بعد نصف عقد من “اتفاقات أبراهام”.. المغرب ضمن أعلى نسب الرفض الشعبي للتطبيع عربياً
رغم مرور نحو نصف عقد على توقيع اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل، ما يزال الرأي العام المغربي يرفض، بأغلبية ساحقة، الاعتراف بإسرائيل، في واحدة من أعلى نسب الرفض عربياً.
وحسب المؤشر العربي 2024/2025، الذي أعلن عنه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال ندوة صحافية يوم الثلاثاء 6 يناير 2025، فإن نحو 89 في المائة من المغاربة يعارضون اعتراف بلادهم بإسرائيل، مقابل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 6 في المائة تؤيد هذا الخيار، ما يضع المغرب في مصاف دول لم توقّع أصلاً اتفاقيات تطبيع.
ويُظهر التقرير، الذي يُعدّ أضخم مشروع مسحي يُنفَّذ في المنطقة العربية، أن نسبة التأييد للتطبيع في المغرب تراجعت بعد عام 2022، السنة التي جرى فيها توقيع الاتفاق، وهو ما يعكس تأثير الحرب على غزة وتصاعد الوعي الشعبي بطبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة على الاحتلال والاستيطان.
وأوضح التقرير أن أعلى نسب رفض الاعتراف بإسرائيل سُجِّلت في ليبيا والأردن بنسبة 96% و95% على التوالي، تليهما الكويت (94%)، ثم فلسطين (91%)، ولبنان (89%)، والمغرب وقطر (89%) لكل منهما، مشيراً إلى أن المستجيبين في إقليمي الخليج والمغرب العربي هم الأكثر رفضاً للاعتراف بإسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن نسبة المؤيدين للاعتراف بإسرائيل في المغرب انخفضت من 20% في عام 2022، مباشرة بعد توقيع اتفاق السلام، إلى 6% في استطلاع عام 2025، في حين ارتفعت نسبة الرافضين للاعتراف بإسرائيل في الكويت إلى 94% بعدما كانت 85% في عام 2022.
ويعكس هذا الانخفاض الحاد، البالغ 14 نقطة مئوية، داخل الرأي العام المغربي فجوةً متزايدة بين المسار الدبلوماسي الرسمي والمزاج الشعبي الذي بات أكثر تشدداً في رفض الاعتراف، إذ بلغت نسبة المعارضين للتطبيع في المغرب 89%.
وفي السياق ذاته، تؤكد نتائج المؤشر أن القضية الفلسطينية ما تزال تحظى بإجماع واسع داخل المجتمع المغربي، حيث يعتبرها معظم المستجوبين قضية جميع العرب، وليس شأناً فلسطينياً داخلياً، وهو موقف ظل ثابتاً عبر مختلف دورات المؤشر.
ولا يقتصر الرفض الشعبي على مسألة الاعتراف السياسي، بل يمتد إلى النظرة لإسرائيل باعتبارها أحد أبرز مصادر التهديد لأمن واستقرار المنطقة العربية، إذ ترى الأغلبية الساحقة من المستجوبين أن السياسات الإسرائيلية تشكل خطراً مباشراً على المنطقة.
ويربط التقرير هذا التحول الجذري بالتطورات الميدانية في الأراضي الفلسطينية، حيث أظهر أن 87% من مواطني المنطقة العربية يشعرون بضغط نفسي كبير بسبب الحرب على غزة. وبالنسبة للمغاربة، يرى 62% منهم أن فلسطين هي “قضية العرب جميعاً”، وهو ما يفسر عودة هذا الملف بقوة إلى صدارة الاهتمامات الشعبية في المغرب.
ويٌرجع التقرير أسباب هذا الرفض إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وسياسات التوسع والعنصرية، مشدداً على أن الدوافع سياسية وحقوقية بالأساس، لا دينية أو ثقافية.
وتكشف هذه النتائج عن فجوة واضحة بين القرار الرسمي والموقف الشعبي في المغرب، وتطرح تساؤلات جدية حول حدود التطبيع في ظل رأي عام لا يرى في إسرائيل شريكاً للسلام، بل طرفاً في صراع لم تُحسم جذوره بعد.
ويُعدّ المؤشر العربي استطلاعاً دورياً ينفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مختلف المجتمعات العربية منذ عام 2011، بهدف رصد اتجاهات الرأي العام العربي تجاه مجموعة من القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأساسية، من بينها تقييم المواطنين لأداء مؤسسات دولهم، واتجاهاتهم نحو الديمقراطية والقيم الديمقراطية.
كما يشمل الاستطلاع آراء المواطنين حول المشاركة السياسية، ودور الدين والتدين في الحياة العامة، وتقييم الظروف الإقليمية والسياسية في المنطقة، إضافة إلى تقييم سياسات القوى الإقليمية والدولية والقضايا الراهنة.
وقالت ليلى عمر، الباحثة في برنامج المؤشر العربي، خلال الندوة الصحافية، إن هذه النسخة ركزت بشكل خاص على الحرب على غزة والقضية الفلسطينية، والحرب في السودان، والحرب على لبنان، والعلاقات مع الغرب والثقافة الغربية، وطبيعة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشارت الباحثة إلى أنه جرى استطلاع آراء أكثر من 40 ألف مستجيب ومستجيبة موزعين على 15 بلداً عربياً، ما يجعل المؤشر أضخم مشروع مسحي في المنطقة العربية، سواء من حيث حجم العينة أو تنوع الموضوعات التي يغطيها.
من جانبه، قال محمد المصري، المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إن الاستطلاع، الذي نُفِّذ خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2024 وغشت 2025، تضمّن توجيه 162 سؤالاً موحداً لجميع المستجيبين في البلدان المشمولة، إضافة إلى أكثر من 500 سؤال خاص بمجتمعات عربية بعينها، ما يعني، بحسب قوله، أن “عدد المتغيرات التي يتضمنها هذا المؤشر يتجاوز ألف متغير، وهو حجم هائل”.