story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ضحايا الفيضانات و “Erreur 504”

ص ص

خرج وزير التجهيز والماء، الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، في برنامج “ديكريبتاج” الذي تقدّمه إذاعة “إم إف إم”، ليبرّر لماذا اكتفت الحكومة بأربعة أقاليم فقط حين أعلنت المناطق “المنكوبة” بفعل الفيضانات الأخيرة في الشمال الغربي للمغرب.

وكشفت توضيحات بركة كيف يمكن للحكومة أن تعمد إلى تغيير القواعد وتعديل النصوص الخاصة بالتعويض عن الكوارث الطبيعية، بدل تطبيقها؛ وهو بالضبط ما جرى بعد زلزال الحوز، حيث أقدمت الحكومة على تعديل المرسوم التطبيقي للقانون 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، وأضافت إليه شروطا هي السبب في إقصاء أقاليم مثل شفشاون وتاونات وتازة والحسيمة… من دخول قائمة الأقاليم المنكوبة والمشمولة بالتعويضات.

لقد أصبح واضحا أن المسألة لا تُدار بمنطق تقدير حجم الضرر كما يراه الناس في قراهم ووديانهم وطرقاتهم المنهارة، بل تُدار بمنطق معايير تقنية موصولة، على نحو مباشر أو غير مباشر، بعقود التأمينات الدولية التي تبرمها شركات التأمينات المغربية، لتحصل بدورها عن تعويض عن خسائر الكوارث.

كان المرسوم الذي أحال عليه بركة قد صدر في أبريل 2019، بالتزامن مع دخول القانون 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية حيز التنفيذ.

وعند العودة إليه تظهر التفاصيل التي تغيّر معنى النقاش كله: الحكومة الحالية عدّلته في فبراير 2024، أي بعد خمسة أشهر فقط من زلزال الحوز الذي وقع يوم 8 شتنبر 2023، وأقحمت فيه معايير لم تكن منصوصا عليها بهذه الصيغة من قبل، من بينها جعل الفيضان “واقعة” تقاس بمدة استمرار ارتفاع مستوى المياه، وهي 21 يوما متتالية.

في المقابل، يُشترط للزلزال سبعة أيام متتالية تشمل الهزات الأرضية بما فيها الارتدادية، وهو الشرط نفسه تقريبا الذي وُضع للتسونامي ولـ“الفعل العنيف للإنسان” الذي يمكن اعتباره كارثة في حالات مثل الأفعال الإرهابية.

من هنا نفهم كيف يمكن أن تُستعمل الصلاحيات التنظيمية في إفراغ القوانين من معناها. يكفي أن تُضاف شروط من هذا النوع حتى يتحول القانون، الذي وُضع ليضمن للضحايا حقا أصيلا، إلى نص “موقوف التنفيذ” ومعلّق على معايير قد تجعل التعويض استثناء لا قاعدة.

هذا ما حال، مثلا، دون اعتبار فيضانات آسفي الأخيرة واقعة كارثية، ومنع اعتبار المدينة منطقة منكوبة، وحرم ضحاياها من التعويض. وها نحن أمام السيناريو نفسه يتكرر اليوم، لكن على نطاق أوسع، حيث تُستبعد مناطق شاسعة تعرضت لأضرار بليغة بفعل الفيضانات الأخيرة.

نص تنظيميّ تتخذه الحكومة بجرة قلم تحت جنح السرية، في سياق لم نعد فيه نطّلع حتى على مشاريع القوانين المعروضة على المجلس الحكومي، فبالأحرى مشاريع المراسيم والقرارات. ليتحول النص القانوني إلى وثيقة بلا مضمون فعلي، تستطيع الحكومة أن تغيّر مآلها كما تشاء، ولا شيء يمنعها غدا من أن تعود لتشترط استمرار الكارثة سنة كاملة مثلا، إن لم يكن هناك رادع سياسي ومؤسساتي وحقوقي.

حين نعود إلى تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة، حين تمّت المصادقة على تعديل المرسوم في فبراير 2024، نجد أنه تحدّث عن تمكين سوق التأمين الوطنية من إحالة الأخطار إلى سوق إعادة التأمين الأجنبية “في أحسن الظروف”، أي أن التعديل لم يتمّ لتقليص العبء أو الكلفة على الحكومة، بقدر ما جاء لخدمة مصالح شركات التأمين وتمكينها من “الرجوع” على الشركات الدولية واستخلاص التعويضات.

والنتيجة أن مناطق جبلية هشّة، حيث السيول “الخاطفة” قد تسحق بيتا في ساعتين، وتقتلع طريقا في ثلاث، وتحول دوارا إلى جزيرة في ليلة واحدة، يُطلب منها واحد وعشرون يوما لتُعترف بها كمنكوبة. في أي منطق للعدالة يصبح بقاء الماء مرتفعا لأيام أطول أهم من سقوط جدار على ساكنيه؟ وأي فلسفة تعويض هذه التي تقيس فداحة الخراب بطول المدة لا بعمق الأثر؟

إذا كانت الحكومة تقول إن المناطق المستثناة لن تُترك لحالها عبر برامج لإعادة تأهيل البنيات التحتية المتضررة، فذلك اعتراف ضمني بأن الضرر قائم ومثبت، لكنه لا يستحق في نظر القراءة الجافة للنص التنظيمي المعدّل في سياق الحرص على مصالح شركات التأمين، أن يُترجم إلى تعويضات فردية وجبر ضرر مؤطر.

إن الدفاع عن المناطق غير المصنفة منكوبة لا يعني العبث بالقانون ولا فتح خزائن الدولة دون ضابط. إنه دفاع عن المعنى الذي وُجدت من أجله القوانين، أي حماية الإنسان حين تعجز التدابير العادية. وإذا كان النص التنظيمي وُضع لضبط المساطر، فلا يجوز أن يتحول إلى آلة لتهريب المسؤولية من “التضامن الوطني” إلى “تقنيات إعادة التأمين”.

المطلوب اليوم، سياسيا وأخلاقيا، قرار تكميلي، ولو من خارج القانون المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية يوسع دائرة الاعتراف بالضرر حيثما ثبت، وآلية استعجالية للتعويض لا تُسجن داخل منطق الساعات وحده، لأن الكوارث الجديدة لا تقرأ ساعتنا، ولا تستأذننا لتبلغ “الحد القانوني” قبل أن تهدم البيت وتشرّد سكّانه.

والمطلوب قانونيا أيضا شجاعة مراجعة فلسفة القياس، من خلال إضافة عناصر الشدة، وحجم الخسائر، وعدد الأسر المُجلّاة، وانقطاع الخدمات الحيوية، وطبيعة المجال، إلى عنصر الزمن. فحين يصبح المعيار التقني قيدا على الاعتراف، يتحول القانون إلى قناع، وتصبح الدولة مطالبة بأن تشرح للمنكوبين لماذا كان عليهم أن يطيلوا مدة الغرق كي يثبتوا أنهم غرقوا.

وأخيرا لا يمكن فصل كل هذا عن سؤال الشفافية. ما دامت الحكومة تربط قراراتها بعقود تأمين وإعادة تأمين دولية، فحق المجتمع أن يعرف، على الأقل، القواعد العامة التي تحكم تلك الترتيبات وكلفتها ومنطقها، لأن الضحايا ليسوا أرقاما في دفتر المخاطر، بل مواطنون يدفعون، مباشرة أو بطرق غير مباشرة، ثمن هذا النظام حين يُموّل من الرسم المفروض على عقود التأمين، وحين يُقاس حقهم في التعويض بمدى “قابلية الملف” للمرور في قنوات دولية.

الفيضانات الأخيرة لم تميّز بين إقليم مُصنّف وآخر مستثنى؛ والماء حين يأتي لا يحمل قرارا إداريا. لذلك فإن واجب السياسة، حين يعجز النص أو يُساء استخدامه، أن تستعيد البوصلة: أن يكون معيار الدولة الأول هو الإنسان، ثم تأتي التقنية لتخدم هذا الإنسان لا لتقصيه.