story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

جيل يريد التغيير والتعبير خارج الأطر الكلاسيكية

ص ص

تابعت، مثل كثيرين، ما وقع مؤخرا في عدد من الثانويات الفرنسية، حيث احتج التلاميذ على ظروف الدراسة، من الاكتظاظ ونقص المدرسين إلى طول الجداول وحالة بعض البنايات والتجهيزات وحرارة الأقسام. وسرعان ما خرج الموضوع من أسوار المدرسة ليدخل النقاش السياسي والإعلامي الفرنسي.

وأنا أتابع هذه الأحداث، وجدت أن هناك فكرة تتكرر كثيرا كلما تحرك الشباب بطريقة غير مألوفة: مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب.

قيل ذلك بعد ما وقع في سبتة، حين انتشرت عبر الأنترنت دعوات دفعت شبابا وقاصرين إلى محاولة العبور. وقيل مع GenZ 212، الذي استطاع أن يحشد حول مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم والشغل ومحاربة الفساد والعدالة في الفرص. والنقاش نفسه نراه اليوم في فرنسا، مع احتجاجات تلاميذ الثانويات على الاكتظاظ ونقص المدرسين وظروف الدراسة.

طبعا، نحن أمام ثلاث وقائع مختلفة تماما. محاولة العبور ليست احتجاجا اجتماعيا، وGenZ 212 ليس حركة تلاميذية، وما يحدث في فرنسا له سياقه السياسي والاجتماعي الخاص.

لكن هناك شيئا مشتركا يستحق الانتباه: جيل يريد أن يعبر، ويحتج، ويطالب بالتغيير، لكنه لم يعد ينتظر دائما الأطر التقليدية لكي يقوم بذلك.

وهنا، في اعتقادي، توجد الإشكالية:

طوال عقود، كان الانتقال من الاستياء الفردي إلى الفعل الجماعي يمر، في الغالب، عبر الوسائط الكلاسيكية: حزب، نقابة، جمعية، أو تنظيم طلابي.

اليوم تغير الأمر.

يمكن لفكرة أن تبدأ عند مجموعة صغيرة على تيك توك أو ديسكورد أو واتساب، وبعد ساعات يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام الرسالة نفسها. لا بطاقة انخراط، ولا مقر، ولا قيادة بالمعنى التقليدي.

يكفي، أحيانا، أن يجد الشاب في الرسالة المتداولة شيئا يشبه ما يعيشه، شيئا يلامس واقعه.

لهذا أعتقد أن اختزال الظاهرة في مواقع التواصل الإجتماعي يخطئ في تشخيصها. فهذه المنصات لم تصنع الواقع والشعور لدى الشباب بل فقط وفرت لهم مساحة كافية للتعبير بحرية وبدون قيود.

الشاب الذي لا يجد عملا لم يصبح عاطلا بسبب تيك توك. ومن ينتقد وضع المدرسة أو المستشفى لم يكتشف مشاكله عبر ديسكورد. ومن يشعر بأن فرص التقدم أمامه محدودة لم يصنع واتساب لديه هذا الإحساس.

الجديد أن كل واحد من هؤلاء أصبح قادرا على اكتشاف أن هناك مئات أو آلاف الأشخاص الذين يعيشون الوضع نفسه. فهذا الجيل يعيش في مقارنة دائمة.

الشاب في سيدي مومن، مثلا، يرى يوميا المدارس والجامعات ووسائل النقل وفرص العمل وأنماط الحياة في مجتمعات أخرى عبر نافذة مواقع التواصل الاجتماعي. وقد تكون الصورة التي تصله أحيانا ناقصة أو منتقاة، لكنها رفعت مجال المقارنة من الدرب والحي والمدينة التي ينتمي اليها إلى العالم كله.

وهذا يغير الانتظارات، ويغير أيضا العلاقة بالسياسة.

لذلك لا أقتنع كثيرا بالقول إن الشباب لم يعد يهتم بالسياسة.

هذا الجيل ليس بغير السياسي. هو سياسي خارج الأطر التقليدية.

عندما يتحدث عن المدرسة والصحة والشغل وغلاء المعيشة وتكافؤ الفرص، فهو يتحدث عن السياسة حتى لو لم يدخل مقرا حزبيا في حياته.

وهنا يظهر، بالنسبة إلي، السؤال الأهم.

بدل أن تسأل الأحزاب والنقابات والجمعيات والمؤسسات: لماذا يذهب الشباب إلى تيك توك وديسكورد وواتساب ولا يأتي إليها؟

لماذا أصبح شاب يثق في مجموعة تشكلت قبل أيام على الإنترنت أكثر من ثقته في إطار موجود منذ عشرات السنين؟

ولماذا يستطيع شخص مجهول أن يدعو إلى تحرك فيستجيب له الآلاف، بينما تجد مؤسسات يفترض أن وظيفتها التأطير والتمثيل صعوبة في الوصول إلى الفئات نفسها؟

لا أعتقد أن الجواب هو أن الأحزاب والنقابات والجمعيات انتهت صلاحيتها. بالعكس، الحاجة إليها قائمة وربما أصبحت أكبر. لكن عليها أن تستعيد قدرتها على الاستماع والتأطير، والأهم أن تجعل الشاب يشعر بأن المشاركة من داخلها يمكن أن تنتج أثرا.

لهذا أعتقد أن النقاش حول الشباب يحتاج إلى أن ينتقل من سؤال: كيف يستعملون الأنترنت؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: لماذا أصبح الأنترنت بالنسبة إلى جزء منهم أكثر قدرة على احتضان غضبهم ومطالبهم من المؤسسات التي أنشئت أصلا لتمثيلهم؟

ربما هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نقرأها.

لسنا أمام جيل لا يريد السياسة، ولا أمام جيل لا يريد المشاركة.

نحن أمام جزء من جيل يريد التغيير، ويريد أن يسمع صوته، لكنه يبحث عن طرق أخرى عندما لا يقتنع بالطرق الموجودة.

والتحدي ليس أن نعيده بالقوة إلى الأطر الكلاسيكية، بل أن نجعل هذه الأطر نفسها تستحق أن يعود إليها. يجي على هذه التنظيمات أن تؤمن هذا الجيل له خصوصياته وأن تتأقلم معها عوض التصدي لها.

لأن السؤال في النهاية ليس لماذا وجد الشباب طريقهم إلى المنصات، بل لماذا لم يجد جزء منهم طريقه إلى المؤسسات.

  • المهدي الزوات
    محام وفاعل سياسي