“سيدنا قدر”.. كيف يحتفل المغاربة بليلة 27 من رمضان؟

يحل الليلة ضيف عزيز على المغاربة، يتهيؤون له بأحسن اللباس، ويهيئون له أجواء المنزل والمساجد، لاستقباله مع أمنياتهم التي ادخروها طيلة العام خصيصاً لضيفهم الذي يسمّونه “سيدنا قدر”، أي ليلة القدر.
بدأ المغاربة، مثل العديد من المسلمين، الاحتفال بليلة 27 رمضان باعتبارها ليلة القدر منذ قرون، بناء على اجتهادات العلماء وروايات تاريخية ودينية. وتتميز بمظاهر اجتماعية وعادات خاصة، فضلاً عن إحيائها بالاجتهاد في الطاعات طيلة الليل.
اعتباران اثنان
في هذا الصدد، يرى الأستاذ الجامعي والباحث في الفكر الإسلامي صالح النشاط، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن ليلة القدر لها اعتباران اثنان، قال إن أولهما اعتبار ديني شرعي، بينما الثاني يتعلق بتمثلات المغاربة وسلوكهم في احتفالهم بها.
وأوضح النشاط أن الاعتبار الديني لليلة القدر “يتجلى في كونها ليلة خير من ألف شهر، وأنها ليلةُ تنزلِ القرآن، وأن من أحياها غُفر له ما تقدم من ذنبه، كما أنها ليلة لتقدير أقوات الناس وأرزاقهم وآجالهم، وأنها ليلة سِلم وأمان تشهدها الملائكة حتى مطلع الفجر.
وأضاف المتحدث أن العادة جرت عند المغاربة أنهم يقضون معظم الليل إن لم يكن كله في المساجد للصلاة، وسماع القرآن وجلسات الموعظة، والذكر حتى صلاة الفجر.
وقال النشاط، وهو أستاذ جامعي، إن رأي جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية استقر على تخصيص الاحتفال بليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغتنموا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وذاك “بهدف ترغيب الأفراد في الاجتهاد في التماس ليلة القدر، وأن يكون إحياء رمضان إيماناً واحتساباً ليس هو فقط تصيد ليلة القدر، وإنما رمضان بأكمله، ولاسيما العشر الأواخر منه.
إلا أن العادة، يضيف المتحدث، استقرت رسمياً وشعبياً على “تخصيص ليلة السابع والعشرين هي ليلة القدر، وتخصيصها بما يقتضيه الاحتفال تكريماً لهذه الليلة، ومن خلالها تكريم رمضان وإظهار الفرح به”.
تمثلات المغاربة
وهنا يحضر الاعتبار المجتمعي لليلة القدر، “وما تراكم من تمثلات وتصورات لدى بعض المغاربة حولها”، يضيف الباحث في الفكر الإسلامي، مشيراً إلى أن هذه التمثلات تتراوح بين التقديس والخوف من هذه الليلة، “بحيث تكون ليلة القدر عند المغاربة في تمثلاتهم الاجتماعية مناسبة للتواصي مع الفقراء والمحتاجين والإطعام، كما يتم إعداد وجبات من الكسكس وإرسالها إلى المسجد، في حين هناك من يكتفي بتوزيع مساعدات على بعض الأسر الفقيرة”.
كما أن ليلة القدر “ارتبطت لدى بعض المغاربة بتجويد مظهرهم الخارجي من خلال اقتناء الألبسة الجديدة مثل الجلباب، والجبادور بالنسبة إلى الرجال، والقفطان بالنسبة إلى النساء، من محلات بيع المنتوجات التقليدية”، يقول صالح النشاط معتبراً أن ذلك من العادات التي تسهم في “تسجيل رواج تجاري مهم بمناسبة الاستعداد لهذه الليلة”.
بطل الليلة
أما بطل هذه الليلة الرمضانية في المغرب، فهم الأطفال الذين تقام لهم احتفالات خاصة فرحاً بأول صيام في أعمارهم.
يقول الأستاذ الباحث إن المغاربة “دأبوا على عادة تشجيع بناتهم وأبنائهم الصغار على صيام أول ليلة لهم في رمضان في هذا اليوم، والاحتفال بهم على مائدة الإفطار قبل التوجه إلى المسجد للصلاة وإحياء ليلة القدر، والتي تتلوها حفلات النقش بالحناء وتزيين الفتيات الصغيرات، وارتداء الفتيان الصغار بذلات جديدة وكأنهم عرسان”.
ومن جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع علي الشعباني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن كون ليلة القدر تعتبر بالنسبة إلى المسلمين “خير من ألف شهر”، “يجعل الإنسان الذي يعتقد إيماناً جازماً في الإسلام، يرى في هذا الجزاء الموفور حافزاً كبيراً للتعلق بهذه الليلة المباركة، وإحيائها بكل طقوسها وعاداتها التي ترسخت في المجتمع المغربي على مر العصور”.
وتوقف الشعباني بدوره عند العادات الاجتماعية الخاصة بهذه الليلة في المغرب، وقال: “نلاحظ ارتداء ملابس تقليدية مميزة وحضور موائد خاصة، واحتفالات عدد من العائلات بالأطفال الذين يصومون لأول مرة. فيحتفل بهم ويشجعونهم على الصيام. واعتبر ذلك تقليداً يعزز من تربية الأجيال الجديدة على العادات الدينية.
“حق الملح”
ويرى المتحدث أن المرأة المغربية تعتبر محورية كذلك في هذه الليلة، بعادة يسميها المغاربة “حق الملح”، تكرم فيها جزاء على ما قدمته من خدمة طيلة الشهر وهي تعتني بأسرتها وضيوفها.
وقال: “يعد حق الملح مكافأة معنوية للمرأة التي تقضي وقتها في خدمة عائلتها وضيوفها، خلال هذا الشهر الذي تكون فيه الأشغال أكثر من الأيام العادية”، مشيراً إلى أن هذه العادة “تعتبر جزءاً من تقدير المجتمع المغربي للمرأة، إذ تقدم لها الهدايا في هذه الليلة كتعبير عن الامتنان، ويحق لها ذلك”.
وعن تخصيص ليلة 27 بهذه المظاهر الاجتماعية، من الاحتفال بالأطفال إلى تكريم المرأة، أوضح الشعباني أن ذلك لأن “ليلة 27 من رمضان تعد تتويجاً لهذا الشهر الفضيل، إذ عادة يكون ختم القرآن في ليلة 27 من رمضان في العديد من المساجد من باب تتويج طاعات الشهر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى خدمات المرأة والصيام الأول للطفل”.