طقوس المغاربة في “إيض يناير”.. مناسبة لتجديد العهد مع الأرض والهوية
لا يمر رأس السنة الأمازيغية، الذي يصادف الرابع عشر من شهر يناير من كل سنة، في مناطق المغرب المختلفة مرورا عاديا، خصوصا في القرى والمجالات الجبلية، باعتباره لحظة فاصلة في علاقة الإنسان المغربي وارتباطه بالأرض والهوية الأمازيغية.
فرأس السنة الأمازيغية أو “إيض يناير” يحمل ذاكرة جماعية تراكمت عبر قرون، صاغتها التجربة الفلاحية وتقلبات الطبيعة، وجعلت الاحتفال بالسنة الفلاحية الجديدة لحظة للتفاؤل والحذر في آن واحد. فالمطر والأرض والحبوب كلها عناصر حاضرة في المخيال الشعبي، وتحول الاحتفال إلى طقس جماعي يعبر عن رغبة الإنسان في التفاؤل ببداية سنة جديدة مليئة بالوفرة و خالية من الشرور و النحس.
ورغم وحدة المناسبة، تختلف طرق الاحتفال بـ “إيض يناير” من مجال ترابي إلى آخر، ما يؤكد غنى الثقافة الأمازيغية وتنوعها داخل المغرب، من سوس إلى الأطلس فالريف، تتعدد الأسماء والطقوس وتختلف، إلا أن الدلالة واحدة الإحتفال بالسنة الفلاحية، ثم الاحتفاء بالهوية الأمازيغية، وتجديد الروابط الاجتماعية بين الأجيال.
احتفال بالأرض و الهوية
دأب أهل سوس ماسة على استقبال السنة الأمازيغية الجديدة بما يليق بها، خاصة مدن تيزنيت، أكادير، تارودانت و غيرها، إذ تبدأ التحضيرات منذ أيام قبل رأس السنة خاصة مابين 11 و 13 يناير، حيث تعد الأسر أطباقا تقليدية تجسد العلاقة العميقة مع الأرض، الكسكس بالخضر، والعصيدة “تاكلا”، والفواكه المجففة، و”آملو” والعسل والبيض، جميعها تزين المائدة السوسية.
ومن أبرز طقوس الاحتفال هو إعداد “تاكلا”، وهي عصيدة تحضر من دقيق الشعير والذرة، وتزيَّن بزيت الأركان أو العسل، حيث دأبت الأسر على إعداد هذا الطبق بمناسبة رأس السنة الأمازيغية نظرا لتوفر هذه المواد قبل الحصاد، و يتم وضع نواة تمر “أغرمي” مخفية في الطبق الرئيسي، ومن يعثر عليها يعتبر محظوظ السنة القادمة.
ولا يكتمل الطقس السوسي دون الموسيقى والأهازيج الأمازيغية ورقصة “أحواش” الجماعية التي تملأ البيوت والساحات، حيث يرتدي الرجال والنساء اللباس التقليدي احتفالا بالهوية، في حين يستمر الأطفال في لعب الأدوار الرمزية الصغيرة، مثل العثور على النواة أو المساعدة في ترتيب المائدة.
ويحرص سكان منطقة سوس على أن تمر ليلة “إيض يناير” في جو من الوئام والانسجام العائلي، انطلاقا من الاعتقاد بأن بدايات العام تمثل مؤشرا لما ستشهده بقية أيامه، لذلك، تسوّى الخلافات وتطوى الخصومات قبل حلول الليلة، ويتجمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة لتناول الوجبات التقليدية.
وتعد هذه الطقوس جزءا من التراث الأمازيغي الذي يولي أهمية كبيرة للقيم الجماعية والتضامن العائلي. فالاجتماع حول الطعام يحمل رمزية الانسجام والتآزر، ويؤكد حرص المجتمع على بدء العام الجديد بروح من التعاون والود، بعيدا عن أي توتر أو خصام قد يبعد البركة عن البيت.
واليوم، وامتدادا لهذه الاحتفالية العريقة، لم يعد الاحتفال يقتصر على البيت والعائلة فقط، و إنما أصبح يشهد تنظيم فعاليات جماعية واسعة تشارك فيها جمعيات المجتمع المدني والمدارس في مختلف أحياء المدن وخاصة في أكادير وتزنيت ومنطقة سوس بوجه عام.
كما يتم تنظيم عروض مدرسية وأمسيات ثقافية، حيث يقدم التلاميذ أغان ورقصات أمازيغية، مسرحيات، ومعارض للتراث تبرز فخرهم بهويتهم وتاريخهم، كما تشارك النساء والأسر في إعداد الأطعمة التقليدية وتقديمها كجزء من القيمة الجماعية للتغذية والاحتفال التي تمتد من البيت إلى المدرسة والمجتمع الأمازيغي .
“الحاكوز” والاحتفالات العائلية
في الريف يطلق على رأس السنة الأمازيغية اسم “الحاكوز” حيث تأخذ طقوس الاحتفال شكلا متنوعا و تختلف من قبيلة إلى أخرى، فمثلا، في قبيلة زرقت، التابعة لإقليم الحسيمة، تمتد الاحتفالات لثلاثة أيام، يمنع خلالها طهي القطاني، ويحضر طبق خاص يشمل اللوز والجوز والزبيب والتين الجاف، بينما تتصدر وجبة العشاء المحلية مثل الأرنب احتفال السنة الجديدة.
أما قبيلة “آيت سداث” بنفس الإقليم، فتشتهر بفطيرة “تانكولت” المخصصة للأطفال، والتي يوضع جزء منها تحت الوسائد، اعتقادا بأن سيدة عجوز تدعى “لالة الحاكوزة” ستأخذ نصيبها وتقتسم معهم الفطيرة لتتم مباركة الأطفال وينالوا نصيبهم من الحظ و التفاؤل طيلة السنة على غرار تقليد العثور على نوى التمر في سوس .
وتستمر الطقوس الرمزية صباح اليوم التالي بتحضير أكلة “الدشيشة” بالفول “إيبرين س إيباون” والفواكه الجافة و هي أكلة خاصة بمناسبة رأس السنة الأمازيغية، بينما في قبيلة “آيت بونصار ” و هي قبيلة أمازيغية عريقة من صنهاجة السراير في منطقة الريف يعتبر اليوم عطلة للنساء، حيث يمتنعن عن أعمال البيت والفلاحة أو جمع الحطب، ويستمتعن بالمشاركة في تحضير الولائم.
و العديد من القبائل الأخرى، مثل تاغزوت وكتامة وآيت بشير، تحتفظ بأكلات خاصة وممارسات رمزية مثل تحضير الإسفنج، الدشيشة، أو إركمان، حيث توزع الأطعمة واللحوم بين الأسر، وتردد العبارات الشعبية مثل “أسكاس ذاميمون” أو “أسكاس أماينو”، “سنة سعيدة” تعبيرا عن الفرح وتبادل التهاني.
كما تقترن الأمسيات بالاجتماعات العائلية، وسرد الحكايات الشعبية، وتبادل التهاني، بينما تستمر الطقوس حتى صباح اليوم التالي، لتثبيت الرمزية والأمل في سنة جديدة جيدة مليئة بالخير و البركة و خالية من الشرور و سوء الحظ.
القبيلة والجماعة
أما سكان الأطلس المتوسط، خاصة بإقليمي خنيفرة وميدلت، فيحيون رأس السنة الأمازيغية “إيض يناير” بطقوس جماعية تضرب جذورها في التاريخ الزراعي والاجتماعي للمنطقة، حيث يتحول مساء 13 يناير إلى لحظة جامعة تعكس الارتباط بالأرض والذاكرة والهوية.
كما يكون الاحتفال أكثر جماعية، إذ تتجمع الأسر تحت إشراف زعيم القبيلة ومعاونيه، وتتمثل إحدى الطقوس الأساسية في إعداد وجبات تقليدية، أهمها الكسكس بالخضار والعصيدة، إضافة إلى تشتيت الحبوب والفواكه المجففة في الحقول والمراعي والمخازن، سعيا إلى التفاؤل و جذب الوفرة خلال السنة الجديدة.
وفي عدد من القرى الجبلية، تخفى حبة تمر أو لوز داخل الطبق، في طقس مشابه لأهل سوس و يستبشر أيضا بمن وجده بالحظ الجيد والتفاؤل بما يحمله العام الجديد.
ولا يقتصر الاحتفال على الفضاء العائلي، حيث يمتد إلى الساحات والفضاءات الثقافية، إذ تشهد مدن وقرى خنيفرة وميدلت تنظيم سهرات فنية وأمسيات تراثية، تحييها فرق محلية تقدم أهازيج أمازيغية ورقصات جبلية تعكس غنى الموروث الثقافي للأطلس المتوسط، بحضور أهل المنطقة.
واليوم، ومع ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية، يكتسب هذا الاحتفال بعدا جديدا يتجاوز الطقس المحلي، ليصبح مناسبة وطنية لإعادة الاعتبار للتراث اللامادي، وتعزيز حضور الثقافة الأمازيغية في الفضاء العام، باعتبارها رافدا أساسيا من روافد الهوية المغربية الجامعة.