توقع زوال إسرائيل في 2027.. 22 عاماً على رحيل الشيخ أحمد ياسين
توقّع زوال إسرائيل في عام 2027، وعندما سُئل عن سبب ذلك، أجاب مستندًا إلى قراءة للتاريخ مفادها أن “الأجيال تتبدل كل أربعين عامًا”. وأوضح أن الأربعين سنة الأولى كانت جيل النكبة، ثم جاءت الأربعون الثانية فشهدت انتفاضة الشباب ومواجهتهم للاحتلال، فيما ستكون الأربعون الثالثة – بحسب رؤيته – جيل التحرير.
ظلّ الشيخ أحمد ياسين واحداً من أبرز الشخصيات التي أثّرت في مسار القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة. لم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل تحوّل إلى رمز روحي وسياسي ارتبط اسمه بالمقاومة الإسلامية وبفكرة الصمود رغم الإعاقة الجسدية والظروف القاسية.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على اغتياله، يعود اسم أحمد ياسين إلى تغريدات المستذكرين لتاريخ، ليس فقط بوصفه مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس، بل أيضاً باعتباره صاحب قراءة زمنية للقضية الفلسطينية تُستحضر بقوة في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة منذ عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023.
النشأة والبدايات
وُلد الشيخ أحمد ياسين عام 1936 في قرية الجورة قرب مدينة عسقلان، وعاش تجربة اللجوء مبكرًا بعد النكبة، ليستقر مع عائلته في قطاع غزة. وقد شكّلت هذه التجربة وعيه السياسي، إذ عايش فقدان الأرض والهوية، وهو ما انعكس لاحقًا في خطابه ومشروعه.
شهد انكسار عام 1948 وهو طفل، ما رسّخ في وجدانه صورة “جيل النكبة” الذي وصفه بجيل التيه والضياع. ورغم الحادثة التي أصابته بشلل رباعي في مقتبل شبابه، فإنه لم يستسلم لواقعه الجسدي، بل انطلق في بناء قاعدة اجتماعية ودعوية متينة داخل قطاع غزة.
بدأ من المسجد والمجمع الإسلامي والجامعة، مؤمنًا بأن التحرير لا يبدأ من البندقية أولًا، بل من بناء “الإنسان” القادر على حملها.
التكوين الفكري والتنظيمي
تأثر ياسين بأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وانخرط في نشاطها داخل غزة، حيث ركّز في البداية على العمل الاجتماعي والدعوي وبناء القاعدة الشعبية. ومع تصاعد التوترات في الأراضي الفلسطينية، بدأ التحول التدريجي نحو العمل المقاوم.
كان يرى أن الجيل الثاني الذي ولد بعد النكبة هو جيل “المواجهة”، وهو ما تجسد بالفعل عندما أعلن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، التي جمعت بين البعد الإسلامي والعمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي.
القيادة والرمزية
رغم الاعتقالات المتكررة التي تعرّض لها، ظل أحمد ياسين قائداً روحياً للحركة. أُسر من قبل الاحتلال الإسرائيلي عدة مرات، أبرزها في عام 1989، حيث حكم عليه بالسجن المؤبد، قبل أن يُفرج عنه عام 1997 في صفقة تبادل.
بعد خروجه، ازداد حضوره وتأثيره، إذ أصبح صوتاً مركزياً في توجيه الحركة وتحديد مواقفها، خاصة خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وتميز خطابه بالمزج بين الجانب التربوي والديني والسياسة، مع تأكيده المستمر على خيار المقاومة.
اغتياله
في 22 مارس 2004، اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين في غزة، في عملية استهدفته أثناء خروجه من صلاة الفجر على كرسيه المتحرك. ليشكّل اغتياله حدثاً مفصلياً في المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، وأثار موجة غضب واسعة في الأراضي الفلسطينية والعالم العربي والإسلامي.
الإرث والتأثير
ترك أحمد ياسين إرثاً سياسياً ودعوياً لا يزال حاضراً حتى اليوم. فقد أسّس حركة أصبحت لاعباً رئيسياً في الساحة الفلسطينية، كما أسهم في ترسيخ فكرة المقاومة الإسلامية كخيار استراتيجي.
فالمراقب للمشهد الراهن يجد أن المقاتل الذي يواجه اليوم بأحدث التقنيات العسكرية التي استطاع إليها سبيلا والأنفاق المعقدة، هو سليل ذلك الجيل الذي بشّر به ياسين؛ جيلٌ لم يعايش انكسارات الماضي بل ترعرع في ذروة “جيل المواجهة” لينتقل إلى مرحلة “التحرير”.
وعندما نعود إلى فجر الثاني والعشرين من مارس 2004، لحظة اغتياله بصواريخ طائرات الأباتشي وهو يغادر صلاة الفجر، يتبين أن الاحتلال أراد إنهاء “الجسد” المنهك ليوقف تدفق “الفكرة”. لكن فكرته استمرت على قيد الحياة، بينما انتقلت مقاومته من حالة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي، وهو ما ينسجم مع قناعة الياسين بأن القوة “التي قامت على الظلم والاعتداء ستتآكل ذاتياً أمام صمود جيلٍ يمتلك إرادة البقاء”.
فرحيل أحمد ياسين لم يضعف الحركة، بل حولها إلى مؤسسة عسكرية وسياسية تمتلك من الأدوات ما لم يخطر ببال صانعي القرار آنذاك، حتى أن اسم الشيخ المؤسس حضر بقوة إبان معركة “طوفان الأقصى” من خلال قذيفة “الياسين 105” (آر بي جي)، التي تألقت على أكتاف المقاومين، وهي تصيد دبابات “الميركافا” الإسرائيلية بغزة.
وفي ذكرى استشهاده، تكتسب رؤية الشيخ حول “جيل الأربعين الثالثة” بريقاً مختلفاً في ظل معركة “طوفان الأقصى” وما تلاها من زلازل سياسية وعسكرية هزت المنطقة.
في هذا السياق، يستحضر كثيرون حديث ياسين عن “تعاقب الأجيال” كإطار تفسيري رمزي، وقراءة لديناميات الصراع. فجيل النكبة حمل مأساة التهجير، وجيل الانتفاضة الفلسطينية الأولى فجّر الغضب الشعبي، بينما يبدو أن الجيل الحالي يعيش لحظة مفصلية تتقاطع فيها المقاومة العسكرية مع التحولات الجيوسياسية الأوسع.
توقع زوال إسرائيل
في أبريل 1998، أدلى الشيخ أحمد ياسين بتصريحات توقع فيها مستقبل دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد خمسين عاماً من تأسيسها، خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة الجزيرة في برنامج “شاهد على العصر”.
قال الشيخ أحمد ياسين: “إسرائيل قد نشأت على أساس ظلم واضطهاد، وكل كيان مبني على الظلم والاضطهاد سيواجه الهلاك. ليس هناك قوة في العالم تدوم إلى الأبد، فالإنسان يولد طفلاً ثم يكبر ويشيخ، وهكذا الدول تولد وتنمو ثم تندثر”. وأضاف: “إن شاء الله فستندثر إسرائيل في الربع الأول من القرن القادم، تحديداً في عام 2027”.
وفي رد على سؤال حول سبب اختيار هذا التاريخ، قال الشيخ أحمد ياسين: “نحن نؤمن بالقرآن الكريم، والقرآن أخبرنا أن الأجيال تتغير كل أربعين عاماً. في الأربعين الأولى كانت لدينا النكبة، وفي الأربعين الثانية جاءت الانتفاضة والمواجهة والتحدي والقتال والقنابل، وفي الأربعين الثالثة ستحدث النهاية إن شاء الله”.
وأكمل: “هذا تفسير قرآني، فعندما ألقى الله على بني إسرائيل الضلال لمدة أربعين عاماً، لماذا؟ لتغيير الجيل المريض وتحضير جيل قوي ومقاتل، إذ استبدل الله جيل النكبة بجيل الانتفاضة، والجيل القادم سيكون جيل التحرير إن شاء الله”.
لم يكن “توقع 2027” عند الشيخ ياسين قائما على الرؤية الدينية فحسب، بل كانت تستند إلى رؤية اجتماعية حول ترهل “المجتمعات الاستيطانية” مقابل صعود “مجتمعات المقاومة”.
كان ياسين يرى أن الاحتلال سيمر بمرحلة من الضعف الداخلي والتفكك المجتمعي، وهو ما يتقاطع بشكل مدهش مع حالة الانقسام والانكسار الحادين الذين تعيشهما إسرائيل اليوم.
إن دماء الشيخ التي سالت على كرسيه المتحرك أصبحت وقوداً لجيل التحرير الذي تحدث عنه، بحسب مراقبين، فالحركة التي بدأت بالحجر والسكين، أصبحت اليوم تدير معارك إقليمية وتغير موازين القوى، مما يضع نبوءة “زوال 2027” تحت مجهر الاختبار الحقيقي في سنواتنا القادمة.
لعنة العقد الثامن
يلتقي توقع الشيخ أحمد ياسين مع ما يعرف في الأوساط الصهيونية بـ “لعنة العقد الثامن”. حيث يبدي قادة إسرائيليون مخاوف علنية من قرب زوال إسرائيل قبل حلول الذكرى الثمانين لتأسيسها، مستشهدين بالتاريخ اليهودي الذي يشير إلى أن الدول اليهودية السابقة بدأت بالتفكك والانهيار في عقدها الثامن.
وفي مقال له بصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية سنة 2022، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك: “على مرّ التاريخ اليهودي لم تعمر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين: فترة الملك داود وفترة الحشمونائيم، وكلتا الفترتين كانت بداية تفككها في العقد الثامن”.
وأضاف قائلًا إن تجربة الدولة العبرية الصهيونية الحالية هي التجربة الثالثة وهي الآن في عقدها الثامن، وأنه يخشى أن تنزل بها لعنة العقد الثامن كما نزلت بسابقتها، إذ تقترب من الاحتفال بالعام الثامن والسبعين من تأسيسها في ماي القادم، في الوقت الذي تتلقى فيه إسرائيل ضربات قاسية من إيران التي تواصل قصف الأراضي المحتلة رداً على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي.
وتابع باراك قائلا “إن إسرائيل تقع في محيط صعب لا رحمة فيه للضعفاء”، محذرا من العواقب الوخيمة للاستخفاف بأي تهديد، قائلا “أصبح من الواجب حساب النفس”، منبّها إلى أن “إسرائيل أبدت قدرة ناقصة في الوجود السيادي السياسي”.