خبير: نجاح “الاجتماع المغربي المصري” يقتضي إجراءات عملية ملموسة
شهدت العاصمة المصرية القاهرة انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المغربية–المصرية، في خطوة تعكس الرغبة المشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة، تمتد إلى مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وتم خلال الاجتماع، يوم الإثنين 6 أبريل 2026، توقيع سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين المغرب ومصر، شملت مجالات حيوية مثل الدبلوماسية، الاستثمار، الطاقة، الصناعة، الصحة، الثقافة والسياحة.
وقد ترأس هذا الاجتماع الرفيع المستوى كل من رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، ونظيره المصري مصطفى مدبولي، بحضور وفد وزاري هام من الجانبين؛ ضم من الجانب المغربي وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، فيما حضر من الجانب المصري وزراء الخارجية، والاستثمار والتجارة الخارجية، والشباب والرياضة، ومسؤولون عن قطاعات التعاون الدولي والابتكار.
وفي هذا الصدد، اعتبر خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “إحداث هذه اللجنة يندرج ضمن الآليات المؤسساتية التي تهدف إلى تمتين العلاقات بين البلدين”، مشيراً إلى أن “مثل هذه الأطر تعكس عمق الروابط المغربية–المصرية على أكثر من مستوى، سواء السياسي أو الاقتصادي أو الاستراتيجي”.
وأوضح الشيات أن “العلاقات بين الرباط والقاهرة تستند إلى أرضية سياسية متينة، تتجلى في وجود تقارب وتطابق في المواقف تجاه عدد من القضايا العربية والإقليمية، وهو ما يمنح هذه الشراكة بعداً سياسياً مهماً يعزز فرص تطويرها مستقبلاً”. كما أشار إلى أن “الجانب الاقتصادي بدوره يشكل ركيزة أساسية في هذه العلاقات، من خلال حجم التبادل التجاري القائم، والإمكانات الكبيرة المتاحة لتوسيعه وتنويعه”.
غير أن المتحدث نفسه سجل وجود تحديين أساسيين يواجهان مسار تطوير هذه العلاقات. ويتمثل التحدي الأول، حسب الشيات، في “الاختلال القائم على مستوى الميزان التجاري بين البلدين، حيث يبرز ضرورة العمل على إعادة التوازن التجاري بشكل يخدم مصالح الطرفين”.
وأكد في هذا الصدد على أن “المطلوب لا يكمن في الحد من الصادرات المصرية أو فرض قيود عليها، بل في البحث عن آليات عملية لتوسيع قاعدة الصادرات المغربية نحو السوق المصرية، من خلال استثمار الفرص الاقتصادية المتاحة، وتجاوز الإشكالات المرتبطة بالجوانب القانونية والاتفاقية، فضلاً عن العراقيل العملية التي قد تعترض المبادلات التجارية”.
أما التحدي الثاني، فيرتبط بالبعد السياسي، خاصة في ما يتعلق بموقف مصر من قضية الصحراء المغربية. واعتبر الشيات أن “هذا الموقف يُعد إيجابياً في مجمله ولا يندرج ضمن دائرة الخلاف بين البلدين”، غير أنه شدد على أن “التحولات الدولية الراهنة، خصوصاً في ظل القرار الأممي رقم 2797، تفرض ضرورة إعادة تكييف هذا الموقف بما يتلاءم مع المستجدات القانونية والسياسية على المستوى الدولي، وبما يواكب الدينامية التي تعرفها هذه القضية”.
وخلص الخبير في العلاقات الدولية إلى أن “نجاح اللجنة المغربية–المصرية في تحقيق أهدافها يظل رهيناً بمدى قدرتها على تحويل الإرادة السياسية المعلنة إلى إجراءات عملية ملموسة، سواء على مستوى تحقيق توازن اقتصادي أكبر، أو تعزيز التنسيق السياسي بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين في سياق إقليمي ودولي متغير”.
ويأتي انعقاد اللجنة والتوقيع على الاتفاقيات بعد أن أكدت المملكة المغربية وجمهورية مصر العربية، في الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة، على “حرصهما على الارتقاء بمسار التعاون الاقتصادي الثنائي في إطار شراكة شاملة”.
وشهد الاجتماع توقيع مجموعة من الاتفاقيات التي شملت مجالات حيوية، حيث تم تعزيز التعاون في الدبلوماسية عبر مذكرة تفاهم بين المعهد المغربي للتكوين والدراسات الدبلوماسية ومعهد الدراسات الدبلوماسية المصري، بهدف تكوين الدبلوماسيين الشباب وتبادل الخبرات في العلاقات الدولية والقانون الدولي. كما تم توقيع اتفاق في مجال الرياضة لتشجيع التعاون وتبادل التجارب العلمية والتشريعية بين البلدين.
وفي المجال العمراني، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في الإسكان والتنمية العمرانية، تهدف إلى تبادل الخبرات الإدارية والفنية والتعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة في هذا القطاع، وتنظيم زيارات للمشاريع المشتركة. أما في السياحة، فقد تم التوصل إلى اتفاق لتقوية التعاون في التنشيط والترويج السياحي، من خلال تبادل المعلومات والمواد الدعائية، وتسويق المنتج السياحي المشترك، إضافة إلى تبادل الخبرات في التعليم والتدريب الفندقي، وتشجيع الاستثمارات في القطاع السياحي.
كما تم توقيع بروتوكول للتعاون الصحي والدوائي، يركز على تطوير الخدمات الصحية والدوائية، وتدريب الكفاءات، ومتابعة التجارب المتعلقة بوقاية وعلاج الأمراض، بما فيها الأورام لدى الأطفال، وتسهيل التواصل بين المؤسسات الصحية والعلمية. وفي مجال الطاقة، تم الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة، وتبادل الخبرات الفنية والتدريبية، بما يساهم في دعم مشاريع الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر.
وعلى صعيد الصناعة والتنمية المستدامة، وقع البلدان بروتوكول تعاون صناعي لتوحيد الجهود وتطوير القطاع الصناعي، ومذكرة تفاهم لمكافحة التصحر وتعزيز حماية الموارد المائية والغابات والمراعي، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة. كما شملت الاتفاقيات مجالات الشباب والثقافة، حيث تم التركيز على بناء قدرات الشباب، وتبادل الخبرات في الثقافة والفنون والتراث، من خلال برامج ومشاريع مشتركة وتنظيم تظاهرات وملتقيات ثقافية وفنية.
وأخيراً، تم توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز العلاقات الاستثمارية الثنائية، تهدف إلى إنشاء مشاريع استثمارية مشتركة، وتبادل الوفود وزيارات رجال الأعمال، وتبادل الخبرات في ترويج الاستثمار، بما يعزز التدفقات الاقتصادية بين البلدين. وأكد رئيس الحكومة عزبز أخنوش على أن هذه الخطوة تمثل “إشارة قوية على الرغبة المشتركة في الدفع بالعلاقات الثنائية إلى الأمام، وتوسيع آفاق التعاون لتشمل مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية”، معتبراً أن الشراكة بين المغرب ومصر تمثل نموذجاً يحتذى به في المنطقة.