story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

شكرا وليد الركراكي

ص ص

في لحظة مثل تلك التي عشناها ليلة أمس، لا يهمّ أن ينتهي المشوار، بل كيف ينتهي. التفاصيل الصغيرة التي تحيط بالوداع هي التي تترك الأثر الأكبر، وهي التي تُخبرنا إن كان ما عشناه مجرد مرحلة عابرة في دفتر النتائج، أم كان لحظة لها معنى في سيرة بلد بكامله.

بعد أسابيع من التوتر والترقب والمضاربات، أهدانا الطرفان، وليد الركراكي والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، نهاية تليق بما يجب أن يُحفظ لا بما يمكن أن يُستهلك. نهاية بلا صخب زائد، وبلا تشف، وبلا قسوة إضافية على رجل حمل وجه المغرب في زمن صار فيه الوجه أغلى من كل شيء.

لقد عشنا فعلا لحظة انفصال متحضر، ولو أنها كانت “على الضيّق” كما يقول الإخوة المصريون، كأنها تقول بلسان حال المغاربة: نحن نعرف كيف نشكر، وكيف نغادر، وكيف نحفظ للذاكرة حقها حتى حين نفتح الباب لما بعد الذاكرة.

تهمنا كثيرا طريقة انفصال وليد الركراكي عن المنتخب الوطني لأنه لم يكن ناخبا وطنيا عاديا، ولأنه كان مغربيا قبل أن يكون مدربا. لو كان الأمر يتعلق بمدرب أجنبي لما تجاوز الموضوع تفاصيل العقد والتعويضات والبلاغات، ولانتهى بسرعة كما تنتهي كثير من القصص في كرة القدم الحديثة.

وليد الركراكي كان منذ 2022 صانع حلم جديد للمغاربة، وصانع تمثل جديد للمغربي عن نفسه، وجسرا متعدد الاتجاهات يربط مغاربة الداخل بمغاربة الخارج، ويربط بين الأجيال والشرائح الاجتماعية، ويختصر في شخصه قصة بلد يكتشف فجأة أنه قادر على أن ينظر إلى العالم من فوق لا من تحت، وأن يواجه الأقوياء بلا عقدة ولا انبطاح.

نعم، لقد نجح وليد في أشياء كثيرة، وهذا وحده يكفي لامتنان رياضي بارد، لكن ما قدّمه تجاوز مسألة الفوز والخسارة. لقد أعطانا شيئا أشبه بالطمأنينة النفسية، تلك التي لا تُسجّل في لوحة النتائج ولا تُمنح في مؤشرات التنمية ولا تُقاس في تقارير المؤسسات الدولية.

في أيام مونديال قطر 2022، لم يكن المنتخب الوطني مجرد أحد عشر لاعبا يركضون، بل كان قصة وطن كاملة تُروى بالأقدام على عشب، وبالقلوب على المدرجات وأمام الشاشات.

كانت صورة جديدة ترسم في أعين المغاربة عن الإخلاص في العمل، وعن الوفاء للجذور، وعن الثقة بالنفس حين لا تستصغر ذاتك، وحين لا تدخل المباراة وأنت تعتذر مسبقا لأنك من أمم الجنوب.

لقد كانت لحظات يُقبّل فيها لاعب رأس أمه في المدرج، وسجدة جماعية تنهي مباراة كأنها شكرٌ لله وللناس معا، وعلم فلسطين يمرّ من يد إلى يد وسط الفرح، كأنه تذكير بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن كرة القدم حين تلمس قلب الشعوب تتحول إلى لغة سياسية بلا ميكروفون.

لم يكن وليد في كل ذلك، ذلك الذي يضع الخطة على السبورة، بل كان يعيد ترتيب العلاقة بين المغاربة وأنفسهم. هو من علّمهم أن الحلم ليس رومانسيا إذا كان مؤسسا على الكفاءة، وأن الثقة ليست غرورا إذا كانت مبنية على عمل، وأن الطموح ليس وقاحة إذا كان مصحوبا بتواضع داخلي لا يزيفه التواضع المسرحي.

في لحظة كان فيها المغرب نفسه متعبا، كثير الأسئلة، قليل اليقين، جاء المنتخب ليمنحنا حقّ ممارسة ال”فيتو” ضد العبث، ولو مؤقتا. قد لا نعرف إلى أين تسير أمور كثيرة، لكننا عرفنا، في تلك الأيام، إلى أين يسير المنتخب، وعرفنا أننا نستطيع أن نكون كبارا حين نقرر ألا نعيش دائما في ظل الآخرين.

وليد الركراكي قدّم لنا معنى جديدا، وملهِما، لمعنى أن تكون مغربيا. علّمنا معنى أن تكون طموحا بلا وقاحة، وواثقا بلا استعلاء، ومنفتحا على العالم بلا ذوبان، وقريبا من الناس بلا شعبوية. وقدّم لنا أيضا فكرة “النية” بذلك المعنى الخلاّق الذي لا يُلغي التدبير والتخطيط، بل يمنح العمل روحا ويمنح الخطة قلبا.

مع وليد الركراكي، كانت “النية” أكثر من مجرّد تعويذة كسولة تُستعمل بدل التدريب، بل دعوة للخروج من احتقار الذات، وطلبا من الجمهور أن يصير شريكا نفسيا في المعركة بدل أن يبقى قاضيا ينتظر التتويج ليصفق له.

ولأننا بشر، فقد جاء وقت التعب، وجاء وقت الإخفاق، وجاء وقت أن تنقلب بعض المحبة إلى قسوة، وأن ترتفع أصوات الرحيل حين ينخفض الإيقاع. حدث ذلك مرتين في كأس إفريقيا، وتحوّل وليد في لحظات إلى هدف سهل لسهام كانت تنسى بسرعة أنه هو نفسه من جعلنا نرفع رؤوسنا أمام العالم.

لكن جمال الوداع الذي جرى اليوم أنقذنا جميعا من أسوأ ما في كرة القدم. أنقذنا من أن ننكر، ومن أن نبخس، ومن أن نمسح التاريخ بممحاة غضب عابر. وفي هذا، لا يستحق الشكر وليد وحده، بل تستحقه أيضا الطريقة التي حافظت بها الجامعة على قدر من الرصانة والاحترام في إنهاء المهمة، كأنها تضع حدا لتوحش الجموع حين تخرج غاضبة من غرفة الحلم الذي لم يتحقق.

نقول شكرا لوليد الركراكي لأن اسمه سيظل مضيئا في ذاكرة الأيام والناس، لا لأنه لم يخطئ، بل لأنه كان صادقا بما يكفي ليخطئ أمامنا وهو يحاول، ولأنه كان مغربيا بما يكفي ليؤمن بنا ونحن لم نكن نؤمن بأنفسنا دائما.

شكرا للرجل الذي أخذنا إلى جنون الفرح، ثم اختار أن يطوي الصفحة بهذه الطريقة المحترمة، ليترك وراءه إرثا ينبغي تثمينه والاحتفاظ به، لا بوصفه تمثالا لا يُمس، بل بوصفه درسا مفاده أن النجاح يمكن أن يُصنع بأيد مغربية، وأن المغاربة حين يجتمعون على معنى واحد، ولو عبر كرة، يصيرون شعبا أقل خوفا من نفسه.

لهذا بالذات، تهمنا طريقة الوداع، وهي تستحق الثناء والاحتفاء. لأن بعض الوداعات ليست نهاية، بل بدايةٌ أخرى لطريقة أرقى في فهم الوطن، وفهم اللعبة، وفهم أنفسنا.

شكرا وليد الركراكي!