خمسة كيلومترات من سكة الحديد الموريتانية داخل صحراء المغرب.. ما القصة؟
أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء الصادر في أكتوبر 2026، والذي كشف عن مطالبة موريتانية بإحداث لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية للإقليم؛ الاهتمام بواحدة من الخصوصيات الجغرافية الأقل تداولا في العلاقات المغربية الموريتانية، وتتعلق بمرور نحو خمسة كيلومترات من السكة الحديدية الموريتانية عبر أراضٍ تدخل ضمن الحدود التاريخية للصحراء المغربية.
وبينما ذهب جزء من النقاش إلى ربط المطلب الموريتاني بمستقبل منطقة الكويرة، برز تفسير آخر يربطه بالحاجة إلى ضمان استمرار استعمال خط حديدي يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد الموريتاني.
في منطقة شوم، شمال موريتانيا، وعلى الطريق الرابط بين أطار والزويرات، تنحرف السكة الحديدية التي تنقل خام الحديد من المناجم الموريتانية إلى ميناء نواذيبو عن مسارها داخل الأراضي الموريتانية، لتدخل لمسافة تقارب خمسة كيلومترات إلى منطقة تقع شمال الحدود التاريخية الفاصلة بين موريتانيا والمغرب، قبل أن تعود مجددا إلى التراب الموريتاني.
ولا يتعلق الأمر بخط حديدي يربط البلدين، وإنما بمقطع من شبكة السكك الحديدية الموريتانية، فرضت التضاريس الجبلية التي يجتازها هذا الخط اختيار مسار يلتف حول كتلة صخرية كانت القطارات تعبرها سابقا بواسطة نفق.
عادت هذه الخصوصية، التي توثقها الخرائط الجغرافية والصور الميدانية، إلى الواجهة في سياق النقاش الذي أثاره التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بعدما أشار إلى أن موريتانيا طلبت، خلال المشاورات المتعلقة بمستقبل النزاع حول الصحراء، إنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بطريقة توافقية.
وبينما جرى تفسير هذا الطلب في بعض الكتابات الإعلامية باعتباره مرتبطا بوضعية الكويرة، الواقعة بمحاذاة مدينة نواذيبو، طرح الفاعل السياسي والقيادي السابق في حزب الاستقلال، عادل بنحمزة فرضية مختلفة، مفادها أن المسألة قد تتصل بمصالح موريتانية أكثر مباشرة في منطقة شوم، حيث تعبر السكة الحديدية والطريق المجاورة لها أراضي الصحراء.
نفق قديم ومسار جديد عبر الصحراء
لفهم هذه الوضعية، ينبغي العودة إلى تاريخ إنشاء شبكة السكك الحديدية الموريتانية، التي أُقيمت لخدمة استغلال مناجم خام الحديد في شمال البلاد، وربط مناطق الإنتاج حول الزويرات بميناء نواذيبو على المحيط الأطلسي. وتدير هذه الشبكة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم، المعروفة اختصارا باسم “سنيم” (SNIM)، وتمتد خطوطها على أكثر من 700 كيلومتر، عبر مناطق صحراوية قليلة السكان، وتستخدم قطارات طويلة وثقيلة لنقل الخام من المناجم إلى منشآت التصدير.
في منطقة “شوم”، كان المسار الأصلي للسكة الحديدية يعبر كتلة جبلية صخرية بواسطة نفق يبلغ طوله نحو كيلومترين. غير أن هذا المسار تغير لاحقا، إذ جرى اعتماد التفاف حول الجبل، بدلا من المرور عبره.
ويشير توثيق ميداني نشره موقع RailPictures، استنادا إلى صورة التقطت في 20 نونبر 2024، إلى أن استعمال مسار الالتفاف الحالي يعود إلى سنة 1991، وأنه يمر لمسافة تقارب خمسة كيلومترات داخل النطاق الجغرافي للصحراء، بمحاذاة طريق معبدة تسلك الاتجاه نفسه.
وتظهر الخرائط أن هذا الالتفاف يسمح للقطار بتجنب العائق الجبلي، لكنه يجعله يعبر شمال الخط الذي كان يفصل، خلال الفترة الاستعمارية، بين موريتانيا الخاضعة للإدارة الفرنسية والصحراء الخاضعة للإدارة الإسبانية. ويتعلق الأمر بالتالي بمقطع محدود الطول، لكنه يكتسب أهمية بسبب موقعه على خط النقل الرئيسي الذي تعتمد عليه موريتانيا لتصدير خام الحديد.
وتتجاوز أهمية هذه الكيلومترات الخمسة مساحتها الجغرافية، بالنظر إلى الوظيفة الاقتصادية للخط الذي تمر فوقه. فالشركة الوطنية للصناعة والمناجم تشرف على سلسلة إنتاج متكاملة تشمل استخراج الخام ومعالجته ونقله إلى ميناء نواذيبو، حيث يجري شحنه إلى الأسواق الدولية.
وتُظهر التقارير السنوية والوثائق التقنية للشركة أن السكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل مكملة للنشاط المنجمي، وإنما جزء أساسي من بنيته الإنتاجية، وأن برامج تطوير قدرة الشركة على التصدير ترتبط أيضا بتوسيع قدرات الخط الحديدي وتعزيز بنيته التحتية.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار استعمال المسار القائم، بما فيه المقطع الذي يعبر أراضي الصحراء المغربية، يمثل مصلحة اقتصادية موريتانية واضحة. لكن هذه الأهمية لا تعني وجود خلاف بشأن تشغيل السكة، إذ لا تشير المصادر الرسمية المنشورة إلى مطالبة مغربية بوقف استعمالها أو إلى نزاع معلن بين الرباط ونواكشوط حول المقطع المعني، كما لا تتوافر وثيقة ثنائية معلنة تحدد بصورة دقيقة الأساس القانوني لعبوره.
كيف دخلت الحدود المغربية-الموريتانية إلى تقرير غوتيريش؟
ورد المطلب الموريتاني في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، تحت الرمز S/2026/781، والذي تناول تطورات العملية السياسية والمشاورات المتعلقة بمستقبل الإقليم.
وبحسب ما أوردته الفقرة الثامنة من التقرير، فقد أكدت موريتانيا، خلال محادثات مدريد المنعقدة يومي 8 و9 فبراير 2026 وجلسات لاحقة، ضرورة إنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم، على أساس توافقي.
وتكتسي هذه الصياغة أهمية خاصة لأنها لا تتضمن مطالبة موريتانية صريحة بأراض معينة، وإنما اقتراحا بإحداث آلية لمعالجة مسألة الحدود ضمن التسوية السياسية. كما أن التقرير لم يحدد المناطق التي تقصدها موريتانيا بهذا الطلب، ولم يذكر الكويرة أو منطقة شوم أو السكة الحديدية.
وتعود الخلفية التاريخية للحدود المعنية إلى الاتفاقيات الفرنسية الإسبانية المبرمة ابتداء من سنة 1900، والتي ساهمت في تحديد المجال الفاصل بين موريتانيا والصحراء المغربية خلال المرحلة الاستعمارية. وبعد انسحاب إسبانيا سنة 1976، وقّع المغرب وموريتانيا اتفاقية لتحديد الحدود بينهما في 14 أبريل من السنة نفسها، في سياق تقسيم إدارة الإقليم بين البلدين، حيث تولت موريتانيا الجزء الجنوبي المعروف آنذاك ب”تيرس الغربية”.
لكن هذا الوضع تغير سنة 1979، عندما وقعت موريتانيا اتفاق سلام مع جبهة البوليساريو أعلنت بموجبه التخلي عن مطالبها الترابية في الصحراء والانسحاب من النزاع.
غير أن تخلي موريتانيا عن مطالبها الترابية في الإقليم لا يعني بالضرورة استكمال جميع إجراءات التحديد النهائي للحدود، أو تنظيم وضع المنشآت والممرات التي قد تتأثر بالتسوية المستقبلية. لذلك يمكن التمييز بين عدم وجود مطالبة ترابية موريتانية معلنة، وبين رغبة نواكشوط في الحصول على توضيحات أو ضمانات مرتبطة بحدودها الشمالية.
وقد أثار ورود المطلب في تقرير غوتيريش قراءات إعلامية ربطته بمنطقة الكويرة، في أقصى جنوب المغرب، بالقرب من مدينة نواذيبو الموريتانية. لكن الحكومة الموريتانية نفت، عبر ناطقها الرسمي في أكتوبر 2026، أن يكون موقفها قد تغير أو أنها أعلنت مطالب ترابية جديدة، وأكدت تمسكها بالتسوية السلمية والتوافقية في إطار الأمم المتحدة، مع توضيح أن إثارة مسألة الحدود ترتبط بتجنب الغموض القانوني والأمني والاقتصادي.
بين الكويرة وسكة “شوم”.. تفسيران للمطلب الموريتاني
في دراسة نشرها مركز “السياسات من أجل الجنوب الجديد”، المقرّب من المكتب الشريف للفوسفاط، يوم 15 أكتوبر 2026، توقف الدبلوماسي المغربي السابق محمد لوليشكي، الممثل الدائم الأسبق للمغرب لدى الأمم المتحدة، عند الإشارة الواردة في تقرير غوتيريش بشأن الحدود.
واعتبر لوليشكي أن غياب توضيح رسمي للدوافع الموريتانية يجعل تفسير المطلب مفتوحا على فرضيات متعددة، مرجحا أن تكون إحدى أهم خلفياته مرتبطة بوضعية الكويرة وبالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لموريتانيا حول ميناء نواذيبو.
وتستند هذه القراءة إلى الموقع الجغرافي الخاص للكويرة في شبه جزيرة الرأس الأبيض، حيث تقع بمحاذاة المجال المينائي والعمراني لنواذيبو، وإلى ما يمكن أن يثيره تحديد الحدود البرية والبحرية مستقبلا من مسائل مرتبطة بالملاحة والصيد البحري والأنشطة الاقتصادية.
كما ربط لوليشكي هذه الاعتبارات بالتحولات المرتقبة في البنية المينائية على الساحل الأطلسي، خصوصا مع تطوير ميناء الداخلة الأطلسي، وما قد ينجم عنه من إعادة توزيع للحركة التجارية واللوجستية في المنطقة.
أما عادل بنحمزة، فقد قدم في تدوينة له، مرفقة بخرائط وصور، تفسيرا يركز على منطقة مختلفة تماما، هي “شوم”، التي يمر قربها خط السكك الحديدية الموريتاني عبر جزء من الصحراء. وينطلق بنحمزة من أن موريتانيا تخلت منذ سنة 1979 عن مطالبها الترابية في الإقليم، وأن الحدود التاريخية معروفة، ليعتبر أن المصلحة العملية الأهم بالنسبة إلى نواكشوط قد تكون ضمان استمرار استخدام الطريق والسكة الحديدية اللذين يمران لمسافة قصيرة داخل الأراضي التي يعتبرها المغرب جزءا من ترابه.
وبحسب هذه القراءة، فإن حساسية الموضوع لا تكمن في طول المقطع، وإنما في ارتباطه بواحد من أهم المرافق الاقتصادية الموريتانية. فالبحث عن مسار بديل يظل مرتبطا بالتضاريس الجبلية المعقدة التي دفعت أصلا إلى تجاوز النفق القديم، بينما يحتاج أي تغيير جديد في المسار إلى دراسة تقنية ومالية تأخذ في الاعتبار متطلبات تشغيل قطارات الشحن الثقيل.
ومن ثم، يرى بنحمزة أن موريتانيا قد تكون معنية بالحصول على ضمانات مرتبطة باستمرارية استعمال الممر، في إطار الترتيبات التي يمكن أن تصاحب تسوية النزاع.
وهكذا، تكشف وضعية السكة الحديدية قرب “شوم” عن مصلحة اقتصادية موريتانية ملموسة قد تدخل ضمن الترتيبات المرتبطة بأي تسوية نهائية للنزاع حول الصحراء، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة تغيير الحدود أو المساس بالسيادة على الأراضي التي يعبرها الخط.
غير أن الربط بين هذه الخصوصية الجغرافية والمطلب الموريتاني الوارد في تقرير غوتيريش يظل، شأنه شأن التفسير المرتبط بالكويرة، فرضية لم تؤكدها نواكشوط رسميا، في وقت لم يحدد فيه التقرير الأممي المناطق أو المنشآت التي يُفترض أن تتناولها اللجنة المقترحة لتوضيح الحدود.