رغم نمو الاقتصاد بـ4.4%.. لماذا يشعر 78% من المغاربة بتراجع مستوى المعيشة؟
رغم تسجيل الاقتصاد المغربي معدل نمو بلغ 4.4%، تكشف نبضات البيوت المغربية عن واقع مغاير تماماً؛ حيث تعبر الغالبية الساحقة من الأسر عن تدهور مستوى معيشتها. فما الذي يمنع “الثروة المنتجة” من الوصول إلى جيوب المواطنين؟
كشفت قراءة نسقية قدمها مركز “أوميغا” للأبحاث حول الحسابات الجهوية وبحث ظرفية الأسر عن فجوة عميقة بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية والرفاه الاجتماعي. إذ في الوقت الذي حقق فيه الاقتصاد المغربي نمواً حقيقياً، سجل مؤشر ثقة الأسر تراجعاً إلى 60.1 نقطة، وصرحت 78.3% من الأسر بتدهور مستوى معيشتها خلال العام الأخير.
لماذا لا نشعر بالنمو؟
تفسر القراءة هذه المفارقة من خلال سبع حلقات تناقض بنيوية، لعل أبرزها أن الناتج الداخلي الإجمالي لا يساوي الدخل المتاح للأسر؛ فجزء كبير من هذه الثروة يذهب لأرباح الشركات والضرائب والاستثمارات الرأسمالية بدلاً من التحول إلى أجور.
علاوة على ذلك، فإن النمو المحقق “يتسم بكونه نمواً رأسمالياً أكثر مما هو كثيف التشغيل”، مما يعني أنه لا يخلق فرص شغل كافية تمتص شبح البطالة الذي يتوقع 57.2% من المغاربة ارتفاعه.
كما أن “النمو الاسمي” تأثر بشدة بظاهرة التضخم؛ إذ ارتفع الناتج بالأسعار الجارية بنسبة 8.7%، بينما النمو الحقيقي الفعلي توقف عند 4.4%، مما يعني أن زيادة الإنفاق لدى الأسر تعكس غلاء الأسعار أكثر مما تعكس زيادة في الاستهلاك الحقيقي.
نمو في الرباط وتأزم في الهوامش
تتعمق المفارقة عند النظر إلى الخارطة المجالية؛ حيث تنتج ثلاث جهات فقط وهي الدار البيضاء-سطات والرباط سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة نحو 58.4% من الثروة الوطنية (32.3 و15.5% و10.7% على التوالي)، في مقابل مساهمة درعة تافيلالت والجهات الجنوبية الثلاث مجتمعة ب 7.8% فقط، رغم تسجيل بعضها أعلى معدلات النمو.
وبحسب الدراسة فالاستراتيجية أن “نمو جهة كبيرة بنسبة متوسطة قد يضيف قيمة مطلقة أكبر من نمو جهة صغيرة بنسبة مرتفعة؛ فنمو الدار البيضاء-سطلت ب 4.3% يفوق أثره المطلق نمو جهة جنوبية ب 7%”.
لكن ذلك يخلق حساسية بنيوية؛ إذ يصبح الاقتصاد الوطني شديد الحساسية لأداء عدد محدود من الأقطاب، بحيث “تنتقل أي صدمة في صناعة الدار البيضاء أو خدمات محور الرباط-القنيطرة أو لوجستيك طنجة بسرعة إلى النمو الوطني بأكمله”.
هذا التمركز الشديد يجعل الاقتصاد الوطني شديد الحساسية لأداء هذه الأقطاب، بينما تبقى جهات أخرى تعاني من “اقتصاد مناخي” معرّض للجفاف أو “اقتصاد سياحي” يتأثر بالتقلبات الجيوسياسية.
وتكشف الأرقام أن نصيب الفرد من الناتج في جهات مثل “الداخلة وادي الذهب” يصل إلى 92,904 درهم، لكن استهلاكه الفعلي لا يتجاوز 34,515 درهم؛ ما يعني أن القيمة المضافة تُنتج محلياً لكنها لا تُصرف بالكامل داخل الجهة لتطوير معيشة سكانها.
2% فقط يَدّخرون
الواقع المالي للأسر المغربية يبدو “تحت الضغط”؛ فبينما يستمر الاستهلاك، فإنه يظل مدفوعاً باستنزاف المدخرات أو الاقتراض لـ 38.7% من الأسر، في حين لم تتمكن سوى 2.6% فقط من الأسر من تحقيق فائض للادخار.
هذا الوضع أدى إلى انهيار رصيد القدرة على الادخار ليصل إلى مستوى سلبي حاد (ناقص 80.9 نقطة).
من “كّم الناتج” إلى “جودة الأثر”
ترى الورقة التحليلية إلى أن المغرب لم يعد يحتاج فقط إلى “رفع أرقام النمو”، بل إلى “تخصص ذكي” يحول الثروة إلى وظائف مستقرة ودخل متاح. إذ أن التوصيات تدعو إلى الانتقال من قياس كمية الناتج الجهوي إلى قياس “جودة الأثر”: كم من هذه الثروة تحول إلى أجور ومهارات ومقاولات محلية؟.
ودون ردم هذه الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيش، ستظل الخريطة الاقتصادية تنمو في الأوراق، بينما تبقى الخريطة الاجتماعية ترزح تحت ضغط الحاجة، وهي الفجوة التي تفسر لماذا تظل الأسر المغربية تقول إن معيشتها تتدهور رغم صعود المؤشرات.
وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في تحقيق معدلات نمو مرتفعة فقط، بل في ضمان وصول ثمار هذا النمو إلى عموم المواطنين.
فالمؤشر الأهم، وفق معديها، لا يكمن في حجم الناتج الداخلي أو مساهمة الجهات في إنتاج الثروة، بقدر ما يتمثل في قدرة الاقتصاد على تحويل هذه الثروة إلى أجور وفرص شغل مستقرة، ومقاولات محلية، وخدمات عمومية ذات جودة، وقدرة أكبر للأسر على الادخار وتحسين مستوى معيشتها.
وتعتبر أن استمرار الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية والواقع الاجتماعي يفسر لماذا يرتفع النمو، بينما تواصل غالبية الأسر المغربية الشعور بتراجع أوضاعها المعيشية