رغم ارتفاع الأسئلة والتدخلات.. دراسة تكشف فجوات المساءلة داخل مجلس النواب
كشفت دراسة حديثة أنجزها المعهد المغربي لتحليل السياسات عن ثلاث فجوات رئيسية في ممارسة مجلس النواب لوظيفته الرقابية خلال الولاية التشريعية 2021-2026، تتمثل في تفاوت مشاركة النواب في جلسات الأسئلة الشفهية، وتركيز الاهتمام الرقابي على عدد محدود من القطاعات الحكومية، فضلا عن محدودية تتبع التعهدات التي تقدمها الحكومة تحت قبة البرلمان.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها الصحافي والباحث ياسر المختوم ونشرها المعهد الخميس 5 نونبر 2026، تحت عنوان “المساءلة غير المكتملة: اختلالات جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب”، أن الحصيلة البرلمانية خلال الولاية المنتهية سجلت توسعا ملحوظا في حجم النشاط الرقابي مقارنة بالولاية السابقة، إذ ارتفع مجموع التدخلات من 7124 إلى 10354 تدخلا، كما زاد عدد الأسئلة الشفهية بنسبة 61 في المائة.
غير أن هذا التطور الكمي، بحسب الدراسة، لم يواكبه تطور مماثل في آليات تدبير النشاط الرقابي ورصده وتتبع مخرجاته، بما يضمن وضوح المشاركة، واتساق تطبيق القواعد المنظمة للجلسات، والتوازن في توجيه الرقابة بين القطاعات الحكومية، وإمكانية قياس مآل الالتزامات التي تعلنها الحكومة.
واستندت الدراسة إلى تحليل 125 جلسة أسبوعية للأسئلة الشفهية، خلصت من خلاله إلى أن 41 نائبا ونائبة لم يسجلوا أي تدخل خلال هذه الجلسات طوال الولاية التشريعية، سواء عبر طرح الأسئلة أو تقديم التعقيبات أو استعمال نقط النظام أو الإحاطة بموضوع طارئ، وهو ما يمثل 10.4 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب.
وتكتسب هذه المعطيات بعدا إضافيا، وفق الدراسة، بالنظر إلى أن 23 نائبا ونائبة من أصل هذه الفئة، أي 56 في المائة، ترشحوا مجددا في الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026.
وفي المقابل، أظهرت البيانات تفاوتا في توزيع التدخلات بين أعضاء المجلس، إذ استحوذ عشرة نواب على نحو 10 في المائة من مجموع التدخلات، بينما بلغت حصة النواب العشرين الأكثر تدخلا 17.5 في المائة. كما لم تتجاوز مساهمة نصف أعضاء المجلس الأقل نشاطا 22 في المائة من مجموع التدخلات.
وسجلت الدراسة أيضا أن 87 نائبا ونائبة لم يتجاوز عدد تدخلات كل واحد منهم عشرة تدخلات طوال الفترة المشمولة بالتحليل. لكنها شددت على أن هذه المؤشرات لا تسمح، بمفردها، بالحكم على الأداء البرلماني الكامل للنواب، بالنظر إلى تعدد مجالات العمل النيابي، بما فيها العمل التشريعي وأشغال اللجان والأسئلة الكتابية والمهام الاستطلاعية.
تركيز الرقابة على أربعة قطاعات
وعلى مستوى توزيع النشاط الرقابي بحسب القطاعات الحكومية، أظهرت الدراسة أن 29 في المائة من التدخلات القطاعية تركزت في أربعة قطاعات فقط، من أصل 9609 تدخلات مرتبطة بالأسئلة والتعقيبات والتعقيبات الإضافية.
وتصدر قطاع التجهيز والماء قائمة القطاعات الأكثر استقطابا للتدخلات بـ798 تدخلا، يليه قطاع الفلاحة والتنمية القروية بـ704 تدخلات، ثم التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ677 تدخلا، وقطاع الصحة والحماية الاجتماعية بـ633 تدخلا.
في المقابل، سجلت قطاعات أخرى حضورا محدودا نسبيا في النشاط الرقابي، من بينها الشؤون الخارجية والصيد البحري والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والعلاقات مع البرلمان والأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث تراوح عدد التدخلات المرتبطة بها بين 51 و192 تدخلا لكل قطاع.
ولا تعتبر الدراسة أن هذا التفاوت يعني بالضرورة خضوع القطاعات الأقل استقطابا للتدخلات لرقابة أضعف، بالنظر إلى اختلاف اختصاصات الوزارات وحجم ارتباطها المباشر بالمواطنين، فضلا عن طبيعة القضايا التي يمكن معالجتها عبر الأسئلة الشفهية أو الكتابية.
غير أنها تسجل محدودية المعطيات المنظمة التي تسمح بتتبع توزيع الاهتمام الرقابي بين القطاعات والموضوعات، ورصد تطور الأجندة الرقابية داخل المؤسسة التشريعية.
60 في المائة من التعهدات دون معطيات عن مآلها
أما الفجوة الثالثة التي رصدتها الدراسة، فتتعلق بتتبع التعهدات الحكومية المعلنة خلال جلسات الأسئلة الشفهية، إذ أظهرت قاعدة البيانات الخاصة بهذه التعهدات تسجيل 1339 تعهدا خلال الولاية التشريعية 2021-2026.
لكن المعطيات المتاحة إلى نهاية أكتوبر 2026 لم تتضمن جوابا بشأن مآل سوى 534 تعهدا، أي حوالي 40 في المائة من المجموع، مقابل 805 تعهدات، تمثل 60 في المائة، لم يظهر بشأنها جواب منشور عن المآل.
ولاحظت الدراسة أن نسبة الإجابة عن مآل التعهدات لم تتخذ مسارا تصاعديا منتظما، إذ انتقلت من 29 في المائة خلال السنة الأولى من الولاية التشريعية إلى 37 في المائة خلال السنة الثانية، وبلغت 52 في المائة خلال السنة الثالثة، قبل أن تتراجع إلى 43 في المائة خلال السنة الرابعة و37 في المائة خلال السنة الخامسة.
وشددت الدراسة على أن توفر جواب بشأن مآل التعهد لا يعني بالضرورة تنفيذه، موضحة أن قياس وجود جواب منشور يختلف عن التحقق من مستوى الوفاء بالالتزام الحكومي وأثره الفعلي.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن النظام الداخلي لمجلس النواب ينظم عملية جرد التعهدات الحكومية وتصنيفها بحسب القطاعات ونشرها وإحالتها إلى رئيس الحكومة، بموجب المواد من 299 إلى 301، غير أن المادة 301 تنص على أنه “يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات”، دون تحديد أجل ملزم للإجابة عن كل تعهد.
واعتبرت الدراسة أن الإشكال لا يتعلق بغياب آلية رسمية لتتبع التعهدات، وإنما بعدم اكتمالها، خصوصا في ما يرتبط بتحديث وضعية كل تعهد والتحقق من مستوى تنفيذه، والتمييز بين الالتزامات المنفذة وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ أو لم تنفذ.
دعوة إلى تعزيز شفافية الرقابة
وبناء على هذه الاختلالات، اقترحت الدراسة حزمة من التدابير الرامية إلى تطوير آليات الرقابة البرلمانية، في مقدمتها تعزيز شفافية البيانات المتعلقة بمشاركة النواب داخل جلسات الأسئلة الشفهية، ونشرها بصورة منتظمة ومفتوحة بما يسمح بتتبع طبيعة تدخلات كل نائب وتطورها خلال الولاية التشريعية.
كما دعت إلى إرساء آلية دورية لرصد توزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات الحكومية، من خلال لوحة بيانات تعرض تطور الاهتمام الرقابي بحسب القطاعات والموضوعات، بما يتيح الكشف عن المجالات الأكثر والأقل حضورا.
وفي ما يتعلق بالتعهدات الحكومية، أوصت الدراسة بتطوير آلية التتبع القائمة، عبر تحديث وضعية الالتزامات بصورة دورية، وتحديد أجل مرجعي للإجابة عن مآلها، مع التمييز بين التعهدات المنفذة والمنفذة جزئيا والتي لا تزال قيد التنفيذ وغير المنفذة، فضلا عن الحالات التي يتعذر التحقق من مآلها.
كما اعتبرت أن جعل الإجابة عن مآل التعهدات إلزامية يقتضي مراجعة المادة 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تتيح حاليا للحكومة إمكانية الإجابة دون أن تجعل ذلك التزاما ملزما.
وخلصت الدراسة إلى أن التحدي الأساسي لا يرتبط بزيادة عدد الأسئلة والتدخلات البرلمانية، وإنما بتعزيز شفافية النشاط الرقابي وقابليته للرصد والتتبع، واستكمال دورة المساءلة من طرح السؤال وتلقي الجواب الحكومي إلى التحقق من تنفيذ الالتزامات المعلنة.