story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

جمهور جديد.. كأس إفريقيا للأمم 2025 تغير ملامح المدرجات

ص ص
نقاش الحضور الجماهيري فرض نفسه بقوة في الأيام الأولى لانطلاق منافسات كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم المغرب 2025، فبين من أشاد بشغف المغاربة بكرة القدم من خلال ملئهم لمدرجات بعض الملاعب التي كانت تحتضن مباريات ليس فيها منتخبهم الوطني طرفا، وبين من استغل غياب الجمهور عن بعض المباريات ليحاول إلصاق الفشل الجماهيري بالدورة ككل، برز أيضا نقاش بين المغاربة أنفسهم حول نوعية الجمهور الذي أصبح يحتكر مقاعد المدرجات في مباريات الفريق الوطني.
وقد بلغ مستوى التجاذب فيه حد وصف الوافدين الجدد بجمهور “السياحة والصور” من طرف رواد الملاعب المعتادين ومشجعي الأندية المتعصبين، متهمين إياهم بعدم القدرة على تحفيز العناصر الوطنية أثناء التباري، وبين من يرى أن هذا الصنف الطارئ من الجمهور هو ظاهرة عالمية أنتجها تحول ملاعب كرة القدم إلى فضاء للترفيه يمكنه أن يستقطب جميع شرائح المجتمع بمن فيهم من لا تستهويهم كرة القدم أصلا، وأن هؤلاء من حقهم أن يختاروا الطريقة التي يشاهدون بها المباريات ما داموا يؤدون ثمن تذاكرهم من مالهم الخاص.
هذا التباين في الرأي يطرح أسئلة كبيرة حول طبيعة الجماهير المغربية، ومستوى التزامها داخل الملاعب، وما إذا كانت المقارنات التي تُطرح على وسائل التواصل الاجتماعي تقييما موضوعيا أم مجرد جدل عابر أو غير منصف.
 
قراءة سوسيولوجية
يذهب الباحث المغربي عبد الكريم بورقية أستاذ علم اجتماع الرياضة والإعلام في تفسير هذا الخلاف حول دور الجمهور في مدرجات ملاعب كرة القدم، إلى أن “كل فرد يعبر انطلاقًا مما يحمله داخله، ومن الطريقة التي يدرك بها الآخرين”، تظهر ديناميات الحضور في الملاعب باعتبارها انعكاسا للثنائية الاجتماعية بين “نحن” و”هم”، وبين من حضر ومن لم يُتح له ذلك.
هذه الثنائية، وفقا لبورقية، تخلق أحيانا شعورا بالاستياء أو المقارنة بين الحضور والغياب، وتؤثر على التماسك الاجتماعي داخل جماهير كرة القدم.
ويضيف بورقية أن “كل إناء بما فيه ينضح”، في إشارة إلى أن القراءات النقدية للأجواء تختلف بحسب الثقافة الفردية، والحمولة الثقافية، والرأسمال الاقتصادي والاجتماعي، والجذور الإيديولوجية، إضافة إلى الدوافع الداخلية التي يجد بعض الأفراد صعوبة في احتوائها إلا من خلال منصات التواصل الاجتماعي. وبهذا المعنى، تصبح هذه المنصات فضاءً يعكس واقعًا متعدد الطبقات من التوقعات والانطباعات الفردية.
 
جمهور مختلف
يُظهر تتبّع الحضور الجماهيري خلال مباريات كأس الأمم الإفريقية أن تركيبة الجمهور تختلف بشكل واضح عن تلك التي تميز مباريات البطولة الوطنية. فالملعب، في مثل هذه المناسبات الكبرى، لا يصبح فقط مجرد فضاء رياضي اعتيادي، بل يتحول مؤقتا إلى ساحة احتفالية ذات حمولة رمزية وطنية قوية، تستقطب فئات اجتماعية أوسع.
ويشمل ذلك العائلات، والمشجعين غير المنتظمين في ارتياد الملاعب، والسياح، إضافة إلى فئات تحضر بدافع الانتماء والاحتفال بالحدث أكثر من ارتباطها اليومي بثقافة التشجيع.
هذا التحول في طبيعة الجمهور ينعكس بشكل مباشر على أنماط التفاعل داخل المدرجات. فبدل الأهازيج المنظمة والإيقاعات الجماعية المتواصلة التي تميز جمهور الأندية ومجموعات الألتراس، تطغى أشكال أكثر عفوية من التعبير، مثل التصفيق المتقطع، وردود الفعل الفردية المرتبطة بلحظات اللعب. وهو اختلاف لا يعكس بالضرورة فتورا في الحماس، بقدر ما يعبر عن تنوع في طرق التفاعل مع كرة القدم، واختلاف في تمثلات الجمهور لوظيفة الحضور داخل الملعب خلال حدث استثنائي من هذا الحجم.
 
“المؤثرون” في المدرجات
شهدت مجريات كأس إفريقيا للأمم التي احتضنتها ملاعب المملكة في الفترة ما بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، تحولا هيكليا في هوية المشجع. حيث انتقلت المدرجات من فضاء للإنخراط الجماعي في دعم وتشجيع الفريق الوطني، إلى منصة للاستهلاك البصري، وباتت تقاس تجربة الحضور في الملعب بعدد الصور والفيديوهات المنشورة وعدد المشاهدات، أكثر من تأثيرها على ما يجري فوق أرضية الملعب.
ويضاف إلى ذلك رغبة واضحة لدى كثير من الحاضرين في الحصول على شهرة رقمية وزيادة حضورهم على الشبكات الاجتماعية. إذ بالنسبة لجزء كبير منهم، الهدف الأساسي هو إنتاج المحتوى الذي سيجمع الإعجابات ويولد التفاعل على صفحات وسائل التواصل الإجتماعي.
يقول الباحث عبد الكريم برقية: “الأمر أشبه بعرض للذات أكثر من دعم حقيقي للفريق؛ هذا هو الشعار الضمني لما يعرف بالمؤثرين. حضورهم في الملعب لا يهدف لدعم الفريق أو التأثير على سير المباراة، بل للتباهي وبناء صورة رقمية قابلة للاستهلاك بسهولة على المنصات”.
في هذا السياق، يصبح الملعب مجرد ديكور للتمثيل الذاتي، حيث تتفوق الهوية الفردية على الانتماء الجماعي، ويصبح التشجيع محتوى بصريا عابرا يخدم منطق الشهرة والمتابعة أكثر من نتيجة المباراة أو المعنى العميق للدعم.
 
جمهور تقليدي مُهمّش
تشير تقارير إعلامية وشهادات للمشجعين التقليديين للأندية المغربية إلى شعور الجماهير الدائمة بالتهميش خلال مباريات كأس أمم إفريقيا للأمم.
هؤلاء المعتادون على إشعال المدرجات بالهتافات و”التيفوهات”والأغاني المعبرة عن العاطفة تجاه أنديتهم، والتي عادة ما تشكل عنصرا أساسيا في تحفيز لاعبيها والضغط على الفريق المنافس، شعروا أنهم فقدوا أهميتهم في الوجود داخل الملاعب الجديدة في المغرب خصوصا التي تحتضن مباريات الفريق الوطني.
تزامن هذا الأمر مع الشكاوى حول طرق بيع التذاكر الجديدة، خصوصًا اعتماد الاتحاد الإفريقي للحجز الإلكتروني وبطاقة المشجع، أضاف عراقيل أمام الجمهور التقليدي المعتاد الحضور قبل الحصول على تذاكره، وواجه تجربة جديدة صعبة الاستيعاب. وأسهمت عمليات إعادة البيع والمضاربة في السوق السوداء في تفاقم الوضع، مما قلل من قدرة كثيرين على حضور أبرز مباريات “الكان”.
 
الملعب كفضاء للترفيه
في خضم هذا الجدل المتكرر حول “الجمهور الحقيقي” وشرعية أنماط التشجيع المختلفة، يبرز سؤال جوهري يتعلق بوظيفة الملعب نفسه وحدود من يحق له الولوج إليه. فالملعب، في جوهره، ليس حكرا على الفئات الأكثر شغفا أو انخراطا في ثقافة كرة القدم، بل هو مرفق عمومي للترفيه، وفضاء اجتماعي مفتوح يتيح للأفراد، باختلاف اهتماماتهم ومستويات ارتباطهم باللعبة، فرصة الخروج من رتابة الأسبوع وضغوط الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال المشجع في صورة واحدة نمطية، لأن كرة القدم، كما يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، ليست مجرد ممارسة رياضية، بل “فضاء تتقاطع فيه أنماط الاستهلاك الثقافي، وتُعاد فيه إنتاج الفوارق الاجتماعية بقدر ما تُعلَّق مؤقتًا”.
انطلاقًا من هذا المنظور، يصبح حضور العائلات، والمشجعين غير المنتظمين، أو حتى أولئك الذين لا تربطهم بالكرة سوى علاقة مناسباتية، حقًا مشروعًا لا يقل قيمة عن حضور المشجعين المتحمسين. بل إن هذا التنوع يعكس تحول الملاعب إلى فضاءات للراحة النفسية، والتنفيس الجماعي، وبناء روابط اجتماعية عابرة، وهو اتجاه عالمي تشهده كبريات التظاهرات الرياضية، حيث لم تعد كرة القدم حكرًا على “المؤمنين” بها فقط، بل باتت تجربة ترفيهية وثقافية مفتوحة أمام الجميع.