story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

بودرا: اتهام حراك الريف بالانفصال كان خطأ.. وملف الزفزافي يحتاج إلى انفراج

ص ص

أكد العمدة السابق لمدينة الحسيمة والبرلماني الأسبق محمد بودرا، أن ملف حراك الريف ما يزال جرحا مفتوحا في المنطقة، معتبرا أن الطريقة التي تم بها تدبير تلك المرحلة عمقت الأزمة بدل أن تفتح أفقا لحلها، ومشددا على أن اتهام الحراك بالنزعة الانفصالية كان خطأ سياسيا، لأن المطالب التي رفعت في الشارع كانت اجتماعية في جوهرها، مرتبطة بالشغل والصحة والتعليم وفك العزلة، لا بأي مشروع انفصالي .

وقال بودرا خلال حلوله ضيفا على برنامج “ضفاف الفنجان” الذي تبثه منصات صحيفة “صوت المغرب” إن ناصر الزفزافي، الذي وصفه بـ”ابن الحسيمة”، كان يعبر عن جزء من هذا الغضب الاجتماعي، معتبرا أن ملفه، إلى جانب باقي معتقلي الحراك، يحتاج اليوم إلى انفراج حقيقي، لأن مرور قرابة عشر سنوات على تلك الأحداث دون إغلاقها سياسيا وإنسانيا يطرح أكثر من سؤال.

وأضاف البرلماني السابق أن الاعتذار، حين يكون هناك خطأ، ليس ضعفا، وإنما من شيم الرجال، وأن الحوار والنقاش يظلان السبيل الوحيد لخلق جو الانفراج، بينما الذين لا يريدون إنهاء هذا الملف لا يقبلون بالحوار ولا بالنقاش ولا بأي مخرج سياسي.

شرارة “طحن مو”

وبالعودة إلى جذور الحراك، اعتبر بودرا أن وفاة محسن فكري كانت لحظة مأساوية، لكنها لم تكن وحدها كافية لتفسير حجم الغضب الذي انفجر بعدها، موضحا أن الشاحنة التي دهسته كانت تابعة للشركة المفوض لها تدبير النظافة، وأن ما وقع كان حادثة مأساوية وليست فعلا مقصودا، كما صُوِّر لاحقا.

وقال إن الروايات التي تحدثت وقتها عن “طحن مو” أو عن وجود نية مبيتة في الواقعة ساهمت في تأجيج الوضع، معتبرا أن هناك أطرافا كانت دائما تسعى إلى إحداث الوقيعة بين الريف والمركز، وهي نفسها التي اشتغلت على تضخيم الحادث وتوجيهه في اتجاهات سياسية معينة.

و لفت بودرا إلى أن الحادثة تحولت إلى رمز لدى المحتجين انذاك، مؤكدا أن أكثر من عشرين عاملا، بعضها موضوعي وبعضها مرتبط بتصفية الحسابات، جعلت تلك الواقعة تتحول إلى كرة ثلج انتهت بحراك واسع.

وأوضح أن من بين الأسباب الموضوعية لهذا الغضب أن فئات واسعة من شباب الحسيمة، خاصة العاطلين غير الحاصلين على شهادات عليا، لم يشعروا بأنهم استفادوا من الدينامية التنموية التي عرفها الإقليم، رغم أن أصحاب الشهادات العليا كانوا يستفيدون، بحسبه، من نوع من التمييز الإيجابي في مباريات التوظيف العمومي.

وأضاف بودرا أن فقدان الحسيمة لصفة مركز الجهة كان بدوره عاملا نفسيا وسياسيا في تأجيج هذا الإحساس، إلى جانب أخطاء النخب المحلية، من منتخبين وأحزاب، في تدبير العلاقة مع الشارع و المواطنين بشطل عام .

و أشار بودرا إلى أنه حاول في يناير 2017 تنظيم لقاء تواصلي لفتح النقاش، لكن المبادرة وُوجهت بالمقاطعة بدعوى أنه يريد “كسر الحراك”، معتبرا أن غياب الحوار والتواصل كان من الأسباب الرئيسية التي دفعت الأمور نحو مزيد من التطرف والتصلب.

20 فبراير ليست طبيعية

و بخصوص حركة 20 فبراير قال بودرا إن ما وقع في الحسيمة خلال تلك المرحلة ظل بالنسبة إليه أمرا “غير طبيعي” وغير مفهوم إلى حدود اليوم، متسائلا عن الكيفية التي جاء بها أشخاص من مناطق بعيدة إلى الحسيمة، وهم يحملون صفائح البنزين، للمشاركة في حرق بلدية الحسيمة.

وأوضح أن هذا الأمر يطرح علامات استفهام كبيرة، لأن البلدية تضم أرشيف السكان ووثائقهم الإدارية ومصالحهم اليومية، معتبرا أن استهدافها بالحرق لم يكن أمرا مفهوما أو مبررا، مضيفا أنه ظل يقول دائما إن الريف، تاريخيا، كان مجالا تتدخل فيه “أياد خفية” وتحركه في لحظات معينة، واصفا المنطقة بأنها كانت، عبر التاريخ، “مختبرا لعدد من المؤامرات المختلفة”، وهي أمور قال إنها تظل معقدة وصعبة الفهم.

وأشار إلى أن تلك الأحداث انتهت بخسارة خمسة شبان في مقتبل العمر، معبرا عن أسفه لما وقع، ومعتبرا أن ما جرى ظل مأساة إنسانية وسياسية في الوقت نفسه. وكشف أنه سبق أن وجّه سؤالا برلمانيا إلى وزير العدل آنذاك مصطفى الرميد بشأن أسباب وفاة هؤلاء الشباب، غير أن الملف، بحسب تعبيره، بقي مفتوحا، لأن الجهة التي أضرمت النار ظلت مجهولة.

وفي نفس السياق، تفاعل بودرا مع سؤال حول مسؤولية حزب الأصالة والمعاصرة ما بعد الربيع العربي في التوترات والاحتقان الذي عرفته المنطقة لاحقا، فأقر بأن الحزب ارتكب أخطاء خلال تلك المرحلة، في إطار ما وصفه بـ”النقد الذاتي”.

وأوضح أنه عندما يحصل حزب واحد على أغلبية ساحقة داخل الإقليم، كما حدث حين فاز الحزب بـ22 جماعة محلية، وسيطر على نحو 80 في المائة من الجماعات، فإن ذلك من الطبيعي أن يخلق انزعاجا لدى الأحزاب الأخرى، مضيفا أن هذا الانزعاج، حين يتراكم، قد يتحول إلى نوع من الاحتقان السياسي والاجتماعي، معتبرا أن ذلك كان من بين الأخطاء التي ساهمت في تأزيم الأوضاع.

منعطف تاريخي

وبالعودة إلى المصالحة بين الريف والدولة، اعتبر بودرا أن الزيارة الأولى للملك محمد السادس إلى الحسيمة سنة 1999 شكلت لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة ، معتبرا أن الانتقال إلى العهد الجديد شكل تغييرا كبيرا وثورة حقيقية في العلاقة بين الدولة والمنطقة.

وقال بودرا إنه لم يسبق له أن رأى، في حياته، إقبالا بهذا الحجم من سكان الإقليم والقرى المجاورة كما حدث خلال الزيارة الأولى للملك إلى الحسيمة سنة 1999، معتبرا أن تلك الزيارة كانت حدثا تاريخيا بامتياز، خاصة أن الملك أمضى ليلته في الحسيمة، رغم أن المدينة لم تكن، آنذاك، مؤهلة لاستقبال زيارة بهذا الحجم.

وأضاف أن الناس، بمجرد سماعهم بخبر قدوم الملك، خرجوا بشكل تلقائي إلى الطرقات؛ الصغار والنساء والرجال، من أجل استقباله. وقال إن الملك نزل إلى الساحة ومشى بين الناس وصافحهم واحدا واحدا، مؤكدا أنه تأثر شخصيا بذلك المشهد، كما أن الملك نفسه بدا متأثرا بحجم الاستقبال الشعبي والعفوي.

واعتبر بودرا أن ما كانت تنتظره الساكنة من تلك الزيارة لم يكن فقط المشاريع أو الوعود، بل المصالحة نفسها ،لافتا إلى أن الجميع كان يعتبر أن المرحلة السابقة كانت مليئة بالظلم وسوء الفهم والتقارير المغلوطة، و مضيفا أن العلاقة بين سكان الريف والملك كانت دائما علاقة وجدانية، لأن الملك، في نظرهم، ظل دائما رئيس الدولة، وخلافا لما يُروّج أحيانا، كان يمثل رمز الشرعية والسلطة في الريف.

وأكد رئيس الجماعة السابق أن الزيارة الأولى للملك محمد السادس إلى الحسيمة حملت ما يكفي من الإشارات القوية، من جانب الدولة ومن جانب المجتمع المحلي، موضحا أن من أبرز تلك الإشارات استقبال سعيد الخطابي، ابن عبد الكريم الخطابي، معتبرا أن ذلك كان تعبيرا عن إرادة مشتركة لفتح صفحة جديدة .

وأوضح أن تلك الزيارة أطلقت دينامية اجتماعية وسياسية جديدة داخل المنطقة، كما أعطت انطلاقة لعدد من المشاريع الكبرى،لافتا إلى أول توصية ملكية في تلك المرحلة و التي كانت إحداث مستشفى للأورام السرطانية، بسبب ارتفاع عدد المصابين بالسرطان في الريف، و مشيرا إلى أن المستشفى كان الثالث من نوعه في المغرب بعد الرباط والدار البيضاء، وهو ما اعتبره خطوة ذات دلالة قوية بالنسبة إلى سكان المنطقة.

زلزال نقمة و نعمة

و أكد أن تلك المشاريع تعززت أكثر بعد زلزال الحسيمة سنة 2004، من خلال ما عرف بالبرنامج الاستعجالي للنهوض بأوضاع الإقليم، ثم عبر الخطاب الملكي الذي وصفه بالتاريخي، والذي ألقاه الملك في ميناء الحسيمة في مارس 2005، وأعطى من خلاله الانطلاقة لسلسلة جديدة من المشاريع.

و عند استحضاره لزلزال الحسيمة سنة 2004، قال محمد بودرا إن الحدث كان مأساويا بكل المقاييس مشددا على أن تلك اللحظة كانت رهيبة حيث تحدث عن سقوط قتلى، خاصة في العالم القروي، حيث كانت البيوت المشيدة بالطين أكثر عرضة للانهيار الكامل ،موضحا أن عدد الضحايا بلغ، بحسب ما يتذكره، حوالي ستمائة شخص، وهو ما جعل الأمر يتحول إلى مأساة إنسانية حقيقية.

واستحضر في هذا الصدد ما وصفه بـ”الموقف الأبوي” للملك محمد السادس، الذي حل بالحسيمة بعد الزلزال وأقام خيمته في حي ميرادور، وظل هناك لفترة، في وقت كانت فيه الأرض ما تزال تشهد هزات ارتدادية.

وأضاف أنه يتذكر كيف كان الملك يتنقل شخصيا إلى المستشفى لزيارة المصابين، في وقت كانت فيه الأرض ما تزال تتحرك، معتبرا أن حضوره لم يكن مجرد حضور رسمي، بل كان يحمل دلالة عميقة، لأن حضوره الشخصي كان يعني، في نظر السكان، حضور الدولة بكل مؤسساتها. وقال: “حين يكون الملك في الحسيمة، لا نشعر بالخوف، لأن الجميع يكون حاضرا؛ الوزراء، والمسؤولون، وكل أجهزة الدولة”.

وبخصوص ما أثير آنذاك من حديث عن تأخر السلطات في التدخل ووصول المساعدات، أو عن وصول مساعدات من إسبانيا قبل وصول المساعدات المغربية، أوضح بودرا أن المغرب كان يواجه كارثة بهذا الحجم، وأن الأمر لم يكن يتعلق بالتقاعس بقدر ما كان يتعلق بحجم الصدمة وطبيعة التحدي.

وقال بودرا إنه كان محظوظا لأنه تولى رئاسة مجلس جماعة الحسيمة سنة 2003، وهي الفترة التي تلتها مباشرة مرحلة الزلزال وما رافقها من تنزيل مكثف للمشاريع وزيارات ملكية متكررة.

إلياس مناضل الحسيمة

وشدد بودرا على أن مرحلة ما بعد الزلزال أفرزت بالفعل مجموعة من النخب المحلية التي لعبت دور الوسيط بين المجتمع المحلي والمركز، موضحا أن ما بعد الزلزال، على وجه الخصوص، شهد بروز تنسيقيات للمجتمع المدني وفاعلين محليين أصبحوا لاحقا قنوات أساسية لنقل مطالب الساكنة إلى الدولة.

وأضاف أن من بين الأسماء التي برزت بقوة في تلك المرحلة إلياس العماري، الياس العمري الذي اعتبره صديقا ومناضلا حسب تعبيره كان له دور كبير في مرحلة معينة للإنصاف والمصالحة، و معتبرا أنه كان من أبرز الفاعلين الذين لعبوا دورا محوريا في إيصال عدد من مطالب الريف إلى دوائر القرار، ومن بينها مشروع الطريق الرابط بين الحسيمة وتازة.

وأوضح بودرا أن إلياس العماري كان صاحب فكرة إعداد ملتمس موجه إلى الملك بشأن هذا المشروع، مذكرا بأنه كان حينها رئيسا لجهة تازة–الحسيمة–تاونات. وقال إن الملتمس وُقّع من طرف جميع رؤساء الجماعات بإقليم الحسيمة، إضافة إلى رئيس المجلس الإقليمي، وتم رفعه باسم الجهة.

وأشار بودرا إلى أن هذه الوقائع تعود إلى سنوات 2004 و2005 و2006، أي قبل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، موضحا أن الحديث هنا يتعلق بمرحلة سابقة عن ظهور الحزب، وتحديدا في سياق ما كان يُعرف بحركة “لكل الديمقراطيين”.

وفي هذا السياق، كشف بودرا أن علاقته بإلياس العماري تعززت خلال تلك المرحلة، حين دعاه إلى أحد اجتماعات حركة “لكل الديمقراطيين”، التي كانت تضم شخصيات وفاعلين من انتماءات حزبية مختلفة، ولم يكن هدفها في البداية تأسيس حزب سياسي، بل كانت مبادرة ترمي إلى جمع القوى الديمقراطية والحداثية في مواجهة ما وصفه بـ”صعود اليمين الأصولي”، الذي كان يُنظر إليه آنذاك كخطر محتمل على الحريات والمكتسبات.

وأوضح أن الفكرة كانت تقوم على بناء جبهة ديمقراطية حداثية للدفاع عن الحريات والحقوق، مضيفا أنه شارك شخصيا في هذا المسار، بل إنه نظم لقاء جمع بين إلياس العماري وإسماعيل العلوي، الأمين العام السابق لحزب التقدم والاشتراكية.

وأضاف أن هذه المساعي لم تُفضِ في النهاية إلى تجميع تلك الأحزاب في إطار واحد، ليُتخذ بعد ذلك قرار تأسيس حزب سياسي جديد، هو حزب الأصالة والمعاصرة ، موضحا أنه انخرط في هذا المشروع بالنظر إلى انتمائه إلى الريف، وإلى قناعته بأن الحزب كان يتبنى آنذاك قضايا الإنصاف والمصالحة، والجهوية المتقدمة، وهي كلها ملفات كانت بالنسبة إليه مرتبطة مباشرة بمطالب المنطقة.

وأكد أن هذا الخيار لم يكن سهلا في ذلك الوقت، خصوصا داخل الحسيمة، معتبرا أن العرض السياسي الذي حمله الحزب الجديد كان مغريا بالنسبة إلى جزء من النخب المحلية، لأنه كان يطرح نفسه كامتداد لمسار المصالحة والإنصاف.

وتفاعلا مع سؤال ما إذا كان هناك اقتناع حقيقي آنذاك بأن عملية المصالحة مع الريف قد اكتملت كما ينبغي، أجاب بودرا بأن قناعته، فيما يخص الإرادة الملكية، كانت وما تزال “كاملة ومطلقة”، مضيفا أنه لا يشك إطلاقا في وجود إرادة حقيقية لدى الملك محمد السادس للنهوض بالمنطقة.

وخلص محمد بودرا إلى التاكيد على أن الإشكال لم يكن أبدا في الإرادة ، و إنما على مستوى تنفيذ تلك الإرادة على أرض الواقع، معتبرا أن هناك فرقا واضحا بين وضوح الرؤية السياسية في الأعلى، وبين الكيفية التي تُترجم بها تلك التوجيهات والمشاريع في مستويات التنفيذ والتدبير اليومي.

لمشاهدة الحوار كاملا يرجى الضغط على الرابط