شادي رياض.. المدافع الأعسر الذي صعد من برشلونة إلى قلب دفاع الأسود
لا يحتاج شادي رياض إلى أهداف أو لقطات استعراضية كي يفرض حضوره، ففي مركز يعرف أن الخطأ فيه يُرى أكثر من الصواب، اختار المدافع المغربي أن يبني اسمه بهدوء، خطوة بعد أخرى، من ملاعب التكوين في إسبانيا إلى أكبر مسرح كروي في العالم.
وأمام اسكتلندا، في المباراة التي انتهت بفوز المغرب بهدف إسماعيل الصيباري وحسمت ثلاث نقاط ثمينة في المجموعة الثالثة من كأس العالم 2026، قدم شادي رياض واحدة من أكثر مبارياته تماسكا بقميص المنتخب المغربي، بعدما ساهم في الحفاظ على شباك نظيفة وفرض حضوره في المواجهات الثنائية والكرات الهوائية، مؤكدا أن مكانه في قلب الدفاع المغربي.
ولم يكن مستغربا أن يخرج من المباراة بتقييمات إيجابية في الصحافة الرياضية الأجنبية، بعدما ظهر في مركز قلب الدفاع الأيسر بثقة واضحة، وساهم في إبقاء اسكتلندا بعيدة عن تهديد حقيقي لمرمى ياسين بونو خلال فترات طويلة من المواجهة.
وقد بدا شادي رياض، في تلك الليلة، وكأنه يبعث برسالة مزدوجة؛ الأولى إلى من تابعوا عودته من فترة لم تخل من بعض التوقفات البدنية، والثانية إلى من كانوا ينتظرون معرفة ما إذا كان قادرا على حمل جزء من مسؤولية الدفاع المغربي في كأس عالم لا يرحم الأخطاء الصغيرة.
من مايوركا إلى لاماسيا
ولد شادي رياض دنانو يوم 17 يونيو 2003 في مدينة بالما دي مايوركا الإسبانية، لأسرة مغربية حافظت على صلتها ببلد الأصل، في وقت بدأ فيه الطفل المولود في جزر البليار يشق طريقه مبكرا داخل ملاعب إسبانيا.
بدأ مساره الكروي داخل أندية محلية في مايوركا، من بينها أتلتيكو رافال وريال مايوركا وسان فرانسيسكو، قبل أن يلفت انتباه برشلونة، النادي الذي يعرف جيدا كيف يلتقط المواهب الشابة القادرة على التطور داخل منظومة كروية دقيقة.
وفي سنة 2019، انتقل شادي رياض إلى أكاديمية برشلونة، حيث وجد نفسه داخل واحدة من أشهر مدارس التكوين في العالم. لم تكن “لاماسيا” مجرد محطة عابرة في مساره،حيث كانت مختبرا حقيقيا لتشكيل أسلوب لعبه، خاصة في ما يتعلق بالخروج بالكرة من الخلف، الهدوء تحت الضغط، والقدرة على بناء الهجمة من أول خط دفاعي.
هناك، بدأ يتشكل المدافع الذي لا يكتفي بإبعاد الخطر، بل يحاول أن يكون جزءا من بداية اللعب، وهي الخاصية التي ظلت حاضرة في مساره اللاحق، سواء مع بيتيس أو المنتخب المغربي.
وفي نونبر 2022، حصل على لحظة خاصة حين خاض أول مباراة له مع الفريق الأول لبرشلونة في الدوري الإسباني، في ظهور قصير لكنه حمل دلالة كبيرة بالنسبة إلى لاعب شاب كان يتدرج داخل مشروع النادي الكتالوني.
تلميذ بيتيس
غير أن التحول الحقيقي في مسار شادي رياض حدث في ريال بيتيس، ففي صيف 2023، انتقل إلى النادي الأندلسي على سبيل الإعارة، في خطوة بدت في بدايتها تجربة لاكتساب دقائق أكثر، لكنها تحولت لاحقا إلى محطة صنعت اسمه داخل الليغا.
وصل شادي إلى بيتيس باعتباره مدافعا شابا يحتاج إلى الوقت كي ينضج، لكن ظروف الموسم، وثقة المدرب مانويل بيليغريني، فتحت أمامه الباب ليحجز مكانا مهما داخل الفريق، وخاض قرابة 30 مباراة رسمية في مختلف المسابقات.
في إشبيلية، تعلم شادي إلى جانب الدفاع بشراسة، كيفية تحمل الضغط داخل فريق ينافس في دوري صعب، وكيف يتعامل مع مهاجمين يملكون خبرة كبيرة، وكيف يحافظ على توازنه بين الصرامة الدفاعية والهدوء في استعمال الكرة.
وقد وصفته الصحافة الإسبانية آنذاك بـ”التلميذ المثالي”، في إشارة إلى تطوره تحت تأثير محيط تنافسي ضم لاعبين أصحاب تجربة، من بينهم الأرجنتيني جرمان بيزيلا، الذي شكل بالنسبة إليه مرجعا دفاعيا داخل غرفة ملابس بيتيس.
ولذلك كان موسم بيتيس سنة نضج حقيقية للاعب الشاب أكثر من كونه محطة إعارة ناجحة، فمن لاعب خرج من برشلونة بحثا عن دقائق، تحول شادي رياض إلى مدافع مطلوب في سوق الانتقالات، بعدما أثبت أنه قادر على اللعب بانتظام في مستوى عال.
نحو البريميرليغ
بعد موسم واحد فقط في بيتيس، جاء الانتقال إلى كريستال بالاس الإنجليزي في يونيو 2024، ليبدأ شادي رياض مرحلة جديدة في الدوري الأكثر إيقاعا وضغطا في العالم.
كان الانتقال إلى البريميرليغ اختبارا مختلفا تماما. فالدوري الإنجليزي لا يمنح المدافعين وقتا طويلا للتفكير، ولا يترك لهم هامشا كبيرا للتردد ، هناك تصبح كل كرة عرضية معركة، وكل التحام اختبارا بدنيا، وكل خطأ صغير قابلا للتحول إلى هدف.
لكن هذه المحطة، رغم صعوبتها، منحت شادي شيئا كان يحتاجه في تطوره: الاحتكاك اليومي بسرعة أعلى، ونسق بدني أقوى، ومباريات لا تسمح بالراحة الذهنية. وحتى حين عانى من الإصابة وابتعد لفترة عن التنافس، ظل اسمه حاضرا باعتباره مشروعا دفاعيا طويل المدى.
ولذلك تبدو عودته القوية مع المنتخب المغربي في المونديال ذات دلالة خاصة. فاللاعب الذي فقد جزءا مهما من إيقاعه بسبب الإصابة، عاد في لحظة كبرى ليظهر أن شخصيته لم تتأثر، وأن هدوءه داخل الملعب لا يزال واحدا من أهم أسلحته.
المدافع الأعسر
من بين الخصائص التي تمنح شادي رياض قيمة إضافية، كونه قلب دفاع يلعب بقدمه اليسرى ، وهذه الميزة لا تبدو تفصيلا صغيرا في كرة القدم الحديثة، لأن المدافع الأعسر يمنح الفريق توازنا أكبر في بناء اللعب، خصوصا عندما يتمركز في الجهة اليسرى من محور الدفاع.
ولا يقتصر دور شادي على التغطية وإبعاد الكرات، حيث يمتد إلى المساهمة في الخروج المنظم من الخلف، وفتح زوايا تمرير تساعد الفريق على تجاوز الضغط الأول للخصم.
أمام اسكتلندا، ظهرت هذه الخاصية في هدوئه عند استلام الكرة، وفي قدرته على عدم الانجرار وراء إيقاع بدني حاول المنتخب الاسكتلندي فرضه، خاصة بعد الهدف المغربي المبكر.
كما أن بنيته الجسدية تمنحه قوة واضحة في الكرات الهوائية والالتحامات، دون أن يفقد تلك اللمسة الهادئة التي اكتسبها من سنوات التكوين في إسبانيا. إنه مدافع يجمع بين مدرستين: صرامة الالتحام، ونظافة الخروج بالكرة.
و من جهة أخرى حمل شادي قميص المنتخب المغربي في الفئات السنية، ثم وجد طريقه لاحقا إلى المنتخب الأول،قبل أن يسجل أول أهدافه الدولية سنة 2024، في لحظة أكدت أنه لا يحضر فقط كمدافع شاب، و إنما كجزء من مشروع دفاعي يتطلع إلى المستقبل.
ومع المنتخب المغربي، يجد شادي نفسه داخل منظومة تضم أسماء تملك تجربة دولية كبيرة، من أشرف حكيمي إلى ياسين بونو ونصير مزراوي ، ما يمنحه فرصة للنضج السريع، و يضعه أيضا أمام مسؤولية ثقيلة أن يثبت أنه قادر على أن يكون جزءا من دفاع المغرب لسنوات طويلة.