story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ضد إيران وضد إسرائيل

ص ص

قبل أشهر، كان من الممكن أن أكتب، وقد كتبت فعلا، من موقع “مع إيران ضد إسرائيل“، لأن المعركة آنذاك كانت، في جوهرها السياسي والرمزي، امتدادا مباشرا لحرب الإبادة في غزة، وكانت إيران تظهر، بصرف النظر عن نواياها العميقة وأجنداتها الخاصة، بوصفها جبهة إسناد في لحظة اشتباك مفتوح مع الكيان المحتل.

أما اليوم، وبعد انفجار المعركة الجديدة صباح السبت 28 فبراير 2026، فإن تركيب المشهد اختلف، ومعه ينبغي أن يختلف الموقف. لا لأن المبادئ تتغير، بل لأن الوقائع نفسها تغيرت، ومن يصر على استعمال نفس البوصلة في كل لحظة، ولو تغيّر المجال المغناطيسي كله، لا يكون مبدئيا بل كسولا.

القول اليوم بـ”ضد إيران وضد إسرائيل” ليس محاولة لجوء إلى المنطقة الرمادية، ولا مساواة أخلاقية بين طرفين مختلفين في التاريخ والبنية والدور. إسرائيل تظل، في كل الأحوال، دولة احتلال واستيطان وإبادة، بل ظاهرة سرطانية مزروعة في المنطقة بالقوة، وأداة قتل منظم وتفكيك مستمر للمجتمعات والدول، ومصدر الخطر الأشد ثباتا على فلسطين وعلى الإقليم كله. هذه ليست نقطة للنقاش أصلا، ولا تحتاج منا إلى عبقرية في التحليل، بل فقط إلى ذاكرة سليمة وقلب لم يتبلد بعد.

لكن وضوح هذه الحقيقة لا يلزم عنه تلقائيا أن كل خصم لإسرائيل يصبح، في كل وقت وكل معركة، في الجهة التي يجب أن نقف معها. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي للموقف، حيث يجب التمييز بين من يشتبك مع إسرائيل داخل معركة تخدم قضية عادلة، وبين من يجر المنطقة إلى نمط آخر من الفوضى والرسائل بالنار، ليخلط الأوراق ويضرب الدول العربية ويحوّل المعركة من مواجهة مع الاحتلال إلى ابتزاز إقليمي متعدد الاتجاهات.

الفرق الأول بين معركة يونيو 2025 والمعركة الحالية، هو أن إيران في المعركة السابقة كانت في مواجهة واضحة ومباشرة مع إسرائيل، ولم توسّع نطاق نيرانها إلى الدول العربية، بما فيها تلك التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية، أو على الأقل كانت تتصرف داخل حد أدنى من الضبط يسمح بفهم معنى الضربة وحدودها.

وحتى عندما قررت توجيه “ضربة” إلى قاعدة العديد في الدوحة، بدا واضحا أنها رتبت لها بما يكفي لتكون رمزية، ومحسوبة، وموجهة للاستهلاك الداخلي وحفظ ماء الوجه، مع احتياطات تمنع الإضرار بالدولة المضيفة وتحول دون الانزلاق إلى حرب مع الخليج نفسه. كان ذلك سلوكا يمكن قراءته، حتى مع التحفظ عليه، داخل منطق الرد المدروس على خصم خارجي.

أما اليوم، فالصورة انكسرت. حين تنتقل الصواريخ الإيرانية إلى استهداف دول الخليج العربي، باستثناء سلطنة عمان، وحين تُضرب مدن لا صلة لها مباشرة بقواعد أمريكية، مثل دبي، فإننا نكون أمام شيء آخر تماما. هنا لا يعود الحديث عن دفاع مشروع عن النفس ولا عن رد على عدوان خارجي، بل عن توسيع متعمد لدائرة الإيذاء، وعن رسائل قوة تُرسل عبر المجال العربي باعتباره ساحة قابلة للاستخدام.

وحين تكون السعودية قد رفضت استعمال أجوائها في العمليات الجوية ضد إيران، ثم تجد نفسها داخل دائرة الاستهداف أو التهديد، فإن طهران تكون قد كسرت بنفسها مرآة الوضوح، وألغت من يدافع عنها الحجة التي كان يمكن التمسك بها.

عندما تخلط إيران بهذا الشكل بين خصومها الفعليين وبين المجال العربي، يصبح الموقف المغربي منضبطا بمنطق المصالح كما هو منضبط بمنطق الواقع. فهو، بحكم شبكة تحالفاته ومجاله الحيوي وعلاقاته الاستراتيجية والإنسانية، لا يمكنه إلا أن يكون في صف الدول العربية المستهدفة بالقصف الإيراني، لأن استهدافها ليس تفصيلا عسكريا عابرا، بل مساس مباشر ببنية الاستقرار التي تشكل جزءا من أمن المغرب نفسه.

والفرق الثاني مع معركة يونيو 2025، أن الموقف المغربي الرسمي هذه المرة لم يتأخر، بل جاء سريعا وشبه فوري، عبر بلاغ الخارجية ثم بلاغ الديوان الملكي الذي حمل إدانة صريحة للاعتداءات التي استهدفت سيادة دول الخليج وسلامة أراضيها، وتعبيرا واضحا عن التضامن الكامل معها، مع تأكيد بالغ الدلالة على أن أمن واستقرار دول الخليج جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المغرب.

هذه النقطة مهمة ليس لأن الموقف الرسمي مقدس، ولا لأنه المصدر الوحيد للموقف الأخلاقي والسياسي، بل لأنه عنصر أساسي في بناء أي موقف جاد. فالدولة، حين تعبّر، فهي تكشف عن تقدير للمصلحة الوطنية كما تراها هي، نعم، لكن هذا التقدير ليس شيئا يمكن التعامل معه بخفة، ولا يمكن شطبه بمجرد رغبة انفعالية في التميّز.

ثم إن سرعة الموقف الرسمي هنا لها معنى إضافي: وجود رؤية وتموقع واختيار. وهذا، في السياسة، أفضل بكثير من الصمت الذي يوحي بارتباك أو غياب بوصلة أو عجز عن الجمع بين المبادئ والمصالح.

والفرق الثالث أكثر عمقا، لأنه يتعلق بطبيعة المعركة نفسها لا فقط بسلوك أطرافها. معركة 2025 كانت، في الوجدان وفي المعنى السياسي، ملتحمة بالحرب الدموية على غزة. كانت امتدادا لحريق مفتوح في فلسطين، ولذلك كان من الممكن فهم التموضع فيها انطلاقا من مركزية القضية الفلسطينية ومن أولوية إسناد المقاومة في لحظة اختناق تاريخية.

أما المعركة الحالية، فلا يمكن قراءتها بنفس الآليات. لا لأن فلسطين خرجت من التاريخ، ولا لأن غزة صارت بخير، بل لأن مركز الثقل هنا انتقل إلى ملفات أخرى، في مقدمتها الملف الإيراني الغربي، وعلى رأسه المشروع النووي، ومعه خرائط الردع الكبرى، والتجاذب الأميركي الإيراني، وتفاعلات مخاض النظام الدولي الجديد.

حين تكون المعركة مرتبطة أكثر بملفات “ثنائية” أو شبه ثنائية بين إيران والغرب، وبحسابات إعادة رسم موازين القوة الدولية، لا يعود ممكنا بناء الموقف حصرا على اعتبارات الانتماء الحضاري والثقافي. وهذا ليس نقصا في الأخلاق، بل شرط من شروط العقل.

إيران نفسها، حين تفتح جسور التحالف مع موسكو وبكين، لا تفعل ذلك انطلاقا من رابطة إسلامية ولا مذهبية شيعية، بل بمنطق الدولة والمصلحة والتموضع في صراع القوى الكبرى. فلماذا سيُطلب منا نحن أن نقرأ المشهد بعين الهوية وحدها، بينما يقرأه الجميع بعين المصالح؟

قد يقال، عن حق، إن الموقف الرسمي المغربي أدان الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج ولم يشر من قريب أو بعيد إلى الإدانة المطلوبة للعدوان الأصلي الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران. وهذا انتقاد مشروع، بل ضروري، لأن الاتساق المبدئي يقتضي تسمية العدوان باسمه أينما كان، خصوصا عندما يتعلق الأمر بضرب دولة عضو في الأمم المتحدة خارج منطق الشرعية الدولية الواضح.

لكن الصورة المغربية لا تنتهي عند البلاغ الرسمي وحده. فقد صدرت، داخل المجال السياسي والمدني المغربي، أصوات لا يمكن وضعها بالكامل خارج “الموقف الرسمي” بالمعنى الواسع للدولة والمجتمع السياسي، عبّرت بوضوح عن إدانة العدوانين معا: العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، والرد الإيراني حين تمدد نحو دول عربية شقيقة.

فعل ذلك المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية في تصريح واضح، كما فعلت حركة التوحيد والإصلاح في بلاغ يدين العدوان على إيران ويشدد في الآن نفسه على رفض المساس بسيادة الدول العربية والإسلامية ويدعو إلى تغليب منطق الحوار.

يمكن أن نقول بوضوح إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحملان مسؤولية فتح هذا الجحيم، وإن ضرب إيران بهذه الطريقة يمثل انتهاكا خطيرا ومغامرة إقليمية كبرى، وفي الوقت نفسه نقول إن طهران حين تنقل النار إلى عواصم عربية وتستهدف مدنا لا صلة لها مباشرة بالمواجهة، فإنها تتحمل بدورها مسؤولية تحويل المعركة إلى تهديد شامل للاستقرار الإقليمي.

ثم هناك درس ثقيل، بل ربما هو أكثر الدروس قسوة في ما يجري لإيران اليوم، ويتجاوز المعركة الحالية ليصل إلى جوهر ما يجعل الدول تصمد أو تنكسر. يتعلق الأمر بضعف الجبهة الداخلية وترهلها.

ما تكشّف حتى الآن من اختراقات إسرائيلية عميقة، وصلت إلى قلب الدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد الأعلى، وبما أتاح تحديد لحظة وجوده في مستوى أقل عمقا داخل التحصينات، وبالضبط أثناء اجتماع مع مسؤولين كبار، ليس مجرد نجاح استخباراتي خارق بمعناه التقني، ولا مجرد قصة “عملاء” و”خونة” بالمعنى الأخلاقي السهل.

هذا النوع من الاختراق يقول شيئا أعمق: حين تضعف الشرعية الديمقراطية، وتترهل العلاقة بين الدولة ومجتمعها، وتتسع الهوة بين الخطاب الرسمي والناس، تصبح الجدران أكثر سماكة، نعم، لكن البيت من الداخل أكثر هشاشة.

لقد رأينا، ولو بشكل محدود ومتفاوت، بعض مظاهر الفرح بمقتل خامنئي في بعض الأوساط الإيرانية. لا يجوز المبالغة في هذا ولا تعميمه، لكنه مع ذلك علامة لا ينبغي تجاهلها. فالدولة التي يدخل عدوها إلى غرفها الداخلية، ويعثر داخل مجتمعها على من يحتفل بضرب رأسها، هي دولة تعاني أزمة شرعية قبل أن تعاني أزمة أمن.

هذه ليست شماتة في إيران، بل عبرة لمن يريد أن يفهم: لا يكفي أن تمتلك صواريخ ومسيرات وحلفاء في الإقليم إذا كانت جبهتك الداخلية متآكلة، وإذا كان جزء معتبر من شعبك لا يرى في معركتك معركةً تخصه، أو لا يثق في أنك تخوضها باسمه لا باسم بقاء نظامك.

ليس المطلوب اليوم أن نهتف لواشنطن وتل أبيب لأننا غاضبون من صواريخ طهران على الخليج، كما أنه لم يكن المطلوب أمس أن نهتف لطهران لأننا غاضبون من جرائم إسرائيل في غزة. المطلوب هو شيء أصعب: أن نحتفظ ببوصلة مركبة، ترى إسرائيل كما هي، وترى إيران كما تتصرف، وترى المغرب كما ينبغي أن يفكر في نفسه داخل هذا الزلزال. فالموقف الناضج ليس أن تختار “معسكرًا” ثم تسلّم له عقلك، بل أن تبني حكمك انطلاقا من مبادئ واضحة ومصالح حقيقية وقراءة دقيقة للوقائع.