دون إرادة.
وبدون الدخول في النوايا أو في استقلالية القرار الحزبي الذي وفّر النصاب الدستوري اللازم لتقديم الإحالة، فإن ما وقع من حيث التوقيت يقدّم مؤشرا بالغ الدلالة: المصادقة النهائية على المشروع تمت يوم 24 دجنبر 2025، ورسالة نواب المعارضة وُضعت لدى المحكمة الدستورية يوم 7 يناير 2026، أي بعد أسبوعين كاملين.
هذه الفترة كانت كافية تماما ليصدر الأمر الملكي بتنفيذ القانون، لأن الفصل 50 من الدستور ينص على أن الأمر بتنفيذ القوانين يصدر “خلال” الثلاثين يوما التالية لإحالته على الحكومة. بمعنى آخر: كان يمكن لهذا القانون أن يتحول إلى نصّ نافذ، وأن تُغلق كل الأبواب قبل أن نتنفس. لكنه لم يُنفّذ. وتأخّر. وتعطّل. وانتظر مسارا آخر.
هذه ليست تفاصيل تقنية. بل مؤشرات سياسية، تنطق بما لا يُقال: لقد كان هناك من داخل الدولة من لا يريد أن يتحمل وزر هذا النص، ولا يريد أن يوقّع على تأسيس مرحلة إعلامية جديدة عنوانها الاستحواذ النهائي على واحدة من أخطر أدوات الفعل السياسي، أي الإعلام.
وإذا كان السياق السياسي والمؤسساتي سيسمح يوما بالمعرفة، فإننا قد نكتشف أكثر عمّا جرى أثناء إعداد هذا المشروع. خصوصا مع مؤسسة بالغة الحساسية اسمها الأمانة العامة للحكومة، والتي تقول معطيات متقاطعة إنها تعرضت لضغط غير مسبوق في علاقة بهذا النص بالذات، قبل أن تذعن في النهاية للاختيارات السياسية الاستحواذية التي أُمليت عليها.
لحسن الحظ، كانت هناك في الأخير المحكمة الدستورية، التي سمعت من المعارضة ما بحّت حناجرنا في ترديده، ولم تُعر لرسالة رئيس الحكومة، التي لا شك أنها كرّرت نفس خطاب الوزير الوصي على القطاع أمام البرلمان والصحافة، أي وزن يُذكر.
والأهم من هذا كله، أن أخطر ما اتخذته المحكمة الدستورية في هذه النازلة لم يأت حتى بناء على مطالب نواب المعارضة، بل جاء عبر إثارة تلقائية من المحكمة نفسها، وهو ما يجعل الأمر أكثر دلالة على وعي الدولة بحجم الخطر الذي كان يمرّ تحت الأنظار.
يتعلق الأمر بالمادة 49، التي كانت تمنح هيئة الناشرين الحاصلة على أكبر عدد من الأصوات جميع المقاعد المخصصة للناشرين، وهي الأصوات التي تتأتى بطريقة استحواذية تقوم على تحويل رقم المعاملات إلى أصوات إضافية، أي على إعادة إنتاج المال باعتباره رأيا وتمثيلية وشرعية.
المحكمة أوقفت هذا المنطق، وأجبرت المشرّع على فتح المجال لتمثيلية تعددية تضمن الحد الأدنى من التوازن داخل مؤسسة التنظيم الذاتي. وبذلك، لم تسقط فقط مادة قانونية، بل أوقفت مسارا “انقلابيا” تشكّل تحت جنح جائحة كورونا سنة 2020.
الخلاصة التي ينبغي أن تُقال الآن بدون تردد: نحن لم نكن أمام قانون عادي يمكن الاختلاف حول تفاصيله. بل كنا أمام محاولة وضع اليد على الإعلام بوصفه جهازا سياديا، وبوصفه قناة لإعادة هندسة المجال العمومي وفق مصالح أقلية.
في الديمقراطيات الحقيقية لا يمرّ قرار من هذا الوزن كما يمرّ خبر عابر في نشرة المساء. قرار المحكمة الدستورية هذا لا يُسقط نصا تشريعيا مارقا فقط، بل يُسقط معه الغطاء السياسي عمّن صاغه ودفع به وابتزّ المؤسسات لتمريره.
وفي سياق ديمقراطي محترم، كان هذا القرار ليكون كافيا لأن يرحل الوزير الوصي في اليوم نفسه، ومعه رئيس الحكومة الذي تقول كل المعطيات إنه لم يكن مجرد مُصادق صامت، بل كان العقل المدبّر والساهر الحقيقي على توفير الدعم والضغط اللازمين لإخراج المشروع من عنق الزجاجة، ولو على حساب المهنة والدستور ومبدأ التعددية.
أكثر من ذلك، في دولة تعتبر الديمقراطية خطا أحمر فعلا لا شعارا، كان يمكن لمثل هذا المسار أن يجرّ أصحابه إلى مساءلة ثقيلة تتجاوز الاستقالة والإعفاء نحو التحقيق والمحاسبة، لأن محاولة الاستحواذ على الصحافة ليست مجرّد خطأ في التقدير، بل مسّ مباشر بميزان السلطة داخل المجتمع، وبحق الناس في فضاء عمومي متوازن، وبأمن الدولة الرمزي والمعنوي.
حين تتحول القوانين إلى أدوات لخنق التعددية بدل ضمانها، لا يصبح السؤال متعلّقا بمن ربح جولة داخل البرلمان، بل بمن حاول أن يغيّر قواعد اللعبة كلها.
صدق من قال: “الدولة العميقة نعمة”، وعاش الدستور ولا عاش من خانه!