تعديل التقادم وحماية المبلغين..”هيئة مكافحة الفساد” تقدم توصياتها بخصوص قانون المسطرة الجنائية

قدمت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها عددا من الملاحظات والتوصيات المتعلقة بمشروع القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وذلك بهدف تجويد المتطلبات الإجرائية لمكافحة جرائم الفساد، إذ دعت إلى تعديل تاريخ احتساب التقادم، وتعزيز إجراءات حماية المبلغين عن جرائم الفساد.
احتساب التقادم ابتداء من اكتشاف الجريمة
واعتبرت الهيئة المراجعةَ الحالية لقانون المسطرة الجنائية مناسبة مواتية لإدخال تعديلات على مبدأ التقادم، باعتباره حلقة من حلقات تطويق مرتكبي جرائم الفساد، وسدّ المنافذ التي يمكن أن تؤدي إلى إفلاتهم من المتابعة والعقاب.
وفي هذا الإطار، تقترح الهيئة تعديل مبدأ التقادم ليبدأ احتساب المدة من تاريخ اكتشاف الجريمة وليس من تاريخ ارتكابها، موضحة أن استمرار الموظف العمومي، الذي يعد العنصر الأساسي المفترض في هذه الجرائم، في وظيفته يتيح له، في حالة ارتكابه لجريمة فساد، فرص التستر على جريمته إلى حين مرور مدة التقادم، وهو ما يتيح له فرصة الإفلات من العقاب.
وأبرزت الهيئة أن من شأن هذا التقادم أن يحول دون إمكانية استرجاع الأموال العامة في القضايا التي لا يتم اكتشافها إلا بعد مرور المدد المنصوص عليها في التقادم، الأمر الذي يفوت على الدولة فرص استرداد الأموال المنهوبة.
وأضافت أيضًا أن احتساب التقادم من تاريخ ارتكاب الجريمة قد يحول دون محاكمة الجناة، خصوصًا في الحالات التي يغادرون فيها بلدانهم الأصلية فرارًا من العدالة، ويستقرون في بعض الدول التي لا تربطها بالبلد الأصلي اتفاقيات للتعاون القضائي في مجال تسليم المجرمين.
وتابع التقرير أن التأخر في مباشرة الإجراءات القضائية قد يكون خارجًا عن سيطرة السلطات، وقد يستغرق اكتشاف حالات الفساد وإثبات الوقائع وقتًا طويلًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بجنحة؛ بحيث لا تتجاوز مدة تقادمها أربع سنوات.
في المقابل، أشارت الهيئة إلى أن اجتهاد محكمة النقض المغربية مؤخرًا سار في اتجاه اعتبار تاريخ اكتشاف جريمة استغلال النفوذ أو تاريخ مغادرة المشتبه فيه لوظيفته هو التاريخ المحتسب كبداية للتقادم، وهو ما يتماشى مع الشرح الذي قدمته الأمم المتحدة لاتفاقيتها لمكافحة الفساد، والتي تقترح هي الأخرى على الدول الأطراف سريان وقت الشروع في الملاحقة منذ لحظة اكتشاف الفعل المجرم.
وأردفت الهيئة أن اجتهاد محكمة النقض في اعتبار سريان وقت الشروع في الملاحقة منذ لحظة اكتشاف الفعل المجرم جاء احتذاءً بما قررته محكمة النقض الفرنسية، والتي كانت السباقة إلى لفت الانتباه نحو إشكالية التقادم في جرائم الإخلال بالثقة العامة وجرائم الفساد، منبهة إلى ضرورة استثناء هذه الجرائم من تطبيق القواعد والآجال العامة للتقادم.
وفي غضون ذلك، دعت الهيئة إلى توجيه الجهود نحو تحويلها إلى قواعد قانونية وإدراجها في قانون المسطرة الجنائية كاستثناء من القواعد العامة للتقادم، وذلك حتى لا تبقى هذه الاجتهادات حبيسة القرارات القضائية.
حماية المبلغين عن جرائم الفساد
ومن جملة اقتراحات الهيئة أيضًا، تلك المتعلقة بتعزيز وتقوية الضمانات القانونية لحماية الموظفين العموميين والمواطنين الذين يبلغون عن جرائم الفساد، موضحة أنه في الوقت الذي أقر قانون المسطرة الجنائية مقتضيات لحماية الضحايا والخبراء والشهود والمبلغين، إلا أنه “من الإنصاف القول بأن هذه المقتضيات تظل في حاجة إلى المراجعة، خاصة بالنسبة لفئة المبلغين”.
وتابعت الهيئة في هذا الإطار، أنه إذا كانت المادة 82 – 10 تخول للسلطة القضائية تعديل أو سحب تدابير الحماية، فإنها تركت مجال السلطة التقديرية الممنوحة لها بهذا الخصوص بدون قيد، عندما لم تحدد الحالات التي تستدعي هذا الأمر.
وأشارت إلى أن تعديل أو سحب تدابير الحماية بالنسبة لفئة المبلغين الذين تُخوَّل لهم هذه الحماية بناءً على طلبهم، ينبغي أن يكون بموافقتهم، لأنهم ليسوا أطرافًا في الدعوى وإنما ساقهم إليها واجب القيام بالتبليغ، بما يجعل إخضاعهم القسري لإجراءات تعديل أو سحب الحماية منطويًا على تعسف يتنافى مع مبادئ الحق والإنصاف.
وأضافت أن الإشكال الذي تطرحه هذه المقتضيات مرتبط بالتبليغ الذي يمكن أن يضطلع به الموظفون، بالنسبة لجرائم الفساد، بحيث إن عدم التنصيص على الجهة التي يتعين التبليغ لديها للاستفادة من المقتضيات المتعلقة بعدم المتابعة، سواء تأديبيًا أو جنائيًا، على أساس إفشاء السر المهني، يجعل هذه الاستفادة مفتوحة على كل التأويلات.
وأردفت أيضًا أن تنصيص المادة 82 – 9 على مقتضى “حسن النية” كشرط لاستفادة المبلغين من تدابير الحماية، إجراء تعجيزي في مواجهة المبلغين الذين يصعب عليهم إثبات حسن نيتهم، علمًا بأن هذا الشرط يتنافى مع المواصفات المعيارية العالمية في هذا المجال، التي توصي بضرورة التركيز على مضمون المعلومات المبلغ عنها بدل التركيز على الأسباب الداعية للتبليغ.
وبناءً على هذا، وتعزيزًا لضمانات حماية المبلغين، وكذا انخراطًا في هذا المسار الدولي، دعت الهيئة إلى مراجعة صياغة الفقرة المتعلقة بحسن النية في المادة المتعلقة بهذا الأمر، وذلك باعتماد صياغة تفيد عدم ثبوت سوء النية، باعتبارها تفي بالمبدأ الذي يفيد بأن الأصل هو حسن النية وأن إثبات العكس يقع على من ادعى سوء النية، ولكونها تتجاوب مع الاختيارات الدولية.
إعمال التقنيات الحديثة للبحث والتحري
وضمن مقترحاتها أيضًا، قدمت الهيئة عددًا من التدقيقات التي يجب إدخالها على التعديلات المقترحة على هذه المادة، المتعلقة بضبط وتعزيز استعمال الوسائل التكنولوجية في الكشف عن جرائم الفساد، مؤكدة أن هناك توجهًا نحو تدارك القصور الذي يشوب هذا المقتضى في القانون الحالي، والمتمثل في الإقصاء غير المستساغ لجرائم الفساد من اللائحة الحصرية للجرائم المشمولة بإعمال هذه التقنيات.
واقترحت استبدال الصيغة التي اعتمدتها المراجعة لإدراج جرائم الفساد ضمن لائحة الجرائم المشمولة بإعمال التقنيات الحديثة للبحث والتحري، وذلك بصيغة تضمن استيعاب جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القانون الجنائي والقوانين الخاصة.
كما دعت إلى التفاعل الإيجابي مع قرارات محكمة النقض التي انتصرت لسلطة قاضي التحقيق في الإذن بإعمال مسطرة التقاط المكالمات دون تضييق أو شرط، وذلك بالتنصيص الصريح على السلطة التقديرية لهذا الأخير في الإذن بإعمال التقنيات الحديثة في البحث والتحري دونما حاجة إلى الحصول على ملتمس من النيابة العامة في هذا الشأن.