تيزنيت.. ذاكرة التجارة والفضة وحاضر يضيق بشبابه
تقع تيزنيت عند ملتقى طبيعي استراتيجي، بين سهل أزغار الغني بالموارد الزراعية والمائية ومرتفعات الأطلس الصغير، وعلى مقربة من المحيط الأطلسي، وهو موقع منحها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر دورا محوريا في حركة العبور التجاري بين الصحراء وسهل سوس.
وقد تعزز هذا الدور خلال رحلتي السلطان الحسن الأول سنتي 1882 و1886، عبر تحصين المدينة وبناء سورها العتيق وإقامة حامية مخزنية، في خطوة استراتيجية هدفت إلى إنعاش التجارة واستقطاب السكان.
كما أسهم هذا التحول التاريخي في توسع تيزنيت معماريا واجتماعيا، وجعلها مركزا تجاريا يستقطب منتجات سهل أزغار والأطلس الصغير، كما وثّق لذلك ضباط الشؤون الأهلية خلال القرن العشرين، حيث حافظت المدينة على وظيفتها كملتقى اقتصادي يربط الصحراء بالموانئ الشمالية.
وقد انعكست هذه الحيوية في تنوع نسيجها الاجتماعي، باستقطابها جالية يهودية نشيطة بلغ عددها حوالي 350 شخصا في بداية الأربعينيات، إضافة إلى ازدهار الحرف التقليدية، وعلى رأسها صياغة الفضة، التي ما تزال إلى اليوم أحد أبرز رموز المدينة وهويتها الثقافية.
غير أن هذا الدور التجاري، رغم حيويته، لم يكن كافيا عبر التاريخ لضمان استقرار اقتصادي دائم لكل ساكنة المدينة، إذ ظلت الهجرة جزءا بنيويا من مسار تيزنيت الاجتماعي.
فكما تشير المصادر التاريخية، فإن التجارة والفلاحة لم تمنعا أبناء المدينة من التوجه، منذ عقود طويلة، نحو الهجرة داخل المغرب وخارجه، خاصة نحو فرنسا والجزائر وتونس، بحثا عن موارد أوسع وآفاق أفضل.
واليوم، وبين سور عتيق ما زال شاهدا على مرحلة ازدهار، وأسواق تقليدية تحافظ على نبض الماضي، يعود سؤال الهجرة ليطرح نفسه من جديد، كاستمرارية لمدينة اعتادت أن تُصدّر أبناءها، في انتظار أن تنجح في إعادة ابتكار دورها الحضري بما يستجيب لتحولات الحاضر وطموحات جيل جديد.
حيث تتقاطع اليوم أصوات شباب تيزنيت حول الإحساس بالتهميش وضيق الأفق، بين من يرى في المدينة فضاء لسكينة لا يحتملها سن الطموح، ومن يعتبرها محطة مؤجلة للأحلام و مدينة مهمشة تصلح للمتقاعدين.
مدينة للمتقاعدين فقط
في هذا السياق، أكد محمد المجاز في القانون و البالغ العمر 28 سنة ، أن مساره الدراسي لم يشفع له في الولوج إلى سوق الشغل داخل المدينة، موضحا أنه “لطالما بحث عن عمل دون جدوى، وحتى عندما يجده يكون بأجر زهيد لا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار”.
وأضاف المتحدث، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أنه لا ينخرط في أنشطة جمعوية ولا سياسية، ليس اختيارا، كون هاجسه اليومي بات ينحصر في “البحث عن قوت اليوم والتفكير في مستقبل غامض”.
وأوضح محمد أن تيزنيت، رغم جمالها، “تحولت إلى مدينة المتقاعدين والمهاجرين الذين يقصدونها صيفا ثم يغلقون بيوتهم بقية السنة”، معتبرا أنها “لم تعد صالحة لاحتضان طموحات الشباب، في ظل غياب فرص الشغل، والمصانع، وبرامج التنمية، وحتى مؤسسة جامعية قادرة على ضخ دينامية جديدة في النسيج المحلي”.
وأضاف بحسرة أن الشباب يقارنون وضعهم بأبناء المدن الكبرى “حيث الحركة اليومية والتحفيز على العمل والانطلاق”، في حين يطغى السكون على المدينة بشكل لا يحتمله جيل في مقتبل العمر.
ورغم هذا التشخيص القاتم، لم يُخف محمد اعتزازه بتاريخ تيزنيت العريق وصناعتها التقليدية، خاصة شهرتها بالفضة، غير أن هذا الرصيد، حسب تعبيره، “لا يكفي لوحده لبناء حاضر يليق بالشباب”.
كما أشار إلى أن إنجاز الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، ورغم أهميته الاستراتيجية، “ساهم في تراجع الرواج المحلي، بعدما أصبحت المدينة خارج مسار الشاحنات والمسافرين نحو الجنوب والأقاليم الصحراوية، وهو ما انعكس سلبا على الحركة التجارية والاقتصادية”.
معبر نحو الصحراء
من جهته، أوضح إدريس، طالب جامعي بأكادير وابن مدينة تيزنيت، أن المدينة باتت تُختزل في كونها “مجرد محطة عبور نحو كلميم أو نحو أكادير”، معتبرا أن هذا الوضع يعكس تهميشا مزمنا طال مختلف المرافق الموجهة للشباب.
وأضاف المتحدث أن “المدينة تفتقر لدور السينما بعد إغلاقها، وللملاعب القرب المجانية، فضلا عن غياب برامج تنمية حقيقية تستهدف فئة الشباب في مرحلة البحث عن الذات واستكشاف العالم”.
كما انتقد إدريس ما وصفه بـ“كثرة المهرجانات والاحتفالات التي لا تسمن ولا تغني من جوع”، مؤكدا أن المدينة تحتاج إلى مشاريع مستدامة “لا إلى مناسبات ظرفية”.
ورغم ارتباطه القوي بتيزنيت ورغبته في تأسيس أسرة والاستقرار بها مستقبلا، شدد المتحدث على أن استمرار الوضع الحالي، من هدوء مفرط وتهميش وغياب برامج فعلية، يدفع عددا متزايدا من شباب المدينة إلى التفكير في الهجرة، “كحل اضطراري، كما فعل أقراننا من قبل”.
وتُعزز شهادات الشباب معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، إذ أظهر تقريرها لسنة 2025 أن جهة سوس ماسة سجلت أدنى معدلات النشاط الاقتصادي على الصعيد الوطني بـ 40.1% خلال الفصل الأول من سنة 2025، إلى جانب ارتفاع مستويات البطالة في بعض المناطق.
كما أن البطالة بتيزنيت بلغت سنة 2024 نسبة 8.9 في المائة ،و نسبة الفقر 6.2 في المائة، ويعكس هذا المؤشر التحديات التي تواجهها المنطقة في تشجيع المشاركة الاقتصادية، خاصة لدى الشباب والنساء، وهو ما يوضح أسباب عزوف العديد من أبناء تيزنيت عن الاستقرار محليا والسعي نحو الهجرة بحثا عن فرص أفضل.