سياسيون: حجم الفساد في المغرب نتيجة مباشرة “لعجز الحكومة” عن محاربته

لازال تراجع المغرب في مؤشر إدراك الفساد متواصلا، منتقلا من وضع سيء إلى آخر أكثر سوءا، وهو الأمر الذي تضمنه التقرير السنوي الأخير لمنظمة الشفافية الدولية “ترانسبراني”، الذي كشف تراجع المملكة برتبتين في ظرف سنة واحدة منتقلة من الرتبة الـ 97 إلى الرتبة 99 من أصل 180 دولة يشملها هذا التقرير، علما أن أحسن تصنيف حققه المغرب على مستوى هذا المؤشر هو المركز 73 سنة 2018، وهو ما يعني فقدان المغرب لـ26 مركزا في 6 سنوات فقط.
نتيجة مباشرة
وفي هذا الصدد أكد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله، “أن المغرب سيستمر في التراجع على مستوى مؤشر إدراك الفساد”، وذلك نتيجة مباشرة “لغياب أي عمق سياسي وأي حس نضالي حقيقي لهذه الحكومة التي لا تبالي بالقضايا المرتبطة بالديمقراطية ولا بتحسين الحكامة”.
وأضاف المتحدث في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، ” أن هذا التقرير يأتي ليؤكد أن الحكومة عملياً لا تدمج في أولوياتها ولا في برامجها ولا في تصوراتها ولا في مقاربتها المختلفة أي عمل يذكر في اتجاه محاربة الفساد في أي واجهة كانت سواء تعلق الأمر بالفضاء الاقتصادي أو بالفضاء الإداري أو أيضا إلى حد كبير بالنسبة لمحاربة معالم الفساد الموجودة في الساحة السياسية”.
وبالرغم من توفر المغرب على عدد من المؤسسات الدستورية التي تعنى بشؤون الحكامة، فضلا عن الإصلاحات التي باشرتها المملكة المغربية على مستوى استقلالية السلطة القضائية، والصلاحيات المخولة للمحاكم المالية، لم يتمكن المغرب من تحصين الحياة الاقتصادية والسياسية من الممارسات الضارة لآفة الفساد التي تنخر جسد البلد وتحد من معدلاته في التنمية.
غياب رؤية
هذا التراجع المستمر للمغرب على مستوى مؤشر إدراك الفساد يدعو إلى التعامل معه بالجدية المطلوبة، “لأن استمرار التراجع يعني ببساطة غياب رؤية لمحاصرة الظاهرة” تقول الأستاذة الجامعية والنائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية مليكة الزخنيني.
وأضافت ملكية الزخنيني في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن الأمر يتجاوز حالة السلوكات المعزولة إلى “سلوكات ممنهجة، تقود إلى التفكير، منطقيا، في وجود بنبة حامية لهذه السلوكات ومشجعة عليها”.
ودعت المسؤولة البرلمانية إلى إعادة فتح النقاش بشكل موسع بشأن محاربة الفساد المرتبط عضويا بالإثراء غير المشروع، “خاصة أن بلادنا ماضية في مسلسل التحول الرقمي الذي يمكن استثماره إما كدعامة قوية لمحاصرة الفساد أو كآلية جديدة لتقوية الممارسات الضارة “.
ومن جانب آخر ترى الأستاذة الجامعية أن الخطاب الحكومي اليوم “غير مطمئن” فيما يتعلق بمكافحة الفساد، مبرزة أن المطلب الأساس في هذه المرحلة “ربما سيكون فقط محاصرة الفساد بفعل التداخل الكبير بين سلطة المال والأعمال وسلطة القرار السياسي”.
وتابعت أن هذا التداخل أصبح اليوم يؤسس “للحق في الفساد”، بتطويعه للقوانين لصالح “جماعات ضاغطة بما ينسف كل مجهودات الدولة في الأوراش الإصلاحية الكبرى خاصة ورشي الحماية الاجتماعية والاستثمار”.
وفي غضون ذلك، عبرت مليكة الزخنيني عن تخوفها من تغلغل الفساد في هذين الورشين، معتبرة إياه أنه “سيكلف بلادنا ثمنا غاليا”.
وخلصت إلى المطالبة باتخاذ إجراءات استعجالية قد تكون أليمة “ولكن يجب أن تجيب إجرائيا عن كيف يمكن ربط المسؤولية بالمساءلة أولا، ثم بالمحاسبة ثانيا، سواء كانت مكافأة عند حسن أداء المهام، أو عقابا عند ورود اختلالات”.
حكومة “متصالحة مع الفساد”
وفي سياق متصل، اتهم رئيس المجموعة النيابية العدالة والتنمية عبد الله بووانو الحكومة الحالية بـ “التصالح مع الفساد”، وذلك في مداخلة ألقاها أثناء اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، يوم 12 فبراير 2025، والذي تم تخصيصه للمناقشة العامة لمشروع قانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية.
ودعا النائب البرلماني بالمناسبة إلى عدم تقييد حق المجتمع المدني في رفع دعاوى قضائية تتعلق بالفساد والمال العام، معربا في الوقت نفسه عن رفضه سحب مجموعة من القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد.
وانتقد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية سحب الحكومة للعدد من القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد، معتبرا أن هذا السحب غير مفهوم، بما في ذلك سحب مشروع القانون الجنائي الذي يتضمن مقتضيات تتعلق بالإثراء غير المشروع، ومشروع قانون احتلال الملك العام البحري، وكذا مشروع قانون المناجم، بالإضافة إلى قانون التغطية الصحية للوالدين.
وقال بووانو، إن ما يجري بسبب الحكومة، ليس في صالح البلاد. ودعا في هذا الصدد إلى معالجة مثل هذه الإشكاليات في إطار القانون، معربا عن استغرابه “الاستعجال في تمرير بعض القوانين التي لها علاقة بهذا الموضوع، ومنها قانون المسطرة الجنائية”.
وعلاقة بذلك، أوضحت منظمة “ترانسبرانسي” في تقريرها السنوي الأخير، أن المغرب حقق معدل 37/100، متراجعا بواقع نقطة واحدة عن معدل سنة 2023، حيث يستخدم التقرير مقياسًا من صفر إلى 100، كلما اقترب من الصفر كلما ارتفعت نسبة الفساد، بينما تشير النقطة 100 إلى النزاهة التامة.
وهكذا فقد استمر المغرب في وتيرة التراجع على مستوى مؤشر مدركات الفساد منذ سنة 2018، حين حقق المغرب أفضل نتيجة له بمعدل 43/100، ما جعله في المركز 73، قبل أن يأخذ المعدل منحى تنازليا ليصل إلى معدل 37/100 هذه السنة عند المركز 99 عالميا، ما يعني فقدان المغرب لـ26 مركزا في 6 سنوات فقط.