story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

تقرير شمل 454 أسرة: 90% لازالوا في الخيام بعد عامين على زلزال الأطلس الكبير

ص ص

بعد أكثر من سنتين على زلزال شتنبر 2023 الذي ضرب مناطق واسعة من الأطلس الكبير، لا تزال تداعيات الكارثة حاضرة بقوة في حياة آلاف الأسر، رغم البرامج الحكومية المعلنة والموارد المالية المرصودة لها.

في هذا الصدد، يقدّم تقرير “مرصد إعادة الإعمار ما بعد زلزال الأطلس الكبير”، الذي يغطي الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 إلى دجنبر 2025، صورة قاتمة لمسار إعادة الإعمار، تجمع بين التقدم النسبي على مستوى الأرقام، والتعثرات البنيوية في الحكامة والشفافية والعدالة الاجتماعية.

التقرير، الذي أعدته الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرانسي المغرب” بالتعاون مع باحثين ومواطنين من المناطق المتضررة، والمدعوم ببحث ميداني شمل 454 أسرة بإقليمي الحوز وشيشاوة، لم يقتصر على تحليل الوثائق الرسمية، بل نقل صوت المتضررين أنفسهم، كاشفًا عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.

وتكشف الأرقام الصادرة عن المرصد أن 44% من الأسر المستجوبة لم تستفد بعد من مسكن دائم، فيما لا يزال 90% من المستجوبين يعيشون في خيام أو حاويات مؤقتة، و55% فقط صرحوا بالاستفادة من دعم إعادة الإعمار. أما ثلث المستجوبين فلم يتلق أي دعم.

ومن جانب آخر، يعبر عدد كبير من المستفيدين عن شعورهم بـ”الغبن” نتيجة إعادة تصنيف أضرار مساكنهم أو تعقيد المساطر، ما يسلط الضوء على فجوة كبيرة بين السياسات الرسمية والواقع المعيشي للمتضررين.

في هذا السياق، انتقد سعد الطاوجني، الكاتب العام السابق لترانسبرانسي المغرب، آلية صرف الدعم، موضحًا أن بعض الأسر الفقيرة المسجلة في السجل الاجتماعي الموحد مُنحت دفعة أولى قدرها 20,000 درهم، على أن تُصرف الدفعة الثانية بعد إنجاز مرحلة محددة من البناء. غير أن تعثر الأسر في استكمال الأشغال يحرمها من الدفعة الموالية، مما يجعلها تتحمل تبعات عدم إتمام المشروع، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المنطقة.

ودعا الطاوجني، خلال ندوة صحافية لتقديم التقرير السنوي للمرصد بالرباط، الخميس 27 فبراير 2026، إلى اعتماد مقاربة بديلة، مستحضراً نماذج دولية مثل تركيا، ونماذج وطنية مثل تجربة إعادة الإعمار في أكادير، من خلال تكفل الدولة ببناء مساكن وتسليمها مباشرة للأسر الفقيرة، متسائلاً عن أسباب عدم تعميم نموذج يضمن الكرامة والنجاعة ويخفف العبء عن الأسر الهشة.

وأوضح الطاوجني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن المرصد اعتمد في عمله على تقارير أولية، قبل تطوير منهجية تشاركية شملت تكوين باحثين ميدانيين من أبناء المناطق المتضررة، وإعداد استمارة لجمع المعطيات بتنسيق معهم.

من جانبها، أبرزت آنيا هوفمان، مديرة مكتب المؤسسة الألمانية “هاينريش بول” بالرباط، الشريك الممول للمرصد، أهمية المشروع “إذ أن سكان المنطقة المتضررة من الزلزال يستحقون ألا يتم نسيانهم”، منبهة إلى أن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمتضررين، وأصواتهم وقصصهم، “يجب ألا يتم تجاهلها أو إغفالها”.

لجنة وزارية بإيقاع متراجع

أطلقت الحكومة مباشرة بعد الزلزال برنامجًا مندمجًا لإعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة (2024-2028)، وأسندت قيادته إلى اللجنة البين وزارية. غير أن وتيرة اجتماعات هذه اللجنة عرفت تراجعًا واضحًا خلال سنتي 2024 و2025، إذ لم تعقد سوى أربعة اجتماعات خلال الفترة موضوع التقرير، مقارنة بـ12 اجتماعًا في السنة الأولى.

هذا التباطؤ ترافق مع تأخر في الحسم في ملفات عديدة، خصوصًا ما بين يناير ويوليوز 2025، ما طرح تساؤلات حول فعالية اللجنة كهيئة توجيه وتحكيم. كما سجل التقرير تحولًا في تدبير ملف الزلزال من اللجنة البيوزارية إلى هيمنة واضحة لوزارة الداخلية عبر الولاة والعمال وأعوان السلطة.

وانتقد غياب إطار قانوني خاص ببرنامج إعادة الإعمار، حيث يتم التدبير بناء على “دوريات” و”تعليمات” تفتقر للصبغة التشريعية الملزمة، “ما يفتح الباب أمام التقديرات المزاجية في منح أو منع التعويضات”.

وأشار التقرير إلى “تجميد” عمل اللجنة البين وزارية في مراحل معينة، وتراجع وتيرة تواصلها، مما أدى إلى غياب الشفافية في نقل المعلومة للمواطنين والمجتمع المدني.

في هذا الصدد، أشار الصحفي صلاح الدين لمعيزي، المشرف على إعداد التقرير الميداني، إلى إعلان رئيس الحكومة أنه لم يتبق سوى 47 خيمة، وأنه ابتداء من شتنبر 2025 سيتم إنهاء ملف إعادة إسكان السكان، “إلا أن الواقع مختلف”. وقال لمعيزي: “يمكننا اليوم، ونحن في فبراير 2026، أن نؤكد عكس هذا الكلام، إذ لا يزال الحديث قائمًا عن الخيام في عدة مناطق”.

غموض بالتمويل

رُصد للبرنامج غلاف مالي إجمالي يناهز 120 مليار درهم على خمس سنوات، موزع بين 10 مليارات درهم من الميزانية العامة للدولة، و19 مليار درهم من صندوق التضامن الخاص (الصندوق 126)، ومساهمات من صندوق الحسن الثاني، قروض، ومساعدات دولية.

غير أن التقرير يشير إلى أن الصندوق 126، المدعوم أساسًا بالتبرعات الوطنية، أصبح الأداة المالية الرئيسية، إذ بلغت موارده التراكمية إلى حدود أكتوبر 2025 أكثر من 23 مليار درهم، مقابل مساهمة محدودة نسبيًا من الميزانية العامة (21%).

ويبرز لمعيزي أن الصندوق يعتمد اليوم على تبرعات المواطنين، لافتًا إلى أنه تم الإعلان عن غلاف بقيمة 120 مليار درهم، لكن حتى الآن لا توجد وثيقة رسمية من وزارة المالية أو من الحكومة تشير بوضوح إلى صرف هذا المبلغ، رغم مرور خمس سنوات على إنشاء الصندوق.

من بين أبرز ملاحظات التقرير، أن جزءًا مهمًا من نفقات الصندوق وُجه لتمويل مشاريع بنية تحتية عامة (كهربة الدواوير، منصات التخزين، مشاريع طرقية)، كان يفترض أن تُدرج ضمن الميزانية العامة للدولة. ويطرح التقرير تساؤلات حول فلسفة الصندوق، الذي أُحدث لمعالجة حالة طارئة محددة، وليس لتمويل برامج وطنية هيكلية.

أما وكالة تنمية الأطلس الكبير، التي أُحدثت كذراع تنفيذي للبرنامج، فأشار التقرير إلى أن تعيين مديرها العام لم يتم إلا في أكتوبر 2024، أي بعد مرور 13 شهرًا على الزلزال، معتبرًا أن هذا التأخر أثر على انطلاق الوكالة، التي قضت سنتها الأولى في ترتيب هياكلها الإدارية وإعداد مساطرها التنظيمية.

ورغم عقد أول اجتماع لمجلسها الاستراتيجي في دجنبر 2024، إلا أن الوكالة لا تزال تعاني من محدودية الموارد البشرية (15 موظفًا فقط حتى نونبر 2025) وصعوبات في استقطاب الكفاءات، إضافة إلى تعثر بعض طلبات العروض التي وُصفت بـ”غير المثمرة”.

أما الشق المتعلق بالتنمية المندمجة للمناطق المتضررة، والمقدر بـ98 مليار درهم، فلا يزال يفتقر إلى رؤية واضحة لآليات التمويل والتنفيذ، ما يثير مخاوف بشأن قدرته على تحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي الموعود.

فجوة بين الأرقام والواقع

تُظهر الأرقام الرسمية أن نسبة إنجاز إعادة بناء أو تأهيل المساكن بلغت حوالي 87% في 2025، مع تسليم عشرات الآلاف من رخص البناء، وتسارع في وتيرة الإنجاز مقارنة بسنة 2024، وتم إدماج حوالي 500 أسرة إضافية في برنامج الدعم بعد مراجعة بعض الملفات.

غير أن التقرير يثير إشكالًا مهمًا يتعلق بتضارب المعطيات حول عدد المنازل المنهارة كليًا. ففي حين أشارت معطيات أولية إلى نسبة انهيار كلي بلغت 20%، فإن عدد المستفيدين من دعم 140,000 درهم (المخصص للمنازل المنهارة كليًا) لا يعكس هذه النسبة، ما يطرح تساؤلات حول منهجية تصنيف الأضرار ومدى إنصاف اللجان المحلية في تحديد المستفيدين.

يكشف البحث الميداني صورة أكثر قتامة، إذ أن 44% من الأسر المستجوبة لم تستفد بعد من مسكن دائم، بينما لا يزال 90% منهم يعيشون في خيام أو حاويات أو ملاجئ مؤقتة، و55% فقط صرحت باستفادتها من دعم إعادة الإعمار، في حين أن ثلث الأسر لم يتلق أي دعم، كما عبّر عدد من المستجوبين عن شعورهم بـ”الغبن” بسبب تصنيف أضرار مساكنهم أو تعقيد المساطر.

ويشتكي السكان من إعادة تصنيف منازلهم من “انهيار كلي” إلى “جزئي” بقرار من اللجان التقنية دون تبرير مقنع، مما يحرمهم من مبلغ 60,000 درهم (الفرق بين تعويض 140,000 و80,000 درهم).

وسجل التقرير حالات وفاة مؤلمة نتيجة الظروف المناخية القاسية، من بينها وفاة مواطن في دوار “العراب” بجماعة أسني بسبب البرد القارس داخل خيمته البلاستيكية أواخر 2025، وهي الحوادث التي اعتبرها التقرير “وصمة عار” في جبين برنامج إعادة الإعمار.

الوضع الاجتماعي والبنية التحتية

سجل التقرير انطلاق أوراش مهمة، خاصة على مستوى الطرق، غير أن الإنجاز ظل متفاوتًا بين المناطق. بعض المشاريع الحيوية، مثل الطريق الوطنية رقم 7، لم تُموَّل إلا بعد الكارثة، ما يعكس هشاشة الاستثمار العمومي السابق في هذه المناطق.

ورغم الإعلان عن إعادة بناء مؤسسات تعليمية وصحية، لا تزال عدة مدارس خارج الخدمة، فيما تأخر إنجاز بعض المراكز الصحية، ما عمّق معاناة الساكنة في مناطق تعرف أصلاً هشاشة وعزلة جغرافية.

ويكشف البحث الميداني أن 42% من المستجوبين في وضعية بطالة، فيما يعيش حوالي نصف الأسر بأقل من 1,000 درهم شهريًا، إضافة إلى أن 16.3% من الأسر تقودها أرامل.

وتُظهر المعطيات أن النساء، خاصة ربات الأسر، يواجهن صعوبات أكبر في الولوج إلى الدعم، سواء بسبب تعقيد المساطر أو ضعف الإدماج الفعلي لمقاربة النوع في البرنامج.

وفي خريف 2025، برزت أشكال من الحراك الاجتماعي للمتضررين، مطالبة بتسريع إعادة البناء وضمان سكن لائق. ورغم محدودية التغطية الإعلامية، سجل التقرير بعض حالات التضييق القضائي على نشطاء محليين.

في المقابل، لعبت جمعيات محلية ووطنية ودولية دورًا محوريًا في الدعم المالي والاجتماعي والتقني، ما جعل إعادة الإعمار عمليًا مسارًا تشاركيًا فرضته الضرورة، حتى وإن لم تعترف به السلطات بشكل كامل.

وتشير الوثيقة إلى أن الإشكال الجوهري لبرنامج إعادة الإعمار لا يكمن في نقص الموارد، بل في ضعف الحكامة والتنسيق، ومحدودية الشفافية، وغياب آليات فعلية للمساءلة، وضعف إشراك الساكنة في التتبع واتخاذ القرار.

ويخلص التقرير إلى أن استعادة الثقة تمر عبر الاعتراف بأن السكان ليسوا مجرد مستفيدين، بل فاعلون أساسيون في إعادة بناء مجالهم ومستقبلهم، إذ أن نجاح أو فشل تجربة الأطلس الكبير لن يقتصر أثره على هذه المنطقة، بل سيشكل مؤشّرًا حاسمًا على قدرة الدولة على تدبير أزمات مماثلة مستقبلاً، سواء في طاطا بعد الفيضانات أو في مناطق أخرى.