سبتة المحتلة تمحو آثار “إل غوانو” قبيل زيارة الملك.. خيام تختفي ومعاناة تستمر خلف الكواليس
بعد أكثر من شهرين من العيش في العراء، وجد مهاجرون أنفسهم مجددا أمام مصير مجهول، بعدما أخلت الشرطة الإسبانية مخيم “إل غوانو” الساحلي، في عملية نقلت مئات الأشخاص بين مراكز الإيواء وإجراءات تحديد الهوية والعودة إلى المغرب.
مغادرة جماعية قبل وصول الشرطة
في الساعات الأولى من صباح الأحد 11 أكتوبر ، وقبل أن تصل الشرطة الإسبانية إلى منطقة “إل غوانو” الساحلية في سبتة المحتلة، كان عدد من المهاجرين قد بدأ جمع أمتعته ومغادرة المكان. بعضهم اتجه نحو المناطق الجبلية المجاورة، فيما حاول آخرون الاستعداد لما كانوا يتوقعون أن يكون عملية إخلاء جديدة، بعد أيام من الترقب والخشية من تكرار ما وقع في مواقع أخرى من الساحل.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “إلباييس” الإسبانية، كانت المؤشرات توحي باقتراب التدخل الأمني، بعدما أخلت السلطات، خلال الأيام السابقة، مخيمات أخرى أقام فيها مهاجرون وصلوا إلى المدينة خلال موجة الدخول الجماعي يومي 30 و31 يوليوز الماضي. وبينما كان بعضهم يتساءل عن مصيره وما إذا كان سيُعاد إلى المغرب، تمسك آخرون بوثائق قالوا إنها تثبت أنهم قاصرون، في محاولة لضمان التعامل مع ملفاتهم وفق وضعيتهم القانونية.
أكثر من 350 عنصرا في عملية الإخلاء
وقبيل الثامنة صباحا، بدأت المركبات الأمنية تطوق مداخل المنطقة، في عملية قادتها الشرطة الوطنية الإسبانية بمشاركة الحرس المدني والشرطة المحلية والقوات المسلحة، وشارك فيها أكثر من 350 عنصرا أمنيا، وفق ما أوردته “إلباييس”. وجرت العملية قبل يومين من الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة المحتلة.
ولم تسجل مقاومة تذكر، إذ عملت القوات على تجميع المهاجرين الذين ظلوا في الموقع، مع فصل البالغين عن القاصرين. وغادر نحو 150 شخصا المخيم خلال العملية، فيما كان آخرون قد غادروا قبل وصول الشرطة. ونُقل المعنيون إلى مرافق مخصصة لاستكمال إجراءات تحديد الهوية، إذ كان مقررا توجيه البالغين إلى مركز الاستقبال المؤقت للأجانب بمنطقة تاراخال، بينما كان من المنتظر مرور القاصرين عبر مقر الشرطة قبل إحالتهم على مراكز الإيواء المتاحة.
وبررت الشرطة الإسبانية العملية بالحاجة إلى الحفاظ على النظام العام والأمن، وتحديد هويات المهاجرين، وضمان الشروط الصحية داخل مرافق الاستقبال. كما أعلنت أن الموقع سيخضع للتنظيف وإعادة التأهيل. وبعد نحو ساعتين من انطلاق التدخل، كانت الخيام والأغطية والمراتب والبلاستيك الذي استُخدم لتوفير مأوى مؤقت قد بدأ يختفي، ليعود المكان تدريجيا إلى مظهره السابق.
إخلاءات متتالية دون حل أزمة الإيواء
غير أن إخلاء المخيم لم ينهِ الأزمة التي تعيشها المدينة منذ نهاية يوليوز. فقد سبق للسلطات أن تدخلت في منطقة محطة تحلية المياه وشاطئ بنيتيز، قبل إخلاء شاطئ “إل ترامبولين” على مرحلتين يومي 4 و5 أكتوبر الجاري. وانتقل عدد من المهاجرين، عقب ذلك، إلى “إل غوانو”، في مسار يعكس انتقال التجمعات من نقطة إلى أخرى دون معالجة نهائية لمشكلة الإيواء.
وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن ظروف العيش في هذه المخيمات ظلت قاسية، في ظل نقص المرافق الصحية، والاعتماد على مساعدات المتطوعين والمنظمات الإنسانية، فضلا عن تراجع درجات الحرارة. ومع استمرار الضغط على مراكز الاستقبال، تتباين التقديرات بشأن القدرة الاستيعابية المتاحة؛ فبينما تتحدث مصادر عن وجود أماكن في عدد من مرافق الإيواء، تؤكد مصادر أخرى أن مخيمات البالغين ومركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين باتت شبه ممتلئة.

عودة إلى المغرب وسط تساؤلات بشأن ظروفها
وفي أعقاب إخلاء “إل ترامبولين”، أحصت السلطات الإسبانية أكثر من ألف حالة عودة إلى المغرب وصفتها بأنها “طوعية”. وخلال عملية الأحد، رصدت “إلباييس” مهاجرين نُقلوا بالحافلات إلى منطقة تاراخال، قبل أن يغادر بعضهم سبتة عبر المعبر الحدودي بعد استكمال إجراءات لدى مصالح الأجانب. لكن الصحيفة أشارت إلى أنه لم يكن بالإمكان تحديد عدد الأشخاص الذين اختاروا العودة، أو الظروف التي اتخذوا فيها هذا القرار.
وبالنسبة إلى المهاجرين الذين يصرحون بأنهم قاصرون أو يرغبون في طلب اللجوء، تظل المسألة أكثر تعقيدا، إذ يرتبط مصيرهم بضرورة دراسة أوضاعهم قبل اتخاذ قرارات بشأنهم. وفي المقابل، لا يزال آخرون يبيتون في العراء بمنطقة تاراخال وأحياء مثل “الأمير” و”لوس روساليس”، بسبب عدم حصولهم على أماكن للإيواء أو جهلهم بالإجراءات التي يتعين عليهم اتباعها.

مركز جديد بطاقة ألف شخص دون موعد للافتتاح
وتستعد الحكومة الإسبانية، وفق المصدر نفسه، لإحداث مركز جديد للاستقبال قرب سجن “فويرتي مينديسابال”، بطاقة مرتقبة تصل إلى نحو ألف شخص، غير أن موعد افتتاحه لم يُحدد بعد.
وهكذا، اختفت الخيام من مخيم “إل غوانو”، كما اختفت قبلها من مواقع ساحلية أخرى، لكن الأشخاص الذين كانوا يقيمون فيها لم يحصلوا جميعا على إجابات بشأن مستقبلهم. وبين عمليات الإخلاء المتعاقبة وضغط الاستقبال واستمرار العودة إلى المغرب، تظل أزمة الإيواء والهشاشة التي يعيشها المهاجرون قائمة، حتى بعد زوال أبرز مظاهرها من المشهد الساحلي لسبتة المحتلة.

