story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

سجال إسباني حول سبتة ومليلية.. اتهامات يمينية بالخنوع للمغرب

ص ص

عاد ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ليتصدر واجهة الصراع الحزبي المحتدم في إسبانيا، مفجراً سجالاً سياسياً واسعاً يتقاطع مع التوترات الجيوسياسية الراهنة.

وبينما يحاول اليمين الإسباني، بمختلف أطيافه، توظيف ورقة الثغرين للضغط على حكومة بيدرو سانشيز واتهامها بـ”الخضوع للمغرب”، يسعى اليسار الحاكم إلى كبح جماح ما يصفه بـ”الإنذارات الكاذبة والمزايدات التي تستهدف استقرار المنطقة وتسيء للعلاقات الدبلوماسية”.

في هذا الصدد، دعا حزب العمال الاشتراكي (PSOE) إلى ضرورة “التحلي بالمسؤولية السياسية” والكف عن إثارة القلق، على خلفية التصريحات الأخيرة الصادرة عن قيادات بارزة في الحزب الشعبي المعارض (PP)، والتي ربطت بين التوجهات الخارجية لحكومة بيدرو سانشيز ووجود “مخاطر أمنية مفترضة” تهدد وضعية مدينتي سبتة ومليلية المحتلين.

“خطابات تهويلية”

وأكد الاشتراكيون، في بلاغ، على أن التصريحات التي يروج لها قادة من اليمين، ومن بينهم رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو ووزير الخارجية الأسبق خوسيه مانويل غارسيا مارغايو، تفتقر إلى أي سند استراتيجي وتساهم في خلق “حالة من الذعر غير المبرر”.

وأشار فرع الحزب، في سبتة المحتلة، إلى أن “هذه الادعاءات لا تسيء فقط لصورة المدينتين المتمتعتين بالحكم الذاتي بالنسبة إلى مدريد، بل تضرب في العمق استقرار إسبانيا وصورتها الخارجية”.

وفي هذا الصدد، شدد أنطونيو كورونيل، سكرتير التنظيم في الحزب الاشتراكي بسبتة المحتلة، على أن “سبتة ومليلية لا يمكن تحويلهما إلى ورقة للمزايدات السياسية أو مادة لإثارة القلق الجيوسياسي دون استناد إلى معطيات دقيقة”.

واعتبر الحزب الاشتراكي، في هذا الصدد، أن نقل سيناريوهات التهديد إلى الرأي العام دون تقديم تحليلات استراتيجية موثقة “ليس عملاً وطنياً، بل هو انعدام تام للمسؤولية السياسية”.

وحذر البلاغ من أن مثل هذه الرسائل المربكة قد تتجاوز نطاق الاستهلاك المحلي لتؤثر سلباً على العلاقات الدبلوماسية الإسبانية في سياق إقليمي ودولي يتسم بحساسية مفرطة.

وأضاف كورونيل، قائلاً: “إن محاولة تحويل أمن سبتة إلى أداة للصراع الحزبي من داخل مكاتب مدريد لا تخدم حماية المدينة في شيء، بل تغذي خطابات تهويلية بعيدة كل البعد عن الواقع الميداني”.

وقال إن “النقاش حول الوضع الجيوسياسي للمضيق يتطلب الدقة، والمعرفة بالإقليم، والمسؤولية المؤسسية”، معتبراً أن سبتة المحتلة “لا تحتاج إلى تشخيصات مرتجلة من بلاتوهات القنوات أو النقاشات الوطنية، بل تحتاج إلى احترام مؤسسي وتحليل جاد لواقعها”.

ولم يخلُ موقف الاشتراكيين من رسائل سياسية موجهة للداخل، إذ طالب الحزب من خوان فيفاس، رئيس حكومة سبتة المحلية المنتمي للحزب الشعبي، بالخروج عن صمته وتحديد موقف واضح من تصريحات قيادات حزبه في مدريد.

وخلص الحزب إلى أن أمن واستقرار المدينة “خط أحمر” لا يجب استخدامه كذخيرة في الصراعات الحزبية الوطنية، داعياً إلى تغليب لغة العقل والدقة واحترام الساكنة المحلية التي تتأثر بشكل مباشر بهذه الخطابات الإنذارية.

تحذير من طموحات توسعية

لم يتوقف السجال عند الحزبين الاشتراكي والشعبي، إذ استغل حزب فوكس (VOX) هذا الصدام ليشن هجوماً مزدوجاً، معتبراً أن ما يجري بين الحزبين الكبيرين ليس سوى “مسرحية انتخابية” على حساب أمن المدينتين.

وأشار الحزب اليميني المتطرف إلى أن التهديد الحقيقي، حسب رؤيته، يكمن في “الطموحات التوسعية للمغرب” وفيما وصفه بـ “سياسات التردد والخضوع” التي طبعت عهد الثنائية الحزبية.

وقال حزب فوكس إن “أمن ومستقبل المدينة مهددان، ليس الآن فحسب، بل منذ فترة طويلة بسبب السياسات الفاترة لنظام الثنائية الحزبية”.

ويذكر الحزب: “لا الشعبيون ولا الاشتراكيون دافعوا بشكل قاطع عن إسبانية سبتة ومليلية وجزر الكناري أمام التهديدات التوسعية المستمرة للمغرب”. لهذا السبب، يصف فوكس الهجمات المتبادلة بين الحزب الشعبي وحزب العمال الاشتراكي بأنها “مسرحية” تتم على حساب “قلق مزعوم” بشأن مستقبل سبتة.

ويحذر الحزب من أن وراء هذه البيانات “ليس هناك سوى مصلحة انتخابية بحتة”. ويضيف: “حزب العمال الاشتراكي يتحدث عن المسؤولية السياسية لأنه منزعج من النقاش حول التهديد الذي يمثله المغرب للسيادة الإسبانية على سبتة”، مشيراً إلى أن هذا ليس أمراً “غريباً” بالنظر إلى “الخضوع المستمر الذي أظهره رئيس الحكومة سانشيز أمام مطالب المملكة المغربية”.

ويقول فوكس: “لقد أمضينا سنوات نتحدث عن جمارك تجارية لم تعمل أبداً بصفتها تلك، ولن تفعل ذلك أبداً لأن المغرب لا يعترف بإسبانية سبتة ومليلية”، مشيراً إلى الاجتماعات رفيعة المستوى المبرمة بين إسبانيا والمغرب، إذ تم توقيع اتفاقيات لا تشير إلى كون المدينتين ذاتيتا الحكم لـ”تجنب إهانة البلد الجار”، معتبرا أنها “أدلة على افتقار الحكومة الوطنية للاهتمام بالدفاع عن مصالح المدينتين المتمتعتين بالحكم الذاتي”.

أما بالنسبة للحزب الشعبي، فلا يتوقع فوكس منه أيضاً أن يواجه هذا الموقف “بجدية تتناسب مع التهديدات التي تواجهها المدينة”.

وفي هذا السياق، يشير الحزب إلى أن “فيفاس رئيس مدينة سبتة سيمر مرور الكرام أو سيظهر مرة أخرى نفاق خطاب الحزب الشعبي، الذي يقول شيئاً في مدريد ويقول شيئاً آخر في سبتة”.

خلفيات السجال الإسباني

وبدأ هذا السجال في أعقاب، تصريحات لرئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو، التي حذرت من أن سبتة ومليلية المحتلتين قد تكونان “التاليتين”، في سياق انتقادها لسياسة الحكومة الإسبانية على مستوى العلاقات الدولية، وذلك خلال ردها على سؤال بشأن موقفها من التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

واعتبرت دياز أيوسو، خلال جلسة عامة في برلمان مدريد الإقليمي، يوم الخميس 5 مارس 2026، أن حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تركت حدود البلاد وجزرها وسواحلها “من دون حماية كافية”، محذّرة من تداعيات ذلك على مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.

وقالت أيوسو إن استمرار ما وصفته بـ“التقاعس” قد يؤدي إلى تقديم تنازلات للمغرب في ملفات مختلفة، مضيفة أنه “بسبب هذا التقاعس سيمنحون المغرب كل ما يطلبه: المياه، الصيد.. ماذا بعد؟”.

واتهمت دياز أيوسو رئيس الحكومة بالمخاطرة بمصالح إسبانيا في وقت يظهر فيه، على حد تعبيرها، “متآكلاً بسبب الفساد والفضائح”.

وجاءت تصريحات أيوسو في سياق ردها على سؤال طرحته مار إسبينار، المتحدثة باسم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني في مدريد، حول موقفها من التوتر الدولي المرتبط بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهو ما استغلته أيوسو لتوجيه انتقادات حادة لسياسة الحكومة الإسبانية الخارجية.

وقالت رئيسة حكومة مدريد، التي تنتمي إلى الحزب الشعبي اليميني المحافظ، إن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز “يتبنى موقفاً طفولياً”، متهمة إياه بتهديد مصالح إسبانيا في الخارج، واعتبرت أن تبنيه شعار “لا للحرب” في سياق الأزمات الدولية المعقدة يضعف موقف البلاد أمام شركائها الأوروبيين الذين يحاولون التوسط في صراعات دولية معقدة.

كما أعربت المسؤولة الإسبانية عن قلقها مما وصفته بتراجع مصداقية إسبانيا على الساحة الدولية، منتقدة اتخاذ بعض القرارات المرتبطة بالسياسة الخارجية دون عرضها على البرلمان.

وفي سياق انتقاداتها، أدرجت أيوسو أيضا منظمة “إيتا” ضمن هجومها السياسي، واصفة إياها بأنها “ديكتاتورية أخرى كشّرت عن أنيابها لتمزيق تعايش الإسبان”، محمّلة الحزب الاشتراكي مسؤولية الإبقاء على سلطة سانشيز في “لا مونكلوا”، مقر رئاسة الحكومة الإسبانية.

وأشارت أيوسو إلى أن إسبانيا قد تُصوَّر أمام المجتمع الدولي كدولة غير موثوقة، قائلة: “حكومة سانشيز تنقل للعالم صورة مفادها أن إسبانيا ليست جديرة بالثقة، وهذا سيؤدي إلى غرق البلاد”.

وفي سياق انتقاداتها، أشارت أيضاً إلى مواقف الحكومة تجاه بعض الأنظمة الدولية، معتبرة أن الدفاع عن حكومات متهمة بانتهاك حقوق الإنسان، “مثل إيران وفنزويلا، يسيء إلى صورة إسبانيا في الخارج”.

وتأتي هذه التصريحات في إطار سجال سياسي متواصل في إسبانيا بين الحكومة المركزية والمعارضة حول توجهات السياسة الخارجية والأمنية، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالمناطق التي تعدها مدريد ذات أهمية استراتيجية، وعلى رأسها سبتة ومليلية المحتلتان.

وأكدت رئيسة حكومة مدريد، في هذا الإطار، رفضها التام لإدارة سانشيز للسياسة الدولية، مشددة على ضرورة حماية الأراضي الإسبانية الأكثر حساسية بشكل فعال، في إشارة إلى سبتة ومليلية المحتلتين، وتعزيز أمن وسيادة البلاد في مواجهة التهديدات الخارجية.