story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

تغريبة فلسطين

ص ص

قبل نحو سنتين، وبالضبط في يوم الجمعة 21 أكتوبر 2022، خضت عبر الفايسبوك في دردشة مع الكاتب الفلسطيني المعروف جهاد الرنتيسي حول روايته ‘بقايا رغوة’. كنتُ للتو قد انتهيت من قراءتها. أحسست وقتئذ ببعض الغموض تجاه أمكنتها وشخوصها، لأنها رواية حافلة بالاستعارات والإحالات الرمزية على أحداث فلسطين التاريخية وشخصياتها الفاعلة، وعلى حالة الضياع التي كانت تعيشها القضية الفلسطينية إلى حدود السابع من أكتوبر 2023.
في الواقع، تنم ‘بقايا رغوة’ ونظيرتها ‘خبايا الرماد’ على وعي أدبي حاد بالمآل المأساوي الذي آلت إليه القضية الفلسطينية بعد اتفاقات أوسلو. تنتهي الروايتان بقارئهما إلى قناعة موجعة مفادها أن “الفلسطيني ضائع على الأصعدة كلها”، وأن الراهن الفلسطيني يحتاج إلى جيل آخر حتى يزيل ركام التشظي الذي يجثم على الجسد الفلسطيني في الداخل والشتات. إليكم أولا جانبا من هذه الدردشة:

  • “إذا هي رواية عن الشتات، لا عن ضياع الذات الفلسطينية.
  • هذه وتلك. الفلسطيني ضائع على كل الأصعدة. قيادته تعبث في بوصلته لتزيده اغترابا.
  • للأسف الشديد، أتابع ما يجري منذ مدة في جنين، كأن ليس هناك قيادة. لا وجود لها ميدانيا، ولا سياسيا، ولا إعلاميا.
  • قصتنا أبعد من ذلك بكثير. بدأت مظاهر العبث تطفو على السطح في بدايات السبعينات. ما يحدث امتداد لذلك الزمن وربما قبله. أشك في ظروف التأسيس.
  • الكتابة الروائية حول الموضوع دفعتني للبحث في العمق، ومعرفتي بالقيادة عن قرب تكرس فكرة العبث، وحسابات المصلحة الذاتية.
  • هذا واضح في الرواية. أتمنى أن يتجاوز الشباب الفلسطيني الآن هذا المأزق. أظنه أخذ يعيه بقوة. وهذا باد في مقاومته.
  • نراهن على نهوض جيل آخر من هذا العطب. مهمة هذا الجيل ليست سهلة. يحتاج إلى الكثير من أجل إزالة ركام الذين سبقوه.
  • بلا شك. لا يمكن لهذا الهوان أن يستمر إلى الأبد.
  • يبدو أنه قدرنا: الإحباطات ومحاولات النهوض.
  • فعلا. الإمبريالية العسكرية تعود بقوة. ولا شك أن المقاومة بجميع أشكالها عائدة أيضا.
  • هذا صحيح. انظر إلى حال شعوب المنطقة بعد ربيعها الملون.”
    رواية الرنتيسي، كما يتحدث عنها في هذه الدردشة، هي رواية التمزق وفقدان الهوية. تعيش الشخصيات حالة من الشرود والضياع، كما جاء في الدردشة، لكنها تظل مرتبطة بالوطن، وإن كان مفقودا، وتبقي على أملها في أن تسترجعه يوما ما. تعيش هذه الشخصيات بين ألم الهجرة القسرية وأمل العودة الذي تبعثه بعض الأحداث بين الفينة والأخرى. ورغم أن هذه الشخصيات متعددة في الرواية، إلا أن غادة الأسمر تجسد معاناة جيل شاب ولد في الخارج، ويعيش محنة البحث عن الهوية والانتماء، ويعاني صراعا بين ذاكرة التهجير وواقع الاغتراب المفروض.
    لا تمثل هذه الرواية تغريبة فلسطين فحسب، بما يعنيه ذلك من توثيق للتجربة الفلسطينية بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والمادية المختلفة، بل تطرح قضايا اجتماعية مثل الهوية والانتماء والعلاقات الإنسانية، وأخرى سياسية مثل إخفاقات أوسلو وأدوار القيادة الفلسطينية ودور الشتات في استعادة الوطن… ووهي تنطوي على نقد حاد، كما جاء في الدردشة، لكل من يساهم في “الموت السريري” للقضية الفلسطينية (ص. 15).
    و’بقايا رغوة’، كما نظيرتها ‘خبايا الرماد’، هي تجسيد حي لمأساة الجيل الفلسطيني الذي ترعرع في سياق اتفاقات أوسلو، ممن يعيشون بين واقع الاغتراب المرير والخيانات السياسية، وأمل العودة إلى وطن لم يعرفوه. وغادة هي التمثيل الحي لهذا الجيل الجريح الذي يشعر بالحنين إلى الوطن، ويعيش صراعا داخليا جراء ضياعه وافتقاده إلى هوية واضحة. من هنا، نجد غادة تتساءل دوما: “من أنا؟ وما هو انتمائي؟”
    قد تسفر الأحداث الجارية في غزة والضفة منذ شهور، رغم ضراوتها وهمجيتها ووحشيتها، عن أجوبة شافية وتعويض شافٍ.