story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

حين يتذكّر الحزب أنه حزب

ص ص

وظيفة الأحزاب السياسية ليست أن تتنافس في الانتخابات فقط. لو كانت المسألة كذلك، لأمكن الاستغناء عن الجزء الأكبر مما نسميه حياة سياسية، والاكتفاء بآلات انتخابية تعرف كيف تجمع المرشحين، وتوزع التزكيات، وتحسب الأصوات، وتقتنص المقاعد.

الحزب، في الأصل هو فكرة عن المجتمع قبل أن يكون لائحة مرشحين، وحسم بين اختيارات ممكنة قبل أن يكون بحثا عن المرتبة الأولى، ونظرة إلى الدولة والاقتصاد والضريبة والمدرسة والمستشفى والحريات قبل أن يكون طموحا إلى دخول الحكومة.

استحضرت هذه البديهية وأنا أقلب الصفحات الـ226 التي وضع فيها حزب التقدم والاشتراكية برنامجه للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، تحت شعار اختار له بالدارجة المغربية عبارة “نزعمو كاملين”.

سبق أن كتبت منتقدا ما اعتبرته تحولا مسّ حزبا له تاريخ وفكرة وهوية، حين بدا لي في مراحل سابقة أن طول الإقامة في السلطة جعل المسافة تضيق بين ما يقوله التقدم والاشتراكية عن نفسه وما يمارسه عندما يكون جزءا من الأغلبية.

كما أن بقاء أمينه العام محمد نبيل بنعبد الله كل هذه السنوات على رأسه لا يمكن اعتباره أفضل إعلان عن تجديد النخب الذي تحتاج إليه الأحزاب المغربية. لكن الإنصاف يقتضي، للسبب نفسه، أن نقول إن الوثيقة التي يقدمها الحزب اليوم تستحق أن تُقرأ.

الجميل في برنامج حزب التقدم والاشتراكية أنه يجيب عن سؤال “ما العمل” من موقع يساري واضح، ويقول إن الدولة ينبغي أن تنفق أكثر على المستشفى والمدرسة والشغل والحماية الاجتماعية، وإن تمويل ذلك ينبغي أن يمر، عبر جباية أكثر تصاعدية، وتضييق مساحات الريع والاحتكار والامتيازات غير المنتجة، وإسهام أكبر لأصحاب الدخول والثروات الكبرى.

وحين جرى، خلال تقديم البرنامج، عرض مقترح إلزام المقاولات بإشراك الأجراء في جزء من أرباحها، لم أجد أفضل من أن أمازح محمد نبيل بنعبد الله قائلا: هل تريدون إحياء الشيوعية؟

والواقع أن في المزحة شيئا من الحقيقة السياسية المفيدة. ليس لأن الحزب عاد شيوعيا، أو لأن تقاسم الأرباح اختراع ماركسي، بل لأنك حين تقرأ برنامجا انتخابيا ينبغي أن تستطيع، دون رؤية شعاره أو اسم صاحبه، أن تخمن من أي عائلة سياسية جاء. وهذه ميزة أصبحت نادرة.

الحزب يقترح مثلا رفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل إلى 60 ألف درهم سنويا، مع إحداث معدل هامشي يبلغ 40 في المائة للدخول التي تتجاوز 500 ألف درهم سنويا، وإقرار خصومات ضريبية مرتبطة بنفقات الصحة والتمدرس. ويقترح ضريبة على بعض أشكال الثروة غير المنتجة، وتضريبا أكبر لوضعيات الريع والهيمنة والاحتكار (المحروقات والاتصالات)، وضرائب أعلى على منتجات وأنشطة يعتبرها ضارة صحيا أو اجتماعيا.

يمكن مناقشة كل ذلك وقبوله أو الاعتراض عليه. وقد يقول ليبرالي إن الحزب يثقل كاهل رأس المال، وقد يحذر اقتصادي من أثر رفع المعدلات الهامشية في السلوك الضريبي والاستثمار، وقد يسأل آخر عن القدرة الحقيقية للإدارة على استخلاص كل هذه الموارد. لكنك، على الأقل، أمام اختيار سياسي.

يقول التقدم والاشتراكية إن كلفة برنامجه الإضافية تبلغ نحو 575 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي حوالى 115 مليارا كل عام. لكنه يقدم في نهاية الوثيقة جداول سنوية، قطاعا بقطاع، للمبالغ التي يريد إنفاقها: 47 مليارا إضافية للصحة، و117 مليارا للتعليم والمعرفة، و124.5 مليارا للتضامن والشغل، إلى جانب الصناعة والماء والطاقة والثقافة والرقمنة وغيرها. ثم يضع أمام هذه النفقات 622 مليار درهم من الموارد الإضافية التي يقول إنه قادر على تعبئتها خلال الولاية.

وهنا نجد الفرق مع ما ناقشناه أمس في برنامج حزب الأصالة والمعاصرة القادم من الحكومة، والمعزّز بوزير الميزانية. البام وضع كلفة إضافية في حدود 350 مليار درهم، ثم جعل 300 مليار منها رهينة بما سماه الأثر الإضافي الناتج عن النمو، دون أن تمنحنا الوثيقة المقدمة للصحافة النموذج الحسابي الذي يفسر كيف سيتحول ذلك النمو إلى هذا المبلغ. واضطر فوزي لقجع، في لقاء لاحق، إلى القول إنه يستطيع شرح التفاصيل والحسابات التي تقف وراء الرقم. أي إن البرنامج احتاج، منذ لحظة تقديمه، إلى نوع من الاستدراك الشفهي.

برنامج التقدم والاشتراكية، في المقابل، يعطينا لائحة مصادر الموارد الجديدة، وهي أساسا 30 مليار درهم من تقليص النفقات الجبائية، ونحو 19.6 مليارا من مكافحة الغش والتهرب، وحوالى 28.8 مليارا من تضريب الريع والاحتكار، و22.4 مليارا من الثروة غير المنتجة، وأكثر من 22 مليارا من ضرائب الأنشطة والمنتجات الضارة، ونحو 172 مليارا من التطور المفترض لمداخيل الضريبة على الشركات والدخل، إلى جانب ترشيد النفقات…

لا يعني ذلك أن حسابات “الرفاق” صحيحة كليا، فالبرنامج نفسه يضع 300 مليار درهم أخرى تحت عنوان “المرونة الجبائية للاقتصاد”، موزعة تصاعديا من 40 مليارا في 2027 إلى 80 مليارا في 2031. وهذا رقم ينبغي أن نخضعه للمشرط نفسه الذي استعملناه مع 300 مليار التي أحالها البام على النمو. ولابد من مساءلة اقتصاديي “الكتاب” ما المقصود بالمرونة الجبائية تحديدا؟ وهل هذه الموارد مستقلة بالكامل عن الزيادة المحسوبة في الضريبة على الدخل والشركات وعن توسيع الوعاء ومحاربة التهرب، أم أن هناك احتمالا لتداخل بعض الحسابات؟

لكن الفرق هنا أن الحزب أعطانا الحساب الذي يريد الدفاع عنه، وبالتالي أصبح في إمكاننا أن نفحصه وننقضه ونصححه. وهذه، في حد ذاتها، وظيفة البرنامج الانتخابي.

غير أن أهم ما وجدته في وثيقة التقدم والاشتراكية ليس في الجداول ولا في الضرائب. إنه السياسة.

فلسبب لا أفهمه، صار ممكنا خلال السنوات الأخيرة أن تقدم الأحزاب برامج تتحدث عن الاستثمار والنمو والماء والصحة والتعليم والسياحة، ثم تمر سرعة البرق أمام الديمقراطية والحقوق والحريات، وكأنها شأن جمعوي ملحق بالسياسة العامة، لا جزء من تعريف الدولة التي نريدها.

يخصص برنامج التقدم والاشتراكية محورا كاملا لما يسميه “نفَسا ديمقراطيا جديدا”، ويتحدث صراحة عن توسيع فضاء الحريات العامة والفردية، وتفعيل المؤسسات الدستورية، وإصلاح منظومة العدالة والسياسة الجنائية، وتعزيز الحق في الحصول على المعلومات، ومراجعة قوانين الأحزاب والانتخابات، وتخليق الحياة العامة ومكافحة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع… ويذهب إلى حد المطالبة بالعمل على تسوية ملفات معتقلي الحراك والصحافيين والمؤثرين وشباب “جيل Z” الموجودين رهن الاعتقال.

قد نتفق مع بعض هذه المواقف أو نختلف مع بعضها؛ لكن مجرد عودة الحرية والديمقراطية إلى متن البرنامج السياسي، مسألة تستحق الانتباه، لأن هذا كان، في تقديري، أحد أكبر الغائبين عن تجربة الحكومة الحالية.

يمكن أن نختلف حول الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، ويمكن للحكومة الحالية أن تسوق ما تعتبره منجزات في الحماية الاجتماعية والاستثمار والبنيات التحتية، لكن يصعب الادعاء بأن ولاية 2021-2026 حملت معها نفسا جديدا في الحقوق والحريات أو إعادة اعتبار كبرى للسياسة ولمؤسسات الوساطة.

بل إن جزءا من أزمة هذه الولاية كان في انكماش المساحة السياسية نفسها أمام تضخم التدبير التقنوقراطي.

وهنا تكمن قيمة برنامج حزب مثل التقدم والاشتراكية الذي لا أعتقد أنه، هو نفسه، يصدّق أنه سيقود الحكومة المقبلة وسيفرض تطبيق برنامج كله، لكنه حاول استعادة فكرة الحزب.

والمقصود هنا ليس تلك الهيئة ذات الشخصية القانونية والتنظيم والمقرات… بل الحزب الذي لديه موقف من توزيع الثروة ومن الضريبة ومن الدولة ومن القطاع الخاص ومن العامل ومن صاحب المقاولة، ولديه موقف من حرية التعبير والعدالة والفساد وتضارب المصالح.

فكرة الحزب الذي لا يخجل من هويته، حتى لو جعلته هذه الهوية يقول أشياء قد تخيف جزءا من الناخبين بدل أن ترضيهم جميعا (منع التدخين في الأماكن العامة مثلا).

لا أعرف ما إن كان التقدم والاشتراكية سيحصل يوم 23 شتنبر على عدد الأصوات الذي يتناسب مع الجهد المبذول في هذه الوثيقة، فالانتخابات المغربية علمتنا أن جودة البرنامج ليست دائما المتغير الأكثر حسما في صناعة المقاعد.

لكن السياسة لا تقاس بالمقاعد وحدها. ومن المفيد أن يظهر بين القوم حزب يقول: هذه فكرتنا عن المغرب، وهذا ما نريد أن نغيره، وهذه كلفته، وهؤلاء الذين نريد أن يدفعوا أكثر، وهؤلاء الذين نريد أن نحميهم أكثر. وربما لهذا اختاروا أن يقولوا”نزعمو كاملين”.

أما نحن، فليس مطلوبا منا أن “نزعم” معهم بالضرورة، ولا أن نصفق لهم. المطلوب فقط أن نطالب جميع الأحزاب بأن تزعم مثلهم أولا: أن تكون أحزابا.