ترامب يفرض “الصنك”

حبس العالم أنفاسه ليلة أمس، الأربعاء 2 أبريل 2025، في انتظار إطلالة رجل اسمه دونالد ترامب، وقف في حديقة البيت الأبيض، حاملاً لوحة تتضمّن أسعار الرسوم الجمركية الجديدة التي قرّر فرضها على العالم.
لم يسلم من القرار أي من أصدقاء وخصوم أمريكا، وشعار “أمريكا أولا” الذي صوّت من أجله الأمريكيون شهر نونبر الماضي، برز أمامهم مجسّدا في شخص ترامب. كل ونصيبه، وحظّنا كمغاربة يبدو أنه كان من بين أفضل الحظوظ في العالم.
شخصيا لم أقدر على انتظار التحليلات الاقتصادية التي ستخبرنا بانعكاسات رسوم ترامب الجديدة علينا، بل بحثت عن مرآة اسمها بريطانيا، كان نصيبها رقم 10 في المئة نفسه الذي ناله المغرب، واستمعت إلى تعليقات الفرنسيين في برامجهم المباشرة التي تابعت الحدث، وسمعتهم يقولون: لقد أفلتت بريطانيا بينما وقع الاتحاد الأوربي في الورطة.
انتظر العالم كلّه قرارات ترامب في “يوم التحرير”، ووحده كيان الاحتلال والإجرام الإسرائيلي، حاول توظيف معلوماته الاستخباراتية التي يبدو أنه يحصل عليها من داخل مطبخ ترامب، وأعلن عشية الحدث إلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة من أمريكا، لأن ترامب اعتمد معادلة فرض 50 في المئة من مجموع الرسوم والضرائب التي تفرضها كل دولة على منتجات بلاده، كرسوم جمركية.
لكن كيد نتانياهو كان في نحره، هذه المرة على الأقل، وكان نصيبه 17 في المئة… درس لمن يصرّون على تضليل المغاربة بأسطورة التحكم في أمريكا عن طريق إسرائيل.
الرسوم الجمركية الجديدة التي قدّمها ترامب ليلة أمس، كما يُعدّ القائد غنائمه بعد معركة، لم تكن مجرد إجراء اقتصادي، بل هي توقيع على شهادة وفاة نظام التجارة العالمية كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. و”يوم التحرير” كما وصفه ترامب، لم يكن بالنسبة لبقية العالم سوى يوم ارتباك، إن لم يكن يوم كساد.
الرجل العائد إلى البيت الأبيض مشحونا بغضبه من “سرقة” العالم لأمريكا، قرّر أن يعيد كتابة قواعد اللعبة. لا حلفاء ولا خصوم، بل معادلة واحدة: من يُصدّر أكثر إلى أمريكا، سيدفع الثمن. ومن يُنافسها في الصناعة، سيُعاقب. ومن لا يصنّع داخل حدودها، فلن ينعم بامتياز دخول أسواقها.
هكذا، صدر القرار بعناوين كبرى: 10% رسوم عامة على كل الواردات، و25% على واردات السيارات، وتعريفات استثنائية تصل إلى 54% على الصين، و49% على كمبوديا، و31% على سويسرا، و20% على الاتحاد الأوروبي…
بلدان تعيش أزمات، وأخرى تربطها بواشنطن تحالفات تاريخية، صارت فجأة في موقع الخصم، فقط لأن ميزانها التجاري يميل لصالحها.
لنفهم الأمر ببساطة: الرسوم الجمركية هي ضرائب تفرضها الدول على البضائع المستوردة من الخارج، لتؤدي إلى ارتفاع الأسعار، تماما مثلما يدخل “الصنك” في سعر صندوق الطماطم في سوق الجملة، ليتحمّله المستهلك.
المستورد هو من يدفع الرسوم الجمركية، وهو في هذه الحالة الشركات الأمريكية، لكن كأي تاجر، يُمرّر هذه الكلفة إلى المستهلك الأمريكي، وبالتالي ترتف الأسعار وتتأثر التنافسية، ويصبح المنتج مضطرا لصناعة البضاعة المعنية محليا بدل استيرادها، وهذا بالضبط ما يبحث عنه ترامب.
هناك يوجد سوق حقيقي، ولا مجال عندهم لحذف رسوم استيراد الأبقار والأغنام دون أن يصل تأثير ذلك إلى المستهلك. هذا اختراع حصري للمغاربة.
يقدّم ترامب رسومه الجديدة كعصا سحرية: سنُعيد الوظائف إلى أمريكا، سنُغلق مصانع الصين، سنُرغم أوروبا على التفاوض بشروطنا. لكن ما يغيب عن هذه المعادلة هو أن العالم لم يعد يتعامل بمنطق الحدود المغلقة. بل إننا في زمن سلاسل الإمداد العالمية:
تُصنع أجزاء السيارة موزّعة بين خمس دول، ثم تُركّب في سادسة، لتُباع في سابعة. وحين ترفع الرسوم على قطعة واحدة، تتأثر السلسلة بأكملها، من العامل في الدار البيضاء إلى المصنع في ميونخ، والمستهلك في ميشيغان.
قد يبدو للوهلة الأولى أن ترامب يفرض ضرائب على دول أخرى. لكن الواقع مختلف. الرسوم تُدفع في الموانئ الأمريكية، على يد شركات أمريكية، وتُمرر إلى المواطن الأمريكي. أي أن “التحرر الاقتصادي” الذي أعلن عنه ترامب، هو فعليا ضرائب جديدة على الأمريكيين أنفسهم.
هذا بالضبط ما حذّر منه كبار الاقتصاديين، أي ارتفاع في الأسعار، وبداية مرحلة تضخم جديد، وتراجع في الاستثمار، بل وحتى احتمال اندلاع ركود عالمي.
وبمجرد إعلان القرار، بدأت أرقام البورصات تتحرك فعلا، وأسواق الذهب شهدت هوسا جديدا، والدولار اهتزّ أمام العملات الأخرى.
وما أن أعلن ترامب “يوم التحرير”، حتى جاءته الردود من كل حدب وصوب، لا من الخصوم فقط، بل حتى من الحلفاء:
رئيس وزراء إيطاليا قال إن هذا الإجراء خاطئ ويُضعف الغرب؛ ورئيس الحكومة الأيرلندية قال إن الرسوم تضر بالناس والشركات؛ ورئيس وزراء السويد اعتبر أن حرية التجارة هي أساس ازدهار الغرب؛ فيما قالت الصين إن هذه الرسوم بمثابة “تنمّر اقتصادي”. أما المقصود الأول بهذه القرارات، أي الاتحاد الأوربي، وخاصة ألمانيا وفرنسا، فلوّحوا من جهة بالرد، وأعلنوا من جهة ثانية تفضيلهم خيار التفاوض.
في المجمل، كانت الرسالة كانت واحدة: ترامب فتح الباب على مصراعيه أمام حرب تجارية عالمية. والمثير أنه لا يخفي ذلك، بل يراه شرفا. “نحن لا نهاجم، نحن نُعيد التوازن”.
قد يقول قائل: المغرب بعيد، ولا يُصدّر سياراته إلى أمريكا بشكل مباشر، فما شأننا نحن؟
لكن الحقيقة أن الاقتصاد المغربي اليوم جزء من شبكة معقدة من سلاسل الإنتاج العالمية، خاصة في قطاع السيارات وقطع الغيار. فحين تتأثر أوروبا، تتأثر مصانع طنجة. وحين تُعاقب الصين، تتضرر استثماراتها في المغرب، لا سيما في مشاريع بطاريات السيارات الكهربائية.
قد لا تكون الصدمة مباشرة، لكنها عميقة ومؤجلة. سيحدث انخفاض في الطلب العالمي، وتراجع في الاستثمارات، واضطراب في الأسواق، وتوتر في أسعار المواد الأولية… كل ذلك سيصل إلى تازة في نهاية المطاف، وإنْ بعد حين.
ثم هناك سؤال استراتيجي يفرض نفسه: إذا تحوّل العالم إلى تكتلات مغلقة، تُفضّل التصنيع المحلي، وتُقلص الواردات، فماذا سيكون موقع المغرب في هذه الخارطة الجديدة؟ هل سيُنظر إليه كشريك منافس؟ أم قاعدة خلفية؟ أم مجرد محطة مؤقتة؟
إن ترامب لا يرى العالم كشبكة تعاون، بل كلوحة ربح وخسارة. لا يعنيه إن كانت الحرب التجارية ترفع الأسعار، أو تُفقر الشعوب، أو تُربك الأسواق. ما يهمه هو أن أمريكا، كما يقول: “لن تُسرق بعد اليوم”.
لكن الحقيقة، كما يقول الاقتصاديون، أن لا أحد يربح في حرب الرسوم. المستهلك يخسر، والمصنع يخسر، والمستثمر يتردد.
والمغرب، كاقتصاد صغير منفتح، معرّض لأن يجد نفسه وسط عاصفة لم يتسبّب فيها، ولا يملك أدوات حمايته منها.
في زمن العولمة، لا يوجد “داخل” و”خارج”. ما يحدث في واشنطن، تتردد أصداؤه في الدار البيضاء. وما يقرره ترامب اليوم، قد ينعكس على موائد المغاربة غدا.
“يوم التحرير” كما وصفه الرئيس الأمريكي، قد يتحوّل إلى يوم الحصار التجاري لكل من لا يملك القدرة على المناورة.
والأخطر، أنه قد يكون مقدمة لمرحلة جديدة عنوانها “أمريكا أولا… والباقي في غرفة الانتظار”.
فهل نحن مستعدون؟ أم أن المغرب، كما في أزمات كثيرة، سيظل يراهن على “هامش المناورة”، في انتظار أن تمرّ العاصفة… دون أن تحرقه؟