ثلاث سنوات بعد “طوفان الأقصى”.. كيف يقف المغرب بين فلسطين والتطبيع؟
عندما تدفقت آلاف الأعلام الفلسطينية في شارع محمد الخامس بالرباط في أكتوبر 2023، بعد أيام قليلة من انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، بدا المشهد أقرب إلى استفتاء شعبي منه إلى مجرد مسيرة احتجاجية. يومها، امتلأت الشوارع الممتدة بين باب الأحد والبرلمان بالمغاربة القادمين من مدن مختلفة، في واحدة من أكبر التعبئات الشعبية التي شهدتها البلاد منذ سنوات، رافعين شعارات الدعم لغزة والمطالبة بوقف التطبيع مع إسرائيل.
ومساء الأربعاء 7 أكتوبر 2026، وبينما تحل الذكرى الثالثة لـ”طوفان الأقصى”، تظل الساحة قبالة مبنى البرلمان بالرباط على موعد متجدد مع الوقفات الداعمة لفلسطين. فهنا، حيث اعتاد المحتجون التجمع منذ اندلاع الحرب على غزة، ترتفع الأعلام الفلسطينية احتفاء بذكرى “7 أكتوبر”، وتتعالى الشعارات المطالبة بإنهاء العدوان ووقف التطبيع، في مشهد يعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية في الشارع المغربي بعد ثلاث سنوات من الحدث الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي وقلبَ كثيرا من المعادلات.
شارع لم يغادر فلسطين
في هذا الصدد، قال أبو بكر الونخاري، عضو السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، إن الشارع المغربي “لم يتراجع عن دعم فلسطين، بل ظل حاضرا في مختلف المحطات، رغم التضييق والمنع الذي طال عددا من الوقفات والمسيرات”.
وأضاف الونخاري، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن المغاربة أثبتوا أن فلسطين “ليست قضية موسمية ولا ورقة للمزايدة السياسية، وإنما قضية عدل وضمير وانتماء”، معتبرا أن كل محاولات التطبيع “لم تستطع فصل الشعب المغربي عن فلسطين ولا تطبيع وعيه مع الاحتلال”.
ويرى المتحدث أن السنوات الثلاث الماضية أظهرت استمرار ارتباط المغاربة بالقضية الفلسطينية، رغم التحولات التي عرفتها المنطقة، مؤكدا أن الحضور الشعبي المتواصل في المسيرات والوقفات والمبادرات التضامنية يعكس تمسك المغاربة بموقفهم التقليدي من القضية الفلسطينية.
ومن جهته، اعتبر عبد الحفيظ السريتي، منسق مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، أن الساحة المغربية “شكلت استثناء عربيا من حيث استمرارية التعبئة الشعبية”، مشيرا إلى أن الفلسطينيين وفعاليات المقاومة وجهوا أكثر من مرة رسائل تقدير للمغاربة بسبب استمرار تحركاتهم التضامنية منذ السابع من أكتوبر 2023.
وقال السريتي إن “الساحة المغربية لم تهدأ في دعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانبه وفضح الإجرام الصهيوني والإبادة الجماعية”، مضيفا أن الشعب المغربي ظل وفيا لموقف يعتبر القضية الفلسطينية “قضية وطنية في مستوى قضية الوحدة الترابية”.
تحولات ما بعد 7 أكتوبر
وبالنسبة للفاعلين المناهضين للتطبيع، فإن أهمية “طوفان الأقصى” لا ترتبط فقط بما جرى في فلسطين، وإنما أيضا بالتحولات التي أحدثها الحدث على المستوى الدولي. فالحرب على غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش العالمي، وأطلقت موجات تضامن واسعة في عدد من العواصم الغربية، كما دفعت حكومات وأحزابا ومنظمات حقوقية وأوساطا أكاديمية إلى مراجعة مواقفها التقليدية من الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين والعدوان على غزة.
وفي هذا السياق، قال السريتي إن السنوات الثلاث الماضية أظهرت أن القضية الفلسطينية استعادت موقعها في النقاش العالمي بعد أن كانت، بحسب تعبيره، “موضوعة في الرف”، مشيرا إلى أن عواصم غربية شهدت مظاهرات واسعة دعما للفلسطينيين، كما برزت مواقف جديدة داخل الجامعات والأوساط الأكاديمية والحقوقية والبرلمانية.
وأضاف عبد الحفيظ السريتي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن التحولات لم تقتصر على الشارع، بل طالت أيضا بعض القوى السياسية الغربية التي أصبحت تتبنى مواقف أكثر انتقادا لإسرائيل، معتبرا أن “طوفان الأقصى غيّر وجه العالم في التعامل مع القضية الفلسطينية”.
كما استحضر المتحدث صورا لرفض رسو سفن محملة بمعدات عسكرية متجهة إلى إسرائيل في عدد من الموانئ، إلى جانب الحراك الذي شهدته الجامعات الأمريكية والأوساط الأكاديمية الغربية دعما للفلسطينيين.
ومن جانبه، يرى الونخاري أن الحرب على غزة وما رافقها من دمار واسع “أعادت القضية الفلسطينية بقوة إلى واجهة الاهتمام الدولي”، وأعادت طرح أسئلة الاحتلال والاستعمار وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والتحرير على المستوى العالمي.
واعتبر أن السنوات الثلاث الماضية أظهرت أن الاحتلال “لا يمكن أن يتحول إلى شريك طبيعي بمجرد توقيع الاتفاقيات وتبادل الزيارات”، مضيفا أن ما جرى في غزة كشف حدود الرهانات التي قامت عليها مشاريع التطبيع في المنطقة.
تطبيع مستمر
وفي مقابل هذه التحولات، يرى المتحدثان أن مسار التطبيع العربي لم يشهد المراجعات نفسها التي عرفتها مواقف عدد من الشعوب والأوساط السياسية والحقوقية في العالم.
ويرى أبو بكر الونخاري أن المفارقة تكمن في أن الحرب على غزة وما خلفته من مآس إنسانية أحدثت تحولات في مواقف شعوب ودول عديدة، بينما استمر مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية “بل ورفع مستوى علاقاته مع الكيان الصهيوني”، حسب تعبيره، معتبرا أن ذلك “خيار سياسي لا يعبر عن وجدان الشعب المغربي ولا عن مواقفه الراسخة تجاه القضية الفلسطينية”.
بدوره يعتبر عبد الحفيظ السريتي أن النظام العربي الرسمي “أصبح بعيدا عن المواقف التي جسدتها قمة الخرطوم ولاءاتها الثلاث”، كما ابتعد عن منطق مبادرة السلام العربية لسنة 2002 التي ربطت إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مشيرا إلى أن عددا من الدول العربية اختارت المضي في مسارات التطبيع بشكل منفرد رغم استمرار الاحتلال وعدم تحقق الشروط التي نصت عليها المبادرات العربية السابقة.
وفي هذا السياق، دعا السريتي إلى التراجع عن التطبيع، مستحضرا قرار المغرب إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي سنة 2000 على خلفية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، معتبرا أن الرباط مطالبة اليوم، بمراجعة هذا المسار.
أما الونخاري فشدد على أن واجب الشارع المغربي اليوم هو “الاستمرار في المقاومة المدنية السلمية لهذا المسار، ورفع الصوت دعما للمقاومة الفلسطينية، ومناهضة التطبيع بكل أشكاله”، والضغط من أجل إنهاء العلاقات مع الاحتلال، معلنا أن “فلسطين ستظل قضية شعب حر، وستظل بالنسبة للمغاربة قضية عدل وكرامة، مهما حاولت سياسات التطبيع عزلها عن وجدان الأمة”.