دورة الحضارة وتآكل النخب.. معضلة “ابستين” كعَرَض لبنية متشققة لا أزمة فرد عابر
انكسر الإيقاع الرتيب الذي حكم الأمم لآلاف السنين؛ فبعد أن كانت الحضارات والإمبراطوريات القديمة تستغرق قرونا في دورة حياتها، من تشكّل ونضوج ثم تدهور بطيء ممتد في الزمان، كاحتضار الإمبراطوريات التاريخية الذي امتد لعقود وبعضها لقرون من الزمان تحت وطأة الشيخوخة السياسية الهادئة. باتت الجغرافيا اليوم تفقد قدرتها على منح الحماية والمطاولة الزمنية لساكنيها، فأصبحنا نشهد احتراقا زمنيا مذهلا، حيث يكتمل صعود القوة وسقوطها في فترات خاطفة قد لا تتجاوز عمر أي فرد منا، كما تجلى ذلك في الانهيار الصادم للاتحاد السوفيتي الذي لم يصمد لأقل من قرن واحد (أقل من 70 سنة)؛
وهي المفارقة التي تؤكد أن المناعة العسكرية لم تعد كافية لضمان البقاء في عالم يلتهم الضعفاء بسرعة الضوء. فقد دخلنا عصر تقارب الزمان (كما في الحديث النبوي). فما كان يحتاج دورة تاريخية كبرى صار الآن يحدث في لمح البصر، مما جعل الأمم المعاصرة أقصر عمرا في حضارتها؛ إذ تومض قوتها بشدة كشهاب عابر، لكنها سرعان ما تخبو تحت وطأة التسارع الذي لم يعد يمنح الحضارات وقتا للترسخ أو البقاء، وكأن التاريخ قد قرر فجأة أن يطوي صفحاته في “عمر إنسان” بدلا من “عمر أمم”.
وعلى وقع هذا التسارع، يبدو طرح “بول كينيدي” اليوم أكثر تجسدا من أي وقت مضى؛ بعدما أرسى قاعدة جيوسياسية منذ 1987 مفادها أن القوى العظمى لا تُهزم في الميدان أولا، بل تسقط حين “تتجاوز التزاماتها العسكرية والاستراتيجية قدراتها الاقتصادية الحقيقية”. وهذا العجز مهد الطريق لبلوغ “الدورة الحضارية الغربية” نهايتها في مشاهد تراجيدية في صورتها الأكثر قسوة؛ حيث يلتقي الانحدار البنيوي بالفضيحة الأخلاقية التي جسدها ملف “إبستين”، ليتكشف لنا كيان باتت هيمنته مجرد غلاف خارجي لجوهر “يعيش على الاستهلاك والاستدانة وفائض الآخرين” بتعبير “إيمانويل تود”. ولم يكن هذا التآكل مجرد عجز مالي، بل هو فقدان للشرعية الأخلاقية والسياسية، حيث تتحول الدولة من قائدة للنظام العالمي إلى رهينة لملفات الابتزاز وتصفية الحسابات الداخلية التي تنهش في عمودها الفقري.
وبينما تنشغل النخبة الأمريكية بتمزيق ما تبقى من شرعيتها في أروقة الكونغرس ومنصات الابتزاز التي خلفتها “جزيرة إبستين”، تبرز الصين كقوة تتبنى منهجا مغايرا تماما، يعتمد على البناء البنيوي والنمو الصلب بعيدا عن سيولة الفضائح. فالتنين الصيني لا يصعد كخصم عسكري تقليدي فحسب، بل كبديل حضاري “منضبط” يراقب بصبر تآكل خصمه من الداخل؛ فكل دقيقة تُهدر في الصراع العبثي بين أقطاب السياسة الأمريكية حول ملفات الجزيرة المشبوهة، هي دقيقة ذهبية تُمنح للصين لترسيخ نفوذها العابر للقارات عبر طريق الحرير والقبض على مفاصل التكنولوجيا العالمية.
وفي هذه اللحظة الحرجة، لم يعد الانهيار رهينا بالجيوش الغازية، بل بمدى تآكل “المناعة الداخلية”؛ فالحضارة الغربية دخلت فعليا مرحلة “الانفجار من الداخل” نتيجة لفرط النخب وتكالبها على نفوذ مشبوه، حيث لم يكن ما فعله جيفري إبستين مجرد انحراف شخصي، بل كان ثقبا أسود ابتلع “الرصيد القيمي والسيادي” لمنظومة كاملة؛ وهو ما يعيدنا إلى القاعدة التي أرساها “يوهان غالتونغ” بأن الإمبراطورية تسقط حين تفشل في إدارة تناقضاتها الداخلية والخارجية، وتفقد شرعيتها الأخلاقية قبل قدرتها المادية.
فعندما تتحول النخب الحاكمة في واشنطن، من كلينتون إلى ترامب، إلى رهائن لملفات ابتزاز أخلاقي، فإننا نغادر مربع الاستدامة الإستراتيجية لنسقط في فخ “التآكل البنيوي” الذي يصفه “بيتر تورشين” بأنه نقطة اللاعودة في صراع النخب؛ إذ لم يعد الصراع حول “رؤية الدولة”، بل تحول إلى “غريزة بقاء” للنخب المتورطة. هذا التباين الحاد خلق حالة من “الارتباك الجيوسياسي” جعلت النخب تفر إلى الأمام، مستخدمة الفضائح كأدوات دفاعية ضد بعضها البعض، مما ترك الباب مواربا أمام صعود قوى بديلة، مما يضع العالم وجها لوجه أمام حتمية المنافسة التي قد تنزلق إلى مواجهة شاملة، تجعل الصدام العسكري “مرجحا وإن لم يكن حتميا”، تجسيدا لما يُعرف بـ “فخ ثوسيديدس” عند “غراهام أليسون”.
وفي المحصلة، يبدو أن الدورة الحضارية الغربية قد وصلت إلى نقطة “الانغلاق”؛ إذ لم يعد السقوط يحتاج إلى غزو بربري كما حدث لروما، بل يكفي مراقبة “النموذج الصيني” الصاعد وهو ينتظر سقوط الثمرة الأمريكية التي نخرها سوس “إبستين”. إنها اللحظة التي يؤدي فيها “فرط النخب” وصراعاتهم المشينة إلى شلل الدولة التام أمام التحديات الخارجية، لتنتقل المعركة الفاصلة من مياه بحر الصين الجنوبي إلى أروقة “الوعي العالمي”؛ ذلك الوعي الذي بدأ يرى في الغرب إمبراطورية “شيخوخة” غارقة في الفضيحة والابتزاز، بينما يلوح في الشرق فجر جديد يعيد تعريف القوة بقيم العمل والبناء البنيوي، لا بالثرثرة السياسية المنحلة.
وفي مقابل التشخيص الجراحي للأفول، يبرز تيار يرى في الأزمة “فرصة لإعادة التموضع”؛ فبينما يرى “فريدمان” أن “الجغرافيا هي المحرك الأعمق الذي يعيد إنتاج القوة” متجاوزا عثرات الشخوص، يضع “ستيفن والت” يده على الجرح الاستراتيجي حين يؤكد أن مأزق الهيمنة لا ينبع من نقص في الإمكانات، بل في سوء إدارة القوة والخيارات الاستراتيجية القاتلة التي تبنتها النخب. ومن هذا المنطلق، يرى والت أن السبيل الوحيد للنجاة هو انتهاج إعادة تموضع قسري لترميم الداخل، وهي استراتيجية تعني الانكفاء الحذر لترتيب البيت من الداخل قبل أن تبتلع التوسعات الخارجية ما تبقى من قدرات الدولة.
ومن هذا المنطلق، تبدو التحولات التي يفرضها ترامب في السياسة الأمريكية تعبيرا عن بنية تعيش مأزقا وجوديا؛ إذ إن الهبوط الحاد في أدبيات الحوار والاستهداف الممنهج لرموز المؤسسة التقليدية، ليس إلا تجليا لمرحلة السيولة التي تسبق التفكك، وهي في جوهرها أعراض لبنية بلغت مرحلة التصدع العظيم لكنها لم تزل تقاوم السقوط الحر. فإذا كانت الثقة المفرطة في الاستقرار الأمريكي تتجاهل هذه الشقوق، فإن الرهان الاندفاعي على الانهيار الوشيك في المقابل، يغفل حقيقة أن البنى الكبرى تمتلك آليات دفاعية معقدة تسمح لها بالمناورة طويلا قبل بلوغ محطتها الأخيرة.
إن تعاضد هذه البنية المشققة مع قيم “القوة والبراغماتية” العنيفة قد يؤسس لاضطراب دائم، أو تفكك جيوسياسي دموي، أو ربما مصالحات مؤقتة تعمل كـ “تخدير” للتراجع إلى حين، لكنها في النهاية لن تمنع الاتجاه التاريخي الأعظم نحو الأفول. وهكذا يتلخص المأزق الأمريكي في معادلة زمنية قاسية: فإذا كان كينيدي يرى أن “الإمبراطوريات تسقط لأنها تُرهق نفسها” بتوسعات تتجاوز طاقتها، فإن والت يذهب إلى أبعد من ذلك ليؤكد أنها “تُرهق نفسها لأنها ببساطة لا تعرف متى تتوقف”؛ وهذا العجز عن “الكبح الاستراتيجي” هو ما يحول فائض القوة من أداة للهيمنة إلى عبء ثقيل يسرع من وتيرة الانحدار بدلا من وقفه، لتصبح الإمبراطورية ضحية لاندفاعها الذي لم يعد يحقق نصرا، بل يراكم الخسائر.
إننا أمام إمبراطورية لم تكتف بالإنهاك الاقتصادي أو التوسع العسكري المفرط، بل انتقلت إلى مرحلة “الافتراس الذاتي”، حيث تنهمك النخب في نهش ما تبقى من شرعية المنظومة، بينما تتقدم قوة صاعدة تملأ الفراغ بهدوء استراتيجي. إن السؤال الذي يطرحه هذا التآكل البنيوي ليس مجرد سؤال سياسي، بل هو تساؤل عن طبيعة القدر التاريخي: هل لا تزال “الصحوة الأمريكية” ممكنة عبر عملية جراحية لإعادة تموضع قسري يرمم الشقوق البالغة، أم أننا نشهد فعليا “مراسيم دفن” حضارية كُتبت فصولها الأخيرة في الغرف المظلمة وجزيرة “إبستين”، لتعلن أن زمن المعجزات قد ولى أمام حتمية السقوط الأخلاقي؟