راموني: منطق القوة يتغلب على القانون الدولي والأمم المتحدة تفقد فعاليتها
حذّر الكاتب والإعلامي الإسباني البارز، إيغناسيو راموني، من أن العالم يعيش اليوم وضعا غير مسبوق يتمثل في تراجع سلطة القانون الدولي، مقابل صعود خطاب يبرر استخدام القوة لكل من يمتلكها، في تجاهل صريح لمبادئ الأمم المتحدة التي تفقد فعاليتها .
وأوضح راموني خلال عرض حول “القضايا الدولية والجيوستراتيجية”، اليوم الخميس 16 أبريل 2026 بالرباط، أن فهم هذا التحول يمر عبر العودة إلى ما سماه “القرن التاسع عشر الطويل”، الذي تميز بثورات كبرى مثل ثورات 1830 و1848 و”كومونة باريس”، معتبرا أن هذا القرن امتد سياسيا وتاريخيا إلى غاية الحرب العالمية الأولى والثورة السوفيتية.
وأكد أن هذه المرحلة التاريخية أفرزت وعيا بضرورة وضع قواعد جديدة لتنظيم العلاقات الدولية، تقوم على الحوار والتفاوض والتنازلات المتبادلة، بدل الحروب التي كانت تعتبر الوسيلة الطبيعية لحل النزاعات بين الدول.
وفي هذا السياق، لفت الكاتب والمفكر الإسباني إلى إنشاء عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، كأول محاولة لتجميع الدول داخل هيئة واحدة، حيث يمثل كل مندوب شعب بلده، وتُناقش القضايا الدولية بشكل جماعي، على غرار المجالس التمثيلية.
غير أن هذه التجربة سرعان ما انهارت، بسبب عدم التزام القوى الكبرى بقواعدها، خاصة مع صعود أنظمة توسعية مثل إيطاليا الموسولينية منذ 1923، وألمانيا النازية، واليابان العسكرية، ما أدى في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ووصف راموني هذه الحرب بأنها أكبر كارثة عرفتها البشرية، مشيرا إلى أنها خلفت حوالي 150 مليون قتيل عبر العالم، وشهدت لأول مرة استخدام أسلحة الدمار الشامل، خاصة القنابل النووية التي أُلقيت على هيروشيما وناجازاكي سنة 1945.
كما استحضر ما وصفه بـ“الرعب المطلق”، من خلال معسكرات الإبادة التي أقامها الرايخ الثالث، والتي استهدفت بشكل ممنهج المجتمع اليهودي الأوروبي، إلى جانب الغجر ، “في محاولة لإبادة مجتمعات كاملة بطريقة منظمة”.
وأشار الإعلامي الإسباني إلى أن هذه الفظائع دفعت الإنسانية إلى استخلاص درس أساسي، يتمثل في ضرورة بناء عالم قائم على القانون بدل القوة، وهو ما تُرجم في تأسيس منظمة الأمم المتحدة من طرف الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، خاصة الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، وهي الدول التي منحت نفسها حق النقض “الفيتو” داخل مجلس الأمن.
ولفت إلى أن عدد الدول عند تأسيس الأمم المتحدة كان في حدود 40 دولة فقط، بينما يناهز اليوم 200 دولة، خاصة بعد موجات إنهاء الاستعمار خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، دون أن يواكب هذا التوسع أي إصلاح حقيقي في بنية القرار.
وسجل إيغناسيو راموني أن الأمم المتحدة عجزت خلال العقود الأخيرة عن فرض أولوية القانون في عدة نزاعات، متسائلا عن دورها في حروب كبرى مثل حرب فيتنام وحرب الجزائر، إضافة إلى نزاعات أخرى لم تتمكن فيها من منع الاعتداءات أو حماية المدنيين.
وأضاف أن هذا العجز المتكرر أدى إلى تراجع الثقة في المنظمة، وفتح الباب أمام ما وصفه بـ“إغراء تجاهلها”، خاصة من طرف القوى الكبرى التي تمتلك وسائل القوة العسكرية والاقتصادية.
وفي السياق ذاته، استحضر المتحدث مثال التدخل العسكري في العراق سنة 2003، في عهد جورج دبليو بوش، والذي جاء بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 التي خلفت حوالي 3000 قتيل، حيث تم تبرير الحرب بادعاء امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، قبل أن يتبين لاحقًا عدم صحة تلك المعطيات.
وخلص راموني إلى التأكيد على أن ما يميز المرحلة الحالية ليس فقط ضعف الأمم المتحدة، و إنما التحول الخطير في الخطاب الدولي، حيث لم تعد بعض القوى تكتفي بتجاوز القانون، بل أصبحت تعلن صراحة أن امتلاك القوة يمنحها الحق في استخدامها، في قطيعة واضحة مع النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
إيغناسيو راموني هو صحافي ومفكر إسباني بارز، اشتهر بكونه مديراً لصحيفة “لوموند دبلوماتيك” الفرنسية الشهيرة بين عامي 1990 و2008. يعد من أبرز المدافعين عن البدائل العولمية، وهو صاحب كتاب “علكة العيون: عن وسائل الدعاية الصامتة” الذي يحلل فيه التضليل الإعلامي، وكتاب “استبداد الاتصال”.
من أبرز أعماله ومواقفه: التحليل الإعلامي، بحيث أنه ركز في كتاباته على نقد آليات وسائل الإعلام الحديثة وكيفية توجيه الرأي العام، خاصة في كتابه “علكة العيون” الذي يستعرض وسائل الدعاية الصامتة، إضافة إلى تأليف كتب مثل “في استبداد الاتصال وضمور التواصل”.
إلى جانب ذلك، قاد راموني تحرير لوموند دبلوماتيك لسنوات طويلة، مما جعله صوتاً مؤثراً في الصحافة الفكرية والتحليلية، إضافة إلى كونه يُعرف بأسلوبه الذي يكشف “الدعاية الصامتة” التي تسيطر على العقول.