story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

خبراء يعددون دلالات مشاركة المغرب في مؤتمر المعادن النادرة بواشنطن

ص ص

تأتي مشاركة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، في الاجتماع الوزاري للمعادن الحيوية الذي عقد في واشنطن يوم أمس الأربعاء 04 فبراير 2026، في سياق دولي يتسم بتصاعد حدة التنافس بين القوى الكبرى حول التحكم في سلاسل التوريد المرتبطة بالمواد الأولية الحيوية، خصوصا بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى.

وتكتسي هذه المعادن أهمية متزايدة في الصناعات المستقبلية، من قبيل الطاقات المتجددة، والسيارات الكهربائية، الصناعات الرقمية والدفاعية، ما جعلها تتحول إلى أداة نفوذ جيو-اقتصادي ورافعة أساسية في الصراع الدولي على النفوذ.

وفي هذا الإطار، تسعى واشنطن إلى بناء شبكة تحالفات جديدة مع دول تصنَّف كشركاء موثوقين، بهدف تقليص الاعتماد على الصين، التي تهيمن على جزء كبير من إنتاج ومعالجة هذه الموارد عالميا.

ويبرز المغرب ضمن هذا السياق كفاعل إقليمي يحظى باهتمام متزايد، بالنظر إلى موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، وتوفّره على موارد معدنية استراتيجية، فضلا عن شراكته المتقدمة مع الولايات المتحدة، ما يفسر حضوره في عدد من المبادرات ذات البعد الأطلسي والاقتصادي والأمني.

في هذا السياق، يرى محللون أن مشاركة بوريطة في هذا المؤتمر لا يمكن فصلها عن التموقع الاستراتيجي للمغرب داخل خريطة التحالفات الدولية، مؤكدين أن هذا الانخراط يرتبط برهانات التنمية الصناعية، وجذب الاستثمارات، بالإضافة إلى تعزيز موقع المملكة كمحور إقليمي في إعادة تشكيل خريطة التوريد الدولية، وهو ما يفتح النقاش حول دلالات هذا الانخراط، وحدوده، وانعكاساته المحتملة على علاقات المملكة مع قوى دولية أخرى.

تموقع مغربي واضح

في هذا الصدد اعتبر رئيس مركز دراسات آسيا الشرق، مصطفى كرين، أن مشاركة وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة في المؤتمر الأمريكي حول المعادن النادرة لا تمثل تحولا جديدا في السياسة الخارجية المغربية، بل تندرج ضمن خيار استراتيجي حسمه المغرب منذ مدة طويلة، يتمثل في الاصطفاف إلى جانب المعسكر الغربي، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضح كرين في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن ميزان الثقل داخل المعسكر الغربي لم يعد موزعا بين أوروبا والولايات المتحدة كما في السابق، بل بات يميل بشكل واضح لصالح واشنطن، معتبرا أن أوروبا نفسها أصبحت تدبّر، في جزء كبير من سياساتها، علاقة تبعية للولايات المتحدة، ولا توجد في موقع يسمح لها بلعب دور مستقل.

و شدد المتحدث على أن انخراط المغرب في هذا المسار يفسر مشاركته في عدد من المبادرات التي تقودها واشنطن، و التي تعد جزءا من عملية بناء تحالف أمريكي جديد في مواجهة المحور الروسي–الصيني، مؤكدا أن المغرب يُعد عنصرا فاعلا داخل هذا البناء الجيو-استراتيجي.

وربط كرين هذا التوجه أيضا بقرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، معتبرا إياه جزءا من المقاربة الاستراتيجية الأمريكية، وليس موقفا معزولا، مضيفا أن واشنطن، التي “لا تؤمن بالمجانية” ولا بالعدل، ولا بالقانون الدولي، تسعى اليوم إلى جني مقابل هذا الاعتراف من خلال إدماج المغرب في عدد من الترتيبات والتحالفات الدولية، من بينها ملف المعادن الاستراتيجية.

وأشار في السياق ذاته إلى أن مشاركة بوريطة في التوقيع على ما يُعرف بـ“مجلس السلام”، الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدخل هي الأخرى في إطار هذا الاصطفاف، موضحا أن هذه القضايا تدار باعتبارها ملفات دبلوماسية استراتيجية تندرج ضمن اختصاص وزارة الخارجية، وليس في إطار العمل الحكومي اليومي.

وبخصوص تأثير هذا التوجه على علاقات المغرب مع الصين وروسيا، أكد كرين أن ذلك “أمر لا يمكن إنكاره، وإن كان لن يترجم إلى ردود فعل فورية أو حادة”، مشيرا إلى أن الموقف المغربي سيؤخذ بعين الاعتبار مستقبلا في حسابات واستراتيجيات بكين وموسكو على مستوى السياسة الخارجية.

وخلص المتحدث بالتأكيد على أن “الحياد لم يعد خيارا واقعيا في السياق الدولي الحالي، حيث بات الاصطفاف بين المعسكرين أمرا مفروضا بحكم التحولات الجيوسياسية العالمية”.

معادن تصنع النفوذ

من جهته أكد المحلل الاقتصادي رشيد ساري أن المغرب يتوفر على نحو 70 معدنا يُصنّف ضمن المعادن الاستراتيجية أو الحرجة، مشيرا إلى أن من بين أبرزها، إلى جانب الفوسفاط، كل من الكوبالت، الليثيوم، النحاس والزنك، وهي معادن باتت تحظى بطلب عالمي متزايد بالنظر إلى استعمالاتها الحيوية في الصناعات الحديثة.

وأوضح ساري أن هذه المعادن تدخل بشكل أساسي في صناعة البطاريات الكهربائية، الرقائق الإلكترونية، الحواسيب والهواتف الذكية، ما يمنحها وزنا استراتيجيا في التحولات الصناعية والتكنولوجية الجارية عالميا.

وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أن المغرب راكم تجربة مهمة في هذا المجال، خاصة من خلال إنتاج بطاريات كهربائية مستخلصة من الفوسفاط، معتبرا أن هذا القطاع يساهم حاليا بنحو 10 في المئة من الناتج الداخلي الخام، ويوفر حوالي 40 ألف منصب شغل، مع آفاق واعدة لرفع عدد فرص الشغل إلى أكثر من 120 ألف منصب، ورفع مساهمته في الناتج الداخلي الخام إلى ما بين 15 و20 في المئة.

وأشار ساري إلى أن انخراط المغرب في شراكات واستثمارات دولية، خصوصا في مجال البطاريات الكهربائية، شمل دولا متعددة من بينها الصين، مؤكدا أن المملكة لا تسير في اتجاه الاكتفاء بدور المصدّر للمواد الخام، بل تتجه نحو التموقع كبلد منتج وفاعل صناعي داخل سلاسل القيمة.

وأضاف أن هذا التوجه يستند إلى بنية تحتية صناعية متقدمة، واستثمارات كبرى راكمها المغرب، خاصة عبر المكتب الشريف للفوسفاط، فضلا عن ولوجه مجال الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتوفره على مختبرات بحثية وكفاءات تقنية متخصصة.

وتوقف ساري عند معدن الكوبالت باعتباره عنصرا محوريا، مبرزا أن المغرب يحتل المرتبة السابعة عالميا في إنتاجه، وأن الكوبالت المغربي يتميز بجودته العالية وتكلفته المنخفضة نسبيا، ما يجعله عنصرا تنافسيا في صناعة البطاريات الكهربائية.

وفي ما يخص الاستثمارات، أشار المتحدث إلى أن المغرب يشتغل وفق استراتيجية صناعية واضحة، متوقعا أن تتراوح الاستثمارات في هذا المجال أكثر من 4 مليار دولار في أفق قريب، وهي، بحسب تعبيره، توقعات واقعية وليست متفائلة بشكل مفرط.

وعزا ساري قدرة المغرب على لعب دور محوري في هذا القطاع إلى ثلاثة عوامل أساسية، تتمثل في توفره على الموارد المعدنية الحرجة، وتنويع شركائه الاستثماريين بين آسيا وأمريكا وأوروبا وإفريقيا، إضافة إلى بنية تحتية لوجستية ومينائية متطورة.

وفي هذا الإطار، شدد على أهمية الموانئ الاستراتيجية، مثل طنجة المتوسط، ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي الذي بلغت نسبة إنجازه حوالي 50 في المئة، معتبرا أنها ستشكل نقاط ارتكاز رئيسية في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، خاصة بعد الدروس التي كشفتها جائحة كورونا بشأن مخاطر الاعتماد المفرط على الصين.

وختم المحلل الاقتصادي بالتأكيد على أن المغرب يمتلك كل المقومات التي تخوله الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل الأساسي في السوق العالمية للمعادن الحرجة والصناعات المرتبطة بها.