دراسة: اتساع الفجوة بين القرى والمدن يكرّس “مغرب السرعتين”
اعتبرت ورقة سياسات حديثة أن المغرب يواجه اتساعا مقلقا في الفجوة التنموية بين الوسطين الحضري والقروي، ما يكرّس ما بات يُعرف بـ“مغرب السرعتين”، محذّرة من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذا الوضع.
وأكدت الوثيقة أن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي اعتماد مقاربة ترابية توازن بين توحيد الرؤية الوطنية للتنمية وبين تصميم برامج تستجيب للحاجيات المحلية الفعلية.
وأوضحت الورقة الصادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA) والتي أعدها عبد الرفيع زعنون، أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان بعنوان “كيف نتجاوز مغرب السرعتين؟” أن العديد من المؤشرات الاجتماعية تعكس تعمق الفجوة بين القرى والمدن، “إذ ارتفع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد خلال العقد الأخير مدفوعا بزيادة ملحوظة في معدلات الفقر بالمناطق القروية، بينما تراجع معدل الهشاشة في الوسط الحضري مقابل ارتفاعه في القرى”.
وسجلت الدراسة ارتفاعا في معدل البطالة بالمجالات القروية، حيث انتقل من 10.5 في المائة سنة 2014 إلى 21.4 في المائة سنة 2024، وهو ما تعزوه الورقة إلى ضعف البنيات التحتية الاقتصادية ومحدودية مسارات الاستثمار والنقل والتوزيع، ما يساهم في تكريس ما وصفته بـ“العزلة الاقتصادية” في عدد من المناطق القروية.
وفي المجال الاجتماعي، أبرز المصدر ذاته استمرار اختلال توزيع الخدمات الأساسية بين القرى والمدن، خصوصا في قطاعي التعليم والصحة، بحيث أنه في قطاع التعليم، تعاني المدارس القروية من ضعف التجهيزات والموارد البشرية ومحدودية الربط بالإنترنت، وهو ما يعمّق الفجوة بين تعليم حضري آخذ في التحسن وتعليم قروي أقل جودة.
أما في القطاع الصحي، فتشير الدراسة إلى أن التفاوت أكثر حدة، إذ يظل عرض العلاجات محدودا في العالم القروي، بينما لا يتجاوز معدل الكثافة الطبية طبيبا واحدا لكل عشرة آلاف نسمة في بعض المناطق، فضلا عن أن أكثر من نصف الساكنة القروية تقطع مسافات تتجاوز خمسة كيلومترات للوصول إلى أقرب خدمة صحية أساسية.
وترى الورقة أن التغيرات المناخية والإجهاد المائي يزيدان من هشاشة المجال القروي، خاصة في ظل اعتماد نماذج زراعية مستنزفة للمياه وغير متلائمة مع التحولات المناخية، وهو ما يسهم في تفاقم ظواهر الهجرة القروية وارتفاع الضغط على المدن.
وفي سياق البحث عن حلول لهذه الاختلالات، تشير الدراسة إلى أن الحكومة شرعت في إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، مستندة إلى تمويلات جديدة ضمن قانون المالية لسنة 2026، من بينها تحويل صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية إلى صندوق للتنمية الترابية المندمجة بغلاف مالي يناهز 20 مليار درهم.
غير أن الورقة لفتت إلى أن المقاربة الجديدة تطرح في المقابل تساؤلات مرتبطة بالحكامة الترابية، خاصة مع تعاظم دور وزارة الداخلية في قيادة البرامج التنموية على المستوى الترابي، وهو ما قد يثير مخاوف مرتبطة بتوازن العلاقة بين الإدارة الترابية والجماعات المنتخبة.
كما تسجل الوثيقة أن اللقاءات التشاورية التي نظمت على المستوى الإقليمي لتشخيص الحاجيات الترابية كانت في كثير من الحالات ذات طابع تواصلي أكثر من كونها تشاركيا، ما قلّص من حجم مساهمة المنتخبين في تحديد أولويات البرامج المرتقبة.
وفي هذا السياق، تدعو الورقة إلى اعتماد مقاربة تعاقدية في تدبير التنمية الترابية تقوم على تنسيق السياسات العمومية بين الدولة والجهات والجماعات الترابية، مع إرساء آليات للتخطيط المشترك والتقييم التشاركي لضمان أثر فعلي للمشاريع التنموية.
وخلصت الدراسة إلى أن المقاربة الجديدة قد تتيح فرصة لإعادة تنظيم السياسات العمومية الموجهة للحد من الفوارق المجالية، لكنها تحذر في المقابل من خطر تكريس ما وصفته بـ“تدبير ترابي موازٍ” إذا لم تُمنح المجالس المنتخبة دورا فعليا في تصميم وتنفيذ برامج التنمية الترابية، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الترابية التي أقرها دستور 2011.