story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

ضيوف من الرباط: النظام الإيراني مغلق من الداخل ويواجه ضغوطا متصاعدة من الخارج

ص ص

أجمع ضيوف برنامج “من الرباط” الذي يبث على منصات صحيفة “صوت المغرب” على أن النظام الإيراني يوجد اليوم في لحظة مفصلية غير مسبوقة، تفرضها تحولات داخلية عميقة وضغوط إقليمية ودولية متصاعدة في سياق ترتيبات ما بعد السابع من أكتوبر 2023.

ورغم اختلاف زوايا التحليل، إلا أن المتدخلين اتفقوا على أن إيران لم تعد قادرة على الاستمرار بالمنطق نفسه الذي حكمت به منذ الثورة، وأن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد أزمة ظرفية إلى أزمة بنيوية تمس طبيعة النظام نفسه.

كما اتفق المتدخلون على أن مستقبل إيران لا يختزل في سيناريو واحد، و إنما يتراوح بين احتمالات السقوط المنظم، أو الفوضى، أو محاولات إصلاح محدودة من داخل النظام، مع تباين في تقدير أي السيناريوهات أقرب للتحقق، في ظل تعقيد المشهد الإيراني وتشابك العوامل الداخلية والخارجية.

3 سيناريوهات

في هذا الصدد، أكد رئيس مركز دراسات آسيا الشرق مصطفى كرين أن ما يجري اليوم من احتجاجات داخلية و تهديدات خارجية يطرح تساؤلا مركزيا حول إمكانية التغيير داخل إيران، مبرزا ثلاثة سيناريوهات محتملة.

وأوضح كرين، خلال مداخلته، أن السيناريو الأول يتمثل في السقوط المنظم للنظام، عبر إسقاط رأس النظام مع الحفاظ على المؤسسات، وفتح مسار توافقي بين النخب السياسية والمجتمع الإيراني، في أفق مجلس تأسيسي يضع دستورا جديدا ديمقراطيا ومحايدا، يفضي إلى انتخابات ومؤسسات جديدة.

أما السيناريو الثاني، يرى كرين أنه يتمثل في السقوط الفوضوي، وهو الأخطر، لما قد يخلقه من فراغ أمني وانتشار للعنف، ما قد يفضي إلى إفراز شخصية قوية، غالبا بدعم خارجي، تعيد إنتاج نظام مركزي لا يتمتع بولاء شعبي حقيقي، مرجحا أن تلعب الولايات المتحدة دورا في هذا المسار.

وأضاف أن السيناريو الثالث، المتعلق بالتغيير البطيء من داخل النظام، يظل في نظره مستحيلا، مؤكدا أن النظام الإيراني غير قابل للإصلاح من الداخل، وأن هذا المسار البطيء لا يحظى بدعم شعبي ولا يضمن نتائج واضحة.

و اعتبر المتحدث أن ما يقع حاليا سيقود، عاجلا أو آجلا، إلى تغيير النظام الإيراني، معتبرا أن سقوطه أصبح مسألة وقت، مع ترجيحه لسيناريو السقوط الفوضوي، على غرار ما عرفته دول مثل ليبيا والعراق.

وتابع أن إيران تعيش اليوم على وقع نظام سياسي مغلق، موضحا أن الإشكال الجوهري في النظام الإيراني يكمن في بنيته المغلقة وتركيبته القائمة على مثلث سلطوي يتحكم في مفاصل الدولة.

وأشار إلى أن الضلع الأول في هذا المثلث هو المرشد الأعلى، الذي يسيطر على الجيش، والإعلام، والجهاز القضائي، والحرس الثوري، وهو الجهة التي تحدد ما هو المسموح والممنوع، أو ما يُعرف بالخطوط الحمراء داخل النظام.

وأورد أنه إلى جانب المرشد الأعلى يوجد جهاز الحرس الثوري، الذي لا يقتصر دوره على البعد العسكري فقط، بل يتحكم أيضا في الاقتصاد، في مفارقة لافتة، بحيث يهيمن على القطاعات الاستراتيجية ذات الطابع الاقتصادي، وعلى رأسها النفط والغاز، فضلا عن امتلاكه جيشا موازيا بريا وبحريا وجويا.

وشدد رئيس مركز دراسات آسيا الشرق على أن الضلع الثالث في هذا المثلث يتمثل في مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يلعب دورا بالغ الخطورة على عدة مستويات، لافتا إلى أن أن هذا المجلس يتولى، أولا، قبول أو رفض المرشحين لأي منصب سياسي، إذ لا يمر أي ترشح دون مصادقته.

وأضاف أن المجلس يمتلك، ثانيا، حق الفيتو على القوانين، إذ يمكنه تعطيل أي قانون صادق عليه البرلمان الإيراني دون إعادة النقاش داخله، أما المستوى الثالث، وفق كرين، فيتعلق برفض المجلس لأي تداول حقيقي على السلطة، باعتباره حارسا لنظام ولاية الفقيه، وهو ما يعمّق طابع الانغلاق السياسي.

وخلص مصطفى كرين إلى التأكيد على أن هذا الانغلاق البنيوي للنظام الإيراني من شأنه أن يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل تقديم إيران كدولة قمعية، وهو توصيف اعتبره مطابقا للواقع، مذكرا بأن النظام، منذ انقلابه على حكم الشاه، لجأ إلى التصفية الجسدية لمعارضيه من ماركسيين وليبراليين وغيرهم، وقام بتفكيك المؤسسات القائمة، واستبدالها، فضلا عن تصفية المنظومة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في إيران.

نظام مكشوف

من جانبه أكد الصحافي مصطفى ابن الراضي أن الأنظار اليوم باتت موجهة بشكل مباشر إلى النظام السياسي الإيراني ورأسه المكشوف، في سياق ترتيبات إقليمية جديدة لما بعد السابع من أكتوبر 2023، موضحا أن المصلحة الإسرائيلية في هذه المرحلة تبدو أكبر من المصلحة الأمريكية نفسها.

وأضاف أن إسرائيل تتصرف باعتبارها “سيدة المنطقة”، من خلال سياسات أحادية، سواء عبر دعم نزعات انفصالية كما هو الحال في أرض الصومال، أو من خلال تدخلاتها في عدد من الدول العربية مثل لبنان و اليمن.

وأوضح ابن الراضي أن السلوك الإسرائيلي يتجلى كذلك في الاستفزازات المتكررة تجاه السعودية، مشيرا إلى أن الردود السعودية، خاصة في حضرموت وفي جنوب اليمن، تندرج ضمن هذه الترتيبات الإقليمية الجديدة التي يعاد رسمها في المنطقة.

وأضاف أن إيران، من خلال دعمها لحركات المقاومة وحضورها المسلح داخل عدد من العواصم العربية، شكلت في مرحلة معينة حجر عثرة أمام المشروع الإسرائيلي.

وشدد الصحافي على أن التطورات الأخيرة في المنطقة غيرت موازين كثيرة، معتبرا أنه إذا تجاوز الرهان مرحلة “تقليم أظافر” النظام الإيراني إلى السعي لإسقاطه، فإن ذلك سيجعل بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب في غاية الرضا، لأن النتيجة، بحسبه، ستكون دخول إيران في عقود من الفوضى، يصعب التنبؤ بمآلاتها، في ظل الفسيفساء الإثنية والعرقية التي يتكون منها المجتمع الإيراني، وحجم الغضب المتراكم داخله.

وأضاف بن الراضي أن النظام الإيراني هو نظام ثوري مرّ عليه اليوم حوالي خمسين سنة، “وهو نظام مغلق بطبيعته، وكل نظام مغلق، في لحظة معينة، يدخل مرحلة التكلس ويصبح غير قابل للإصلاح من الداخل”.

وأوضح المتحدث أن الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان يحاول، من حين لآخر، تقديم خطاب نقد ذاتي، والاعتراف بوجود أخطاء داخل النظام، غير أن هذا الخطاب، بحسبه، لا يخرج عن التفسير الكلاسيكي للنظام الإيراني، الذي يعتبر المتظاهرين “عملاء للخارج” وموجهين من قوى خارجية، مشددا على أن هذه السردية تتيح للنظام التعامل مع المحتجين كأعداء، وتبرير استهدافهم وقمعهم، بل وحتى قتلهم.

وأضاف أن هذه السردية لا تُنتجها طهران وحدها، ولكن يغذيها أيضا الخطاب الأمريكي وخطاب نتنياهو، ما يعمّق حالة الاستقطاب ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي الإيراني.

وأوضح المتحدث أن الخطاب التعبوي الذي تنتجه الدولة، مع مرور الوقت، يبدأ في التآكل، لأن قيم المجتمع تتغير، وإذا لم يستطع النظام السياسي مواكبة هذه التحولات، فإنه يصل إلى حالة من الاستعصاء، بحيث يفقد قدرته على مخاطبة الناس والتعبير عنهم باعتباره سلطة شرعية.

وأضاف أن هذه التحولات الداخلية تتزامن مع ضغوط خارجية هائلة، مرتبطة بالعقوبات المفروضة بسبب البرنامج النووي، وبحصار اقتصادي خانق لم يعد يضر فقط بالنظام السياسي، بل مسّ بشكل مباشر حياة الإيرانيين، ما راكم مشاعر الغضب داخل المجتمع.

وشدد مصطفى ابن الراضي على أن هذه الضغوط بلغت ذروتها مع الانتقال إلى الضغط العسكري، كما حدث خلال الحرب التي دامت اثني عشر يوما، والتي تعرضت فيها إيران لعدوانية كبيرة، استهدفت قيادات الصف الأول في الجيش، “وهو ما يؤشر على أن النظام الإيراني ظهر في هذه اللحظة مكشوفا، وأكثر هشاشة مما كان عليه في السابق”.

نظام عقائدي لكنه براغماتي

من جهته قدم الأستاذ الجامعي والحقوقي خالد البكاري، قراءة مغايرة بخصوص توصيف النظام الإيراني، موضحا أن هذا الأخير، رغم كونه نظاما عقائديا، لا يمكن مقارنته بتنظيمات متطرفة مثل “داعش”.

وأضاف أن النظام الإيراني نظام براغماتي في جوهره، إذ أبان، في مراحل متعددة، عن قدرة واضحة على المناورة وتقديم التنازلات، ليس فقط في علاقته مع الخارج، بل حتى داخل المجتمع الإيراني نفسه.

وأوضح البكاري أنه، ورغم أن إيران تُعد من بين الدول التي قمعت الحريات الفردية لفترات طويلة، فإن طريقة تعاملها مع هذا الملف في بدايات الثورة ليست هي نفسها اليوم، مشيرا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تقديم تنازلات ملموسة، وإن كانت محدودة.

وأضاف أن المؤسسة العقائدية للنظام، سواء على مستوى المرشد الأعلى أو داخل مجلس تشخيص مصلحة النظام، لا تتقبل مبدئيا هذا الانفتاح النسبي، لكنها تدرك في الآن ذاته أنه أصبح فوق طاقتها، خاصة بعد احتجاجات “مهسا أميني”، حيث أعطى المرشد الأعلى تعليماته بتقليص تدخل القوات المكلفة بمراقبة الحجاب واللباس.

وشدد المتحدث على أن هذا الانفتاح النسبي يتجلى كذلك في التعامل مع ملف السينما الإيرانية، التي عرفت خلال السنوات الأخيرة هامشا أكبر من الحرية مقارنة بالمراحل السابقة، وهو ما يعكس، بحسبه، طبيعة النظام البراغماتية.

وأضاف البكاري أن نقطة قوة النظام الإيراني تكمن في كونه نظاما عقائديا أكثر منه أيديولوجيا، قائما بالأساس على نظرية ولاية الفقيه، وهي النظرية التي، رغم تآكلها، ما تزال تمتلك قاعدة اجتماعية، وإن لم تكن الأكبر.

وأكد البكاري أن النظام الإيراني يستند إلى عنصرين أساسيين. يتمثل الأول في البعد العقائدي المرتبط بالتشيع، في مقابل تيارات علمانية وليبرالية تفتقر، بحسبه، إلى التنظيم والقيادات الواضحة.

أما العنصر الثاني، فيتعلق بالإصلاحيين من داخل النظام، القادرين على لعب أدوار سياسية مهمة، وفتح قنوات حوار مع الغرب والولايات المتحدة، وتقديم تنازلات قد تفضي إلى سيناريو إسقاط رأس النظام مع الحفاظ على استمرارية هيكل الدولة، بما في ذلك بعض أبعادها الإيديولوجية.

وأضاف أن العنصر الذي لا يحظى بما يكفي من النقاش هو البعد القومي الفارسي للنظام، موضحا أن أغلب القيادات، خاصة داخل الحرس الثوري، تنتمي إلى العرق الفارسي، وأن النظام، على امتداد عقود، لم ينجح في إبراز قيادات مركزية تمثل المكونات غير الفارسية، مثل العرب، والأكراد، والتركمان.

وشدد على أن النظام يفتقر إلى مشروعية حقيقية وسط بعض هذه الفئات، لا سيما الأكراد، حيث تحظى الشخصيات المعبرة عن الطموحات القومية والإثنية بشعبية أكبر في مناطقها.

وأوضح البكاري أن هذا المعطى يعيد طرح سيناريو الفوضى، من خلال اللعب على النزعات الانفصالية، وما قد ينتج عنها من تفكك للدولة المركزية.

وأكد خالد البكاري في ختام حديثه أن النظام الإيراني، رغم ضعفه على مستوى الحريات والاقتصاد، بفعل الحصار والعقوبات، يمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها جهاز الحرس الثوري، والتقدم الذي حققته إيران في مجالات البحث العلمي، والدراسات الثقافية والفلسفية، فضلا عن تطور صناعتها العسكرية، “ما يؤكد أن إيران ليست نظاما هشا يمكن أن يستسلم بسهولة”.

لمشاهدة الحلقة كاملة، يرجى الضغط على الرابط