دبلوماسية: هل عاد المغرب لسياسة المقعد الفارغ؟

قطع المغرب منذ سنة 2013 مع سياسة المقعد الفارغ في أروقة الاتحاد الافريقي والمنظمات القارية، بعدما كان قد انسحب من منظمة الوحدة الإفريقية في شتنبر 1984 احتجاجا على قبول عضوية “البوليساريو”. تغيير المقاربة الدبلوماسية أثمر عودة المغرب رسميا إلى الاتحاد الافريقي سنة 2017 خلال أشغال القمة الثامنة والعشرين بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا التي حضرها الملك محمد السادس.
خلال السنوات الأخيرة، باتت دبلوماسية المملكة تُؤثِر الانسحاب من الساحات التي يخترقها البوليساريو وتعوض الغياب المباشر ببيانات “من على مسافة” من دائرة الحدث.
نهاية سياسة المقعد الفارغ
في فبراير 2013، عمد وزير الخارجية آنذاك سعد الدين العثماني، إلى إلقاء كلمة خلال مؤتمر المانحين لفائدة مالي المنعقد بمقر الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس ابابا، بعد أن أعطيت ضمانات للمغرب بعدم حضور ممثلي جبهة البوليساريو الانفصالية.
وتأكد الوفد المغربي من عدم حضورهم الفعلي، ليكون خطاب العثماني آنذاك أول مشاركة لوزير مغربي من داخل مقر الاتحاد الإفريقي منذ 29 سنة، تاريخ انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سابقا.
منذ ذلك الحين ربط المغرب عودته إلى الاتحاد الأفريقي بتعديل بند أساسي حول شروط العضوية في الاتحاد، وهو ذات التعديل الذي سيؤدي إلى تعليق عضوية البوليساريو في الاتحاد، ويفتح الطريق أمام عودة المغرب.
العودة للبيت الافريقي
في صيف سنة 2016، قرر المغرب العودة للاتحاد الإفريقي الذي تركه قبل 32 عاما، في رسالة وجهها الملك محمد السادس إلى القمة السابعة والعشرين للاتحاد التي انعقدت في العاصمة الرواندية كيغالي.
ووافق قادة الاتحاد الأفريقي على طلب المغرب خلال القمة الثامنة والعشرين في يناير 2017، ليصبح العضو الخامس والخمسين.
وجاء القرار في جلسة مغلقة في القمة الأفريقية المنعقدة في إثيوبيا، غير أن المصادقة على عودة الرباط تمت دون ربطها بأي قرار بشأن قضية الصحراء ومع احتفاظ “البوليساريو” بمقعدها في الاتحاد الافريقي.
بالمقابل، وباستعادة المغرب لمقعده في الاتحاد أنهى سياسة الكرسي الفارغ المتبعة منذ عقود، خدمة لأجندة سياسته الخارجية، التي أصبحت القارة الأفريقية ضمن أولوياتها في السنين الأخيرة، ولفتح فرص استثمارية واسعة في القارة، لا سيما وأن العديد من الشركات والبنوك المغربية لديها استثمارات في عدد من الدول الأفريقية، وهي بصدد توسيعها.
ويرى محللون أن قرار المغرب العودة للاتحاد الأفريقي محكوم برغبة الرباط في إضعاف البوليساريو، فقد كانت الجبهة تستفيد دبلوماسيا من عضويتها في الاتحاد لدحض أطروحة المغرب والدفاع عن أطروحتها بشأن نزاع الصحراء، ودعمتها في ذلك دول أفريقية كبرى مثل الجزائر وجنوب أفريقيا.
عودة المغرب للاتحاد الافريقي رسميا كانت بخطاب ألقاه الملك محمد السادس أمام المشاركين في القمة من ممثلي الوفود المشاركة، وكان من بينهم ممثل جبهة “البوليساريو” الانفصالية، كما جلس الملك للمرة الثانية خلال نفس السنة إلى طاولة تجمعه بممثل عن “البوليساريو”، خلال أشغال القمة الأفريقية الأوروبية المنعقدة في نونبر من سنة 2017 في العاصمة الإيفوارية أبيدجان، وهي قمة توجت كذلك باستعادة المغرب لعلاقاته مع جنوب افريقيا بعد سنوات من القطيعة بسبب القرب من “البوليساريو”.
عودة “المقعد الفارغ”
بعد سنوات من قطعه مع سياسة المقعد الفارغ بحضوره القمم القارية إلى جانب وفد جبهة “البوليساريو” الانفصالية، عاد المغرب إلى الانسحاب من المؤتمرات الإقليمية بحجة مشاركة وفد الجبهة، وبدأ هذا المسار في أكتوبر من سنة 2018، حين انسحب الوفد المغربي من الاجتماع الوزاري التحضيري للمؤتمر الدولي السابع حول التنمية بإفريقيا “تيكاد 7” في العاصمة اليابانية طوكيو احتجاجا على حضور “البوليساريو”.
وقالت وكالة الأنباء المغربية الرسمية آنذاك إنه: “بمناسبة الاجتماع الوزاري التحضيري لهذا المؤتمر المقرر من 5 إلى 7 أكتوبر، تسلل أعضاء من البوليساريو إلى اليابان”، وأضافت أنهم دخلوا بجوازات سفر دولة أخرى، و”حصلوا على اعتماد ببطاقات لجنة الاتحاد الإفريقي”.
وفي غشت 2022، قرر المغرب عدم المشاركة في القمة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني الإفريقي “تيكاد 8″، التي انعقدت بتونس شهر غشت من العام الماضي، والاستدعاء الفوري لسفيره بتونس للتشاور، بسبب دعوتها لجبهة “البوليساريو” واستقبال رئيسها قيس سعيد لزعيم الجبهة ابراهيم غالي.
وبناء على هذا الموقف، قررت المملكة المغربية عدم المشاركة في القمة الثامنة لقمة “تيكاد”، في أزمة لا زالت مستمرة إلى الآن بغياب السفير المغربي عن تونس، واستمرار هذه الأخيرة في سحب سفيرها من الرباط.