خبير: تضامن المغاربة خلال الفيضانات امتداد لمنظومة قيم تشكلت عبر تاريخ من مواجهة الأزمات
في مشاهد إنسانية لافتة، أعادت الفيضانات التي ضربت عددا من مناطق الغرب والشمال إبراز روح التضامن والتآزر داخل المجتمع المغربي، حيث عجّت مواقع التواصل الاجتماعي بدعوات و مبادرات لمواطنين وجمعيات مدنية لجمع المساعدات، إلى جانب دعوات متزايدة لتنظيم قوافل إغاثة لفائدة الأسر المتضررة و النازحة.
وعلى امتداد الأيام الأخيرة، بادر متطوعون وشباب من مختلف المدن إلى إطلاق حملات لجمع الأغطية، المواد الغذائية، الملابس، والأدوية، في وقت تحولت فيه بعض الفضاءات الخاصة إلى نقاط لتجميع التبرعات، وسط مطالب بتيسير وصول القوافل إلى المناطق المنكوبة وضمان تنسيق فعال مع السلطات المحلية.
و قد أعاد هذا الزخم التضامني الذي رافقته رسائل دعم ومواساة للمتضررين، النقاش حول الدور المجتمعي للمواطنين في أوقات الأزمات، وحدود المبادرات المدنية، وعلاقتها بمسؤولية الدولة في تدبير الكوارث الطبيعية والاستجابة الاجتماعية.
في هذا السياق، يرى أستاذ السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بجامعة محمد الخامس، عمر بنعياش، أن الحضور الواسع لروح التضامن خلال فيضانات القصر الكبير ومناطق أخرى من الشمال لا يمكن اعتباره سلوكا مفاجئا أو ظرفيا، بل هو امتداد لمنظومة قيم متجذرة داخل المجتمع المغربي، تشكّلت عبر تاريخ طويل من مواجهة الأوبئة والمجاعات والحروب والكوارث الطبيعية.
وأوضح المتحدث في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن هذا الرصيد الأخلاقي والاجتماعي، الذي راكمه المغاربة عبر الحقب، مكّنهم في كل مرة من الخروج من المحن موحدين ومتضامنين، وهو ما يفسر سرعة التعبئة المجتمعية كلما تعرض البلد لأزمة كبرى.
وأضاف بنعياش أن هذا الاستعداد الفطري للتآزر تعزّز في السنوات الأخيرة بعوامل جديدة، من بينها التحولات التي عرفها الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي أسهمت في تقوية وشائج التضامن ليس فقط على المستوى الداخلي “المغربي-المغربي”، بل أيضا على المستويات القارية والإقليمية والدولية.
واستحضر في هذا السياق محطات مفصلية، من جائحة “كورونا” إلى فترات الجفاف والزلازل، حيث لم تتحول الأزمات، حسب قوله، إلى مناسبة للتدافع السياسي أو تبادل الاتهامات، و إنما إلى لحظات وحدة وطنية وتعبئة جماعية.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن الكوارث الطبيعية التي يعرفها المغرب، بما فيها فيضانات سبو والشمال، ليست أحداثا معزولة أو غير مسبوقة، حيث تندرج ضمن سياق تاريخي وتجارب متراكمة، ما يفرض استخلاص الدروس بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية.
وفي قراءته لمآلات هذه الأزمات، شدد بنعياش على أن تدبير الكوارث لا ينبغي أن يظل حبيس المقاربات التقنية والهندسية فقط، بل يستوجب إشراك علماء الاجتماع وعلماء النفس إلى جانب المهندسين، من أجل العمل الميداني، وقياس منسوب الوعي المجتمعي، ورصد أشكال التضامن، وتوثيق هذه اللحظات الاستثنائية التي لا تتكرر بنفس الحدة كل عام، لما تحمله من دروس عميقة على مستوى السلوك الجماعي وبناء الثقة.
وأكد المتحدث أن مواجهة الكوارث تتطلب أولا العمل والتعبئة، لا الإغراق في الخطاب أو “كثرة الكلام”، معتبرا أن المحاسبة السياسية تبقى مشروعة وضرورية، لكنها تأتي في مرحلة لاحقة، بعد تجاوز الأزمة، عبر آليات ديمقراطية ومؤسساتية واضحة.
وخلص بنعياش بالتشديد على أن ما يميز المجتمع المغربي هو الاستعداد الدائم للتعلم من المحن، والاعتماد على الذات، وتعزيز التضامن والثقة في المجتمع والدولة، مع البقاء في حالة يقظة وتعبئة مستمرة أمام التحديات المقبلة.