تقرير: اختلالات وراء غلاء حديد الخرسانة وهوامش ربح ضعيفة رغم ارتفاع الأسعار
كشف تقرير حديث أنجزه مجلس المنافسة أن الارتفاع الحاد في أسعار حديد الخرسانة خلال سنة 2022 لم يكن نتيجة ممارسات احتكارية مباشرة، وإنما جاء في سياق تضخم عالمي وضغوط خارجية، تفاعلت معها اختلالات بنيوية داخل السوق الوطنية، ما أثر على تنافسية القطاع وربحية الفاعلين.
وأوضح التقرير الذي أنجزه مجلس المنافسة، في إطار تحقيق باشره بشأن ارتفاع أسعار مواد البناء، أن سوق حديد الخرسانة تأثرت بشكل مباشر باضطرابات سلاسل التوريد العالمية بعد جائحة كوفيد-19، وبالتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهما من كبار موردي الصلب في العالم، ما دفع الأسعار الدولية إلى مستويات قياسية انعكست بدورها على السوق الوطنية.
وأضاف أن المغرب، الذي يستورد حوالي 90 في المائة من حاجياته الطاقية ونسبة مهمة من المواد الأولية، لم يكن بمنأى عن هذه التحولات، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف النقل والشحن وتقلبات أسعار الصرف، إلى جانب تأثير الجفاف على النشاط الاقتصادي العام.
غير أن التقرير لم يكتف بالعوامل الظرفية، حيث سلط الضوء على اختلالات هيكلية داخلية تزيد من هشاشة القطاع، مؤكدا أن صناعة حديد الخرسانة تعتمد بشكل كبير على الخردة المعدنية، التي تمثل حوالي 75 في المائة من تكلفة إنتاج السبائك الفولاذية، والتي تشكل بدورها أكثر من 88 في المائة من تكلفة إنتاج حديد الخرسانة في وحدات “الدرفلة”.
وسجل التقرير أن أسعار الخردة، سواء كانت مستوردة أو محلية، تبقى مرتبطة بالأسعار الدولية، ما يجعل الصناعة الوطنية في تبعية شبه دائمة للأسواق العالمية، كما أن تكاليف الاستيراد، بما فيها الشحن البحري وسعر صرف اليورو والدولار، تضيف أعباء إضافية على المنتجين.
وأكد مجلس المنافسة أن مقارنة تطور أسعار البيع مع التكاليف المباشرة للإنتاج أظهرت أن الزيادات المسجلة في السوق الوطنية اتبعت المنحى التصاعدي نفسه الذي عرفته المدخلات الأساسية، ما يعني أن جزءا مهما من الارتفاع كان مدفوعا بزيادة الكلفة وليس بهوامش ربح استثنائية.
وفي هذا السياق، أبرز التقرير أن صناعة الصلب تُعد صناعة كثيفة الرأسمال، تتطلب استثمارات ضخمة لإنشاء مصانع الصهر والدرفلة، قد تصل إلى ما بين 1400 و2000 درهم للطن الواحد من القدرة الإنتاجية، مع فترة اهتلاك تتجاوز 20 سنة.
وفي ما يتعلق ببنية السوق، أوضحت الوثيقة أن ثلاثة فاعلين يستحوذون مجتمعين على ما بين 80 و90 في المائة من سوق حديد الخرسانة خلال سنة 2024، ما يمنحها مظهرا قريبا من احتكار القلة، غير أن التحليل الدينامي أظهر تغيرا في الحصص السوقية بين الفاعلين، مع بروز منافسة قائمة ليس فقط على الأسعار، بل أيضا على شروط الأداء والخدمات اللوجستيكية.
كما شدد التقرير على الدور المحوري للموزعين، الذين تمر عبرهم أكثر من 82 في المائة من الكميات المعروضة في السوق، غير أن أنماط التوزيع الحالية، بحسب المجلس، تعاني من محدودية النجاعة، في ظل غياب منصات جهوية قوية واعتماد شبه حصري على الموزعين في النقل والتسليم، ما يضيف تكاليف إضافية قد تصل، وفق تقديرات مهنيين، إلى نحو 15 في المائة من سعر البيع.
وفي جانب الجودة، نبه مجلس المنافسة إلى ضرورة تعزيز مراقبة مطابقة حديد الخرسانة للمعايير المعمول بها، خصوصا ما يتعلق بالقيمة الاسمية للكتلة الخطية، محذرا من أن أي تساهل في هذا المجال لا يخل فقط بالمنافسة، بل قد يهدد سلامة المنشآت، خاصة في مشاريع البناء الذاتي.
وخلص التقرير إلى أن معالجة إشكالية سوق حديد الخرسانة لا يمكن أن تقتصر على تدابير ظرفية أو تنظيمات جزئية، و أنما تستوجب رؤية شمولية تشمل صناعة الصلب بكامل مكوناتها، داعيا إلى توجيه فائض القدرات الإنتاجية نحو صناعات أخرى مستهلكة للصلب، وتنويع العرض نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للتصنيع الوطني.