خبيرة تعدد الحلول الممكنة لتحسين استدامة صناديق التقاعد في المغرب

قالت الخبيرة في السياسات الاجتماعية بثينة فلسي، إن المغرب يواجه تحديات تختلف عن تلك التي تعاني منها الدول الأوروبية في مجال أنظمة التقاعد، إذ أنه لم يصل بعد إلى مستوى الشيخوخة الديموغرافية الذي تشهده الدول الأوروبية، ولكنه يعاني من أزمة تقاعد مبكرة تؤثر بشكل كبير على استدامة النظام، مبرزة أن استمرار هذا الوضع دون إصلاح قد يؤدي إلى أزمة اجتماعية واقتصادية أوسع.
وفي سياق هذه التحديات، أشارت فلسي، خلال استضافتها في برنامج “حديث الثلاثاء”، الذي ينظمه مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، إلى أن أحد العوامل الرئيسية التي تفاقم الأزمة هو ضعف هيكلة سوق العمل، حيث يشغل القطاع غير المهيكل نسبة كبيرة من اليد العاملة التي لا يتم التصريح بها، وهو ما يترتب عليه حرمان صناديق التقاعد من اشتراكات ضرورية، مما يزيد من هشاشتها ويضعف الحماية الاجتماعية للعمال غير المهيكلين، ويعرضهم للفقر بعد التقاعد.
وأضافت الخبيرة المتخصصة في قضايا الحماية الاجتماعية، أن المغرب يعاني أيضًا من محدودية التمويل العمومي لأنظمة التقاعد مقارنة بدول أخرى تدعم هذه الأنظمة من ميزانياتها العامة، إذ أشارت إلى أن هذا النقص في التمويل يجعل الصناديق تعتمد بشكل أساسي على اشتراكات العمال وأرباب العمل، مما يزيد من هشاشتها، ويؤدي إلى تفاقم العجز المالي، خاصة مع تزايد أعداد المتقاعدين.
أما فيما يتعلق بالوضع المالي الحالي لصناديق التقاعد في المغرب، أوضحت فلسي أن النظام يتكون من عدة صناديق مخصصة للقطاعين العام والخاص، مما يؤدي إلى تفاوت في الحقوق والمكتسبات بين المستفيدين وعدم توازن بين الفئات، بحيث يتمتع بعض المتقاعدين بامتيازات أكثر من غيرهم، مضيفة أن بعض هذه الصناديق تواجه عجزًا ماليًا متزايدًا بسبب اختلال التوازن بين عدد المشتركين والمستفيدين وضعف التمويل.
كما أشارت المتحدثة إلى أن بعض صناديق التقاعد، خاصة نظام المعاشات المدنية، تعاني من اختلالات مالية كبيرة، تهدد قدرتها على الاستمرار في صرف المعاشات، إضافة إلى أن العجز المالي الذي تواجهه هذه الأنظمة يتفاقم مع مرور الوقت نتيجة لزيادة عدد المستفيدين مقارنة بعدد المساهمين، محذرة من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل قد يؤدي إلى عدم قدرة الصناديق على الوفاء بالتزاماتها.
وفي حديثها عن الإصلاحات الممكنة لأنظمة التقاعد، أكدت فلسي أن الإصلاحات الجزئية، مثل رفع سن التقاعد وزيادة نسبة الاشتراكات، قد توفر بعض السيولة المالية في المدى القصير، لكنها لا تعالج المشكلات الأساسية للنظام، مضيفة أن هذه الإصلاحات قد تواجه معارضة اجتماعية من النقابات والعمال، مما يجعل الحل الجذري يتطلب إعادة هيكلة شاملة للنظام.
وتابعت أن الإصلاحات الجذرية تحتاج إلى إعادة هيكلة النظام بأكمله، مشيرة إلى أن دمج بعض الأنظمة الحالية يمكن أن يساعد في تقليل التكاليف وتحسين كفاءة إدارة الصناديق، كما شددت على ضرورة تعزيز الرقابة لضمان الشفافية في إدارة الصناديق، مما سيسهم في الحد من العجز المالي وضمان استدامة المعاشات.
وأضافت أن إيجاد مصادر تمويل جديدة يعتبر أمرًا بالغ الأهمية، بحيث إن الاعتماد على اشتراكات العمال وأرباب العمل فقط يزيد من هشاشة النظام، داعية إلى ضرورة إدماج القطاع غير المهيكل في منظومة التقاعد لتعزيز مداخيل الصناديق، إذ اعتبرت أن نجاح هذه الإصلاحات يعتمد على رؤية استراتيجية واضحة.
وفي ختام حديثها، شددت فلسي على أن أي إصلاح لأنظمة التقاعد يجب أن يمر عبر الحوار الاجتماعي بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، موضحة أن بعض الإصلاحات قد تواجه رفضًا من النقابات أو العمال إذا مسّت حقوقهم، إلا أن إشراك جميع الفاعلين في النقاش يمكن أن يساهم في الوصول إلى حلول متوازنة تحافظ على استدامة الصناديق وتحمي حقوق العمال.
وفي هذا السياق، دعت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات زينب العدوي إلى ضرورة الإسراع بإصلاح منظومة التقاعد، التي سبق أن أصدر المجلس بخصوصها توصيات في سنة 2013 دعا فيها إلى الشروع في الإصلاح الهيكلي بعد إنجاز الإصلاح المقياسي.
وأضافت العدوي في جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان، شهر يناير الماضي، خصصت لتقديم عرض عن أعمال المجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024، أن تقرير المجلس المتعلق بالصندوق المغربي للتقاعد لسنة 2017 “أورد ضمن توصياته الأهداف الاستراتيجية التي يجب أن يتوخاها إصلاح هذا النظام والشروط الأساسية للحفاظ على استدامته”.
ولفتت في هذا الصدد إلى الوضعية التي يشهدها الصندوق المغربي للتقاعد “الذي سجل عجزا تقنيا بمبلغ 9,8 مليار درهم عند نهاية سنة 2023″، مبرزة أن هذا الأمر أدى إلى تراجع في الأرصدة الاحتياطية للصندوق التي بلغت 65,8 مليار درهم عند متم سنة 2023، “ومن المتوقع، حسب معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، أن تستنفذ في حدود سنة 2028”.
وأشارت إلى أن الحكومة أعلنت مؤخرا عزمها الشروع في الإصلاح المرتقب لأنظمة التقاعد خلال الشهر الحالي.
وكانت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، قد أكدت، في جلسة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب أواخر دجنبر الماضي، (أكدت) أن وقت مناقشة إصلاح نظام التقاعد قد حان، مبرزة أن “الجدولة الزمنية ستكون ابتداء من شهر يناير 2025، إذ ستقدم الحكومة عرضها الأولي لإصلاح صناديق التقاعد”.
غير أنه بعد مرور شهرين تقريبا على هذا التاريخ، لا زالت الحكومة لم تقدم هذا العرض، في وقت تطالب فيه نقابات عمالية الحكومة بالكشف عن تفاصيل إصلاح صناديق التقاعد، الذي يواجه بحسبها “غموضًا كبيرًا”، متهمة إياها بـ”طبخ رفع سن التقاعد إلى 65 سنة”.