story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ثمن الانحياز

ص ص

ها قد بدأنا ندفع فاتورة الهجوم المتهوّر والمفتقد لأي أساس من الشرعية والقانون الدوليين، من جانب ترامب ونتانياهو على إيران، من جيوبنا لصالح شركات المحروقات التي ثبت للجميع، ورسميا، جشعها وافتقادها لأي حس وطني أو رحمة، ومخالفتها للقوانين والضوابط التي تلزمها بتوفير احتياطيات تغطي ستين يوما من حاجياتنا الداخلية.

لكنّه لن يكون الدرس الوحيد الذي ستعلّمنا إياه هذه الحرب، بل هناك الكثير مما سنقرأه بالعين المجرة في الأيام والأسابيع المقبلة، منها أن هؤلاء “الحلفاء” الذين يقدّمهم البعض كطوق نجاة وعصا سحرية لمشاكلنا الوجودية بما فيها مشكلة الوحدة الترابية، زجّوا بنا في موجة غلاء واستنزاف لاحتياطياتنا من العملة الصعبة، بينما ستمتلئ خزائن خصمنا الإقليمي الأساسي، الجزائر، بالبترودولار.

الوقائع، كما تتكشف الآن ببطء ومن مصادر لا يمكن اتهامها بالتعاطف مع طهران، تقول إن الحرب انحرفت عن هذا مسار الضربة الحاسمة منذ أيامها الأولى، وإن من أشعلوها على أمل أن تكون نسخة أخرى من ضربة خاطفة على شاكلة ما جرى في فنزويلا، وجدوا أنفسهم في حرب مختلفة، حرب أغلى، وأطول، وأكثر التباسا، وأشد مقاومة لمنطق الحسم النظيف.

وما يُقلق أكثر ليس ذلك الانزياح الذي بدا في بعض وجوه الموقف المغربي، بل أيضا هذا الجهد الدعائي الفجّ الرامي إلى تحويل السياسة الخارجية إلى عقيدة مقدّسة، وإلى فرض تقدير واحد على الجميع، وتجريم كل قراءة مختلفة، وكأن مناقشة خيارات الدولة باتت عجزا في الوطنية، لا ممارسة طبيعية لحق وواجب.

من أخطر ما يمكن أن نخرج به من هذه الحرب هو وهم وضع كل بيض المصالح المغربية في السلة الأميركية الإسرائيلية. لقد كانت إحدى الخصائص الإيجابية البارزة للدبلوماسية المغربية، عبر مراحل مختلفة، حرصها على التوازن، وعلى تجنب الانحباس داخل محور واحد، وعلى إبقاء مسافة تتيح هامش المناورة في عالم متقلب.

لم يكن هذا ترفا، خاصة في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، بل كان جزءا من الذكاء الاستراتيجي لدولة تعرف أنها ليست قوة عظمى، وأن ما يحمي مصالحها في النهاية ليس الانفعال ولا الحماسة، بل القدرة على التحرك بين التناقضات دون ذوبان كامل في أحدها.

لا أقول هذا من باب المثالية، ولا من باب الجهل بأن للمغرب مصالح عليا، وفي مقدمتها قضيته الترابية، وأنه يتحرك في شبكة من الضغوط والرهانات والتحالفات المعقدة. لكن منطق المصالح نفسه هو ما يفرض علينا ألا نتصرف كما لو أن الحليف الأميركي-الإسرائيلي يملك وحده مفاتيح القوة والحماية والغلبة. هذه أسطورة ينبغي أن نبدأ مراجعتها من الآن.

وإذا كان بعضنا لم يقرأ جيدا الدرس الأوكراني، فها هو الدرس الخليجي ماثل أمامنا، قاسيا وواضحا. لقد أنفقت دول الخليج ما أنفقت، وذهبت بعيدا في التطبيع، وراكمت ما راكمت من علاقات السلاح والأمن والحماية، ثم اكتشفت أن المظلة الأميركية ليست ذلك السقف السحري الذي يمنع الخطر حين يشتد؛ بل اكتشفت أن الوجود الأميركي نفسه قد يكون سببا مباشرا في استجلاب الخطر، وأن واشنطن، حين تحسب مصالحها، قد تعيد توزيع الأعباء والمخاطر دون أن تأخذ في الحسبان تلك الصورة الوردية التي بناها حلفاؤها عن صلابة الالتزام الأميركي.

ثم هناك أسطورة ثانية لا تقل خطورة، تتمثل في التفوق العسكري المطلق. نعم، الولايات المتحدة وإسرائيل تتفوقان تكنولوجيا واستخباراتيا وجويا، وتملكان من القدرة التدميرية ما لا تملكه إيران. لكن ماذا بعد؟ هل حسم هذا التفوق الحرب؟ هل أنتج النتيجة السياسية المرجوة؟ هل حوّل القصف إلى استسلام؟ هل فتح باب الانهيار الداخلي؟

ما نراه، حتى الآن، أن هذا كله لم يقع. بل إن انخراط الولايات المتحدة نفسها المباشر في هذه الحرب، بخلاف ما جرى في أوكرانيا حيث كانت تدير من الخلف، لم يصنع ذلك الأثر الحاسم الذي كان يُروّج له. وهذا يعني، ببساطة، أن أي حليف، مهما كان قربه من قلب واشنطن، لا ينبغي أن يبني استراتيجيته على أن التكنولوجيا الأميركية، أو المظلة الاستخباراتية الأميركية، أو شبكة الردع الأميركية، تضمن وحدها الحسم والنجاة.

الولايات المتحدة، خاصة في عهد ترامب، تدير العالم بمنطق الصفقة أكثر مما تديره بمنطق الحلف الثابت. وإسرائيل، حين تدفع نحو توسيع الحرب وإعادة هندسة الشرق الأوسط، قد تجد نفسها، في لحظة ما، وحدها في الميدان، بعد أن تكون قد أشعلت ما يكفي من النيران. وبالتالي لا يجعل الالتحاق الأعمى للقوى الصغيرة والمتوسطة بمحاور القوة، شريكا في القرار بقدر ما يجعلها، عند اللزوم، هامشا قابلا للاستعمال أو للإهمال.

لكل هذا لا أرى أن ما نحتاجه اليوم في المغرب هو التهييج وإطلاق القنابل الكلامية، ولا الإكثار من الخطاب الدعائي، ولا توزيع صكوك الوطنية على الناس بحسب موقعهم من الحرب. المطلوب هو نقاش وطني هادئ، وناضج، وصريح، حول خياراتنا الدبلوماسية وحدودها، وحول معنى التوازن في عالم ينهار بناؤه السابق، وحول كيفية حماية مصالح المغرب دون الوقوع في أسر رواية واحدة أو محور واحد أو وعد واحد.

لا أحد يمكنه أن يدّعي اليوم امتلاك ترف التنبؤ بمآلات الحرب. فهي قد تنتهي بتسوية ناقصة، وقد تتوسع أكثر، وقد تنكفئ مرحليا لتعود في صيغة أخرى. لكن ما نملكه فعلا هو حق استخلاص العبر قبل أن يدفّعنا الآخرون ثمن تجاهلها:

أول هذه العبر أن الحرب لم تسر كما اشتهتها واشنطن وتل أبيب، وأن إيران، مهما كانت مآخذنا عليها، نجحت حتى الآن في منع خصومها من تحويل القوة العسكرية إلى نصر سياسي كامل؛ وثانيها أن المظلات العسكرية الكبرى ليست صلبة كما تسوّق في السوق السياسية؛ وثالثها أن التكنولوجيا لا تعفي من السياسة، ولا تحسم ما تعجز الاستراتيجيا عن تعريفه بدقة؛ أما رابعها، والأهم بالنسبة إلينا، فهو أن المغرب أحوج ما يكون اليوم إلى استعادة لغة التوازن، والانسجام ما أمكن بين القرارات الرسمية والمزاج الشعبي؛ وتغليب لغة النقاش الوطني الحر، لا الصوت الواحد الذي لا يرتفع فوقه إلا صوت الخطأ حين يفوت أوان تداركه.

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن ليس أن نخطئ التقدير فقط، بل أن نحوّل الخطأ إلى عقيدة، وأن نستبدل حكمة التوازن المغربي القديم بحماسة التابع الذي يصفق لمن يرفع عليه كلفة العيش ويضيّق عليه هامش المناورة ويطالبه، فوق ذلك، بالامتنان.

ما تكشفه هذه الحرب، يوما بعد آخر، هو أن من لا يملك شجاعة مراجعة تقديراته في الوقت المناسب، سيدفع ثمنها مرتين: الأولى في جيبه، والثانية في موقعه داخل العالم وفي الإقليم.