story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
ثقافة |

بمجهود بحثي دام سنتين.. “أجي تفهم” يُعيد قراءة الذاكرة التاريخية للعلاقات المغربية الجزائرية

ص ص

وسط جدران “محكمة الباشا” العتيقة بحي الأحباس( الحبوس) في مدينة الدار البيضاء، لم يكن العرض ما قبل الأول للحلقة الثانية من سلسلة “أجي تفهم” مجرد لقاء ثقافي عابر، بل محطة فكرية اختار لها منظموها أن تكون مناسبة لفتح نقاش عميق حول الذاكرة التاريخية للمغرب الكبير، وخاصة العلاقات المغربية الجزائرية، عبر عمل بصري، يقوم على بحث “علمي دقيق امتد لسنوات داخل أرشيفات متعددة داخل المغرب وخارجه”.

ويأتي هذا المشروع، الذي أشرف عليه المؤرخ محمد نبيل ملين، وأخرجه مصطفى الفكاك الشهير بـلقب “سوينغا” وفريق عمل ضم أزيد من عشرين شاب وشابة مغربية، في إطار مقاربة تجمع بين البحث الأكاديمي الصارم والتقنيات السردية الحديثة، معتمداً على رسوم متحركة وسرد بالدّارجة المغربية لتقريب المحتوى التاريخي من الجمهور الواسع.

aji tefham

الحلقة الثانية، التي تم عرضها بشكل حصري مساء الجمعة الرابع والعشرين من أبريل، تتطرق للفترة الزمنية ما بين 1830 و 1847، تسلط الضوء على مرحلة مفصلية امتدت على مدى 17 سنة، حيث تُعد من أبرز محطات تاريخ المغرب الكبير، خلال عهد السلطان عبد الرحمان بن هشام وبروز مقاومة الأمير عبد القادر في الجزائر.

وتميزت هذه الحقبة ببداية التوسع الاستعماري الفرنسي انطلاقاً من الجزائر، وما رافقه من تحولات عميقة أثرت على توازنات المنطقة المغاربية وتسببت في احتلال المغرب من باب جارته الشرقية.

ويعكس هذا المشروع على مستوى الإنتاج المادي انخراطاً مجتمعياً لافتاً، ففي سابقة من نوعها؛ ساهم أكثر من مئة متبرع مغربي في تمويل هذا الإنتاج التاريخي، الذي كلف ميزانية مهمة، في دلالة على تنامي الاهتمام لدى الجمهور المغربي بإعادة قراءة التاريخ بشكل علمي وبسيط ومتاح للعموم.

وفي تصريح لصحيفة “صوت المغرب” على هامش هذا العرض، أوضح مصطفى الفكاك “سوينغا” أن الجزء الثاني من هذا العمل “جاء استجابة لانتظار الجمهور الذي دام لسنوات، مشيراً إلى أن تأخر إنجازه كان مرتبطاً بإعادة بناء فريق العمل من جديد “.

السوينغا

وأضاف المتحدث أن “المشروع لم يكن مجرد فكرة إنتاج بصري نحتفي بخروجها للوجود، بل تجربة تجمع بين تكوين شباب مغاربة في مجال الرسوم المتحركة، وإنجاز بحث أكاديمي تاريخي دقيق، يغني الأرشيف البصري التاريخي الوطني، بشراكة مع المؤرخ محمد نبيل ملين”.

وأكّد “سوينغا” أن “الهدف لم يكن الاكتفاء بإصدار عمل أكاديمي تقليدي، بل تحويل المادة التاريخية إلى وثائقي مبسط ومتاح للجمهور، يواكبه عمل علمي موازٍ، حتى يتمكن المتلقي من التفاعل مع تاريخه وفهمه بشكل أعمق”. 

وشدّد المتحدث على أن “هذا النوع من الأعمال يساهم في تعزيز الإحساس بالهوية والانتماء، من خلال ربط المغاربة بتاريخهم واكتشاف تفاصيل الحياة وأنماط التفكير في فترات سابقة”.

ومن جهته، قال المؤرخ محمد نبيل ملين إن هذا العمل يأتي امتداداً للحلقة الأولى “التي حققت انتشاراً واسعاً تجاوز ثلاثة ملايين مشاهدة، وهو ما شكّل حافزاً لمواصلة المشروع”.

وأوضح مٌلين، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “الحلقة الثانية، رغم تركيزها على فترة زمنية أقصر، تُعد مرحلة محورية في تاريخ المغرب والمنطقة، خاصة مع دخول فرنسا كقوة استعمارية بعد احتلال الجزائر سنة 1830، وما مثّله ذلك من تهديد مباشر للمغرب ولمصالحه”.

نبيل ملين

وأبرز المؤرخ أن إنجاز هذا العمل استدعى “بحثاً تاريخياً معمقاً دام نحو سنتين، شمل التنقيب في أرشيفات متعددة داخل المغرب وخارجه، من فرنسا وإسبانيا إلى بريطانيا والولايات المتحدة وتركيا، بهدف بناء سردية قائمة على مصادر معاصرة للأحداث، خضعت للتحليل والمقارنة النقدية” على حد قوله .

وأضاف ملين، أن المشروع يعتمد على مقاربة تجمع بين الدقة العلمية والبعد الفني لتبسيط التاريخ دون الإخلال بعمقه، مشدداً على أن الهدف هو الاستجابة لطلب مجتمعي متزايد على المعرفة التاريخية، باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء الهوية والمشترك الثقافي.

وخلص المؤرخ محمد نبيل ملين إلى التأكيد على أن سلسلة “أجي تفهم”، “ليست مجرد عمل وثائقي، بل هي محاولة لإعادة بناء الوعي التاريخي الجماعي، من خلال تقديم سردية متوازنة تضع المعرفة في خدمة النقاش العمومي، وتفتح الباب أمام فهم أعمق لجذور التوترات القائمة اليوم”.