story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حقوق وحريات |

دراسة: تعليل المحكمة الدستورية لضبط الخطاب الانتخابي الرقمي لم يكن كافيًا

ص ص

اعتبرت دراسة بحثية أن القرار الأخير الصادر عن المحكمة الدستورية بشأن ضبط الخطاب الانتخابي الرقمي في القانون التنظيمي لمجلس النواب، “كان يستدعي تعليلا دستوريا أكثر اتساعا، يوازن صراحة بين متطلبات صون النزاهة الانتخابية وواجب حماية حرية التعبير السياسي باعتبارها أحد مرتكزات التعددية الديمقراطية”.

وذكرت الدراسة التي أعدتها الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم أبليل، والمنشورة من طرف مركز تكامل للدراسات والأبحاث بعنوان “ضبط الخطاب الانتخابي الرقمي بين نزاهة الانتخابات وحماية حرية التعبير: تعليق على قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25″، أنه “رغم مشروعية الهدف الذي يتوخاه المشرع، وأقرت دستوريته المحكمة، إلا أن الطابع المستجد للمقتضى يثير عدة إشكاليات عملية وقانونية”.

ويُشار إلى أن المادة 51 من القانون نصت على أنه، “يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من بث أو وزع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو نشر أو أذاع أو نقل أو بث أو وزع خبرا زائفا أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المساس بالحياة الخاصة لأحد الناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية”.

كما نصت على أنه “يُعاقب بنفس العقوبة كل من قام، بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الإنترنت أو الأنظمة المعلوماتية، بصناعة محتوى يشتمل على مضمون كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية”.

في هذا السياق، اعتبرت أبليل أن الإشكال الأول الذي يثيره المقتضى، هو غموض معايير إثبات القصد في الخطاب السياسي الرقمي، موضحة أنه رغم اشتراط المشرع صراحة عنصر القصد باستعمال عبارة “بقصد المساس بالحياة الخاصة” أو “بقصد المساس بنزاهة العملية الانتخابية”، إلا أن الإشكال يكمن في غموض معايير إثبات هذا القصد في ظل تطور الخطاب السياسي الرقمي المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأبرزت أن “غياب مؤشرات موضوعية لتحديد سوء النية، وعدم التمييز بين الفاعل الأصلي والناشر أو الوسيط التقني، قد يفتح المجال لتأويلات واسعة تمس بجوهر حرية التعبير السياسية، وتخل بمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي الدقة واليقين في التجريم”.

وأشارت إلى أن المشكلة المطروحة في هذه الحالة، هي “تحديد الفاعل الحقيقي”، إذ يُطرح السؤال حول من يُسند إليه القصد الجنائي: هل هو منشئ المحتوى؟ أم من أعاد نشره؟ أم من استعمل أداة ذكاء اصطناعي جاهزة؟، مؤكدة أن عدم تمييز النص بين هذه العناصر، يجعل منه إطارا قانونيا مفتوحا على تأويلات متعددة، خاصة في سياق انتخابي يتسم بتطور رقمي متسارع واستعمال مكثف لأدوات يصعب استشراف اتجاهاتها وآثارها.

من جهة أخرى، ترى الباحثة أن إشكال ضبط الخطاب الانتخابي المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي يتفاقم أكثر في السياق المغربي بفعل غياب إطار قانوني خاص ينظم هذه التكنولوجيا ويحدد مفاهيمها ومسؤوليات الفاعلين المرتبطين بها، على خلاف التجارب الدولية التي اتجهت نحو تقنين واضح يميز بين الاستعمال المشروع والاستعمال المضر بالمسار الديمقراطي وحماية الحريات.

وشددت في هذا الإطار، على أن “هذا الفراغ التشريعي يؤدي إلى إدراج مقتضيات زجرية داخل النصوص الانتخابية دون سند مفاهيمي وتقني دقيق، مما يوسع هامش التأويل ويضعف ضمانات الأمن القانوني”.

من زاوية أخرى، نبهت أبليل إلى أن تطبيق عقوبات جنائية بالحبس والغرامة على أفعال رقمية يرتبط عادة بحرية التعبير، لافتة إلى أنه يمكن أن “يُحدث تضييقا غير مطلوب إذا لم تحاط هذه المقتضيات بضوابط دقيقة تميز بين النقد السياسي المشروع والمعلومات المزيفة القصد، وأضافت أن “التشريع قد يطال أطرافا متعددة في حال تفسير واسع للمادة”

ولذلك، شددت الباحثة على ضرورة الحرص على تحقيق التوازن بين مكافحة المعلومات المضللة وحماية حرية التعبير، وذلك من خلال اعتماد ​إطار شامل يحافظ على تنوع المصادر وحرية المعلومات وليس فقط العقاب الجنائي.

وأشارت في هذا الصدد، إلى توصيات الأمم المتحدة بأن مكافحة المعلومات المضللة تتطلب استثمارا مستداما في بناء القدرة على الصمود المجتمعي ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية، ما يؤكد وفق قولها، أن “المقاربات التشريعية الجزئية والموضوعاتية، حين تُعتمد بمعزل عن رؤية شاملة، قد تربك مبدأ الأمن القانوني ولا تحقق الأثر الوقائي المرجو”.

وشددت على أن هذا الأمر يجعل من التنصيص على عقوبات ضمن القانون التنظيمي لمجلس النواب، بقصد التأطير القانوني لاستعمال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية حماية لنزاهة العملية الانتخابية، أمرا مفهوما، غير أنه يظل غير كاف في ظل غياب منظومة قانونية شاملة، وغياب مواكبة حقيقية على مستوى التوعية الرقمية، وتوفير المعلومة الصحيحة، وتعزيز تواصل مؤسساتي جاد وفعال”.

كما أكدت أن رقابة القاضي الدستوري، وإن كانت تشكل ضمانة أساسية لاحترام الحقوق والحريات الدستورية، إلا أنها تظل بطبيعتها رقابة لاحقة ومحدودة بإطار النص المعروضة عليه، ولا يمكنها أن تعوض غياب سياسة تشريعية متكاملة في مجال الذكاء الاصطناعي أو نقص آليات الوقاية غير الزجرية.

ولفتت أيضا إلى أن الاقتصار في تعليل المحكمة على التأكيد على عدم المساس بحرية الصحافة، يثير تساؤلا مشروعا حول مدى استحضارها لمجال أوسع لحرية التعبير السياسية، كما هي مكفولة بموجب الفصل 25 من الدستور، خاصة في سياق رقمي جديد يتجاوز الإطار الصحافي المهني ليشمل فاعلين متعددي الصفات، من مواطنين وناشطين سياسيين ومترشحين، يستعملون منصات رقمية وأدوات ذكاء اصطناعي في التعبير والتفاعل العموم.

ويُذكر أن المحكمة الدستورية قضت بأن المادة 51 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، غير مخالفة للدستور، على اعتبار أنها “مبررة بغاية مشروعة، واستوفت متطلبات الضرورة في تحديد الجرائم والتناسب في الجزاء المطبق عليها”.

واعتبرت المحكمة الدستورية أن مقتضيات المادة “تستند إلى عدة مرتكزات دستورية متكاملة، تشمل ضمان صدق ونزاهة العمليات الانتخابية، وحماية الحياة الخاصة، وصون كرامة الأشخاص خلال الحملات الانتخابية، مع التأكيد على أن التنافس الانتخابي، مهما بلغ حدته، يظل مقيدا بضوابط دستورية تحكم حرية التعبير والنقد”.

كما ربطت هذه المقتضيات “بقرينة صحة العمليات الانتخابية، وباختصاصها كقاض انتخابي في النظر في المنازعات المرتبطة بنتائجها، مع تحميل عبء الإثبات للطرف المنازع وفق المساطر القانونية”.

وفي هذا الإطار، خلصت المحكمة إلى أن المادة 51 قد حددت العناصر التكوينية للجرائم الانتخابية التي جاءت لزجرها، وراعت متطلبات القصد الجنائي حماية للحياة الخاصة ولنـزاهة العمليات الانتخابية، كيفما كانت الوسائل والدعامات المستعملة في الدعاية الانتخابية، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي.

واعتبرت، بناء على ذلك، أن “هذه المقتضيات لا تمس بحرية الصحافة المكفولة بموجب الفصل 28 من الدستور، ولا بالأنشطة الصحافية المهنية المشروعة التي تمارس بحسن نية وتستند إلى التحقق من المعلومة، مما يجعلها مبررة بغاية مشروعة ومستوفية لمتطلبات الضرورة والتناسب”.