باحثة: إلغاء الساعة الإضافية صعب قانونياً لكن يمكن تحقيقه عبر آليات الضغط الشعبي

يستعد المغرب، يوم غد الأحد، للعودة إلى العمل بالساعة الإضافية، بإضافة ستين دقيقة إلى التوقيت القانوني، وذلك بعد شهر من العمل بتوقيت غرينيتش خلال شهر رمضان الكريم.
ورغم مرور أكثر من ست سنوات على اعتماد هذا التوقيت بشكل دائم، لا يزال الجدل حوله يتجدد في كل مرة. وخلال هذا العام، تصاعدت الأصوات المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية، وبلغت حد مناشدة الملك محمد السادس للتدخل، وذلك نظرا تداعياتها السلبية على الصحة النفسية والجسدية، خاصة لدى الأطفال والموظفين.
وفي مقابل ذلك، تؤكد الحكومة المغربية أن التوقيت الصيفي الدائم، الذي بدأ العمل به بشكل دائم في عهد حكومة سعد الدين العثماني، “يُعتبر إصلاحًا يهدف إلى الاقتصاد في الطاقة وتسهيل الارتباط مع الشركاء الاقتصاديين الدوليين”. إلا أن عددا من المغاربة يرون أن مبررات الحكومة لا تعكس الواقع اليومي للمواطن، بل يعتقدون أنها تُعلي من شأن المصالح الاقتصادية الأجنبية، وخاصة الفرنسية، على حساب راحة المواطن واحتياجاته وإيقاع حياته اليومية.
وتتخذ مطالب المغاربة بإلغاء الساعة الإضافية عدة أشكال، من بينها منشورات وتغريدات عبر منصات التواصل الاجتماعي تناشد الملك محمد السادس التدخل لإنهاء ما يصفه البعض بـ”الاعتداء على الراحة النفسية والجسدية للمواطنين”، كما ظهرت عبارات مثل: “أرحنا منها يا ملكنا” و”الساعة قهرتنا”، التي تعكس حجم التذمر الشعبي جراء العمل بهذا التوقيت.
وفي تعليقها على هذه الحملات ومدى تأثيرها في إحداث تغيير فعلي، أكدت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مريم ابليل، أن التعبير الشعبي الرافض للساعة الإضافية لا يزال محدودًا وغير مؤطر بما يكفي ليحدث تأثيرًا حقيقيًا على صناع القرار، مشيرة إلى أن صلاحية اتخاذ هذا القرار تعود إلى رئيس الحكومة أو إلى جهة أعلى ممثلة في رئيس الدولة، أي الملك محمد السادس.
ورغم ذلك، تقترح الباحثة، في حديثها مع صحيفة “صوت المغرب”، بعض الآليات الدستورية التي قد تساهم في إحداث تغيير، أبرزها تقديم عريضة شعبية ضمن آليات الديمقراطية التشاركية، مشيرة إلى أن تجميع توقيعات لفئات واسعة من المواطنين يمكن أن يشكل وسيلة ضغط على الحكومة، خاصة إذا تم ذلك بطريقة قانونية ومنظمة.
كما يمكن للمواطنين، وفقًا للمتحدثة، التوجه إلى المؤسسات الدستورية المستقلة، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومؤسسة الوسيط، لتقديم شكاوى جماعية وطلب إجراء دراسات تقييمية حول تأثيرات هذا القرار على الصحة العامة والراحة النفسية.
وعلاوة على ذلك، أبرزت ابليل إمكانية الترافع من داخل البرلمان من خلال تمثيليات حزبية تتبنى مطالب المواطنين وتطرحها في النقاش العام، في محاولة لتعديل هذا القرار من داخل المؤسسات التشريعية، لافتة إلى أن ذلك يظل مشروطًا بوجود إرادة سياسية حقيقية للتغيير.
وفي هذا الإطار، أصدرت الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب بيانًا عبّرت فيه عن رفضها الشديد لاستمرار العمل بالساعة الإضافية خارج فصل الصيف، مشيرة إلى أن القرار لا يراعي خصوصيات فصلي الخريف والشتاء، ولا ينسجم مع نمط حياة المواطنين في هذه الفترات.
واعتبرت الشبكة أن الساعة الإضافية تُعد “اعتداءً مستمرًا على راحة الأطفال والشباب والأسر”، مؤكدة أن هذا التوقيت الإجباري يزيد من الضغوط النفسية ويؤثر سلبًا على الاستقرار الأسري والاجتماعي، ودعت إلى العودة إلى التوقيت القانوني أو جعله موسميًا فقط.
كما طالبت الشبكة كذلك المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بإجراء دراسة شاملة لقياس الأثر الصحي والنفسي للساعة الإضافية، من أجل تقديم توصيات علمية لرئيس الحكومة ومؤسسة البرلمان.
ومن جهة أخرى، دعت ذات الشبكة المؤسسة البرلمانية إلى تفعيل دورها الرقابي في تقييم حصيلة اعتماد الساعة الإضافية، مشددة على ضرورة إعادة النظر في هذا القرار المثير للجدل في ضوء المصلحة العامة لا الاعتبارات التقنية أو الاقتصادية فقط.
وبالرغم من تصاعد الضغوط الشعبية، لم تُبدِ الحكومة إلى حدود اللحظة أية نية لإلغاء التوقيت الصيفي الدائم، مؤكدة أن هذا القرار يندرج ضمن اختصاصات السلطة التنظيمية، ومستندة في ذلك إلى “دراسة رسمية أُنجزت سنة 2019″، لم تُنشر تفاصيلها كاملة، والتي خلصت، وفق ما أُعلن، إلى “حصيلة إيجابية” لاعتماد هذا التوقيت.
ورغم تجدد الجدل خلال هذه السنة، امتنع مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، عن الرد على أسئلة الصحافيين المتعلقة بالساعة الإضافية، خلال الندوة الصحافية التي عقدها الخميس 3 أبريل 2025.
كما كان بلاغ صادر عن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بتاريخ 22 فبراير 2025، قد أعلن أن العودة إلى الساعة القانونية ستتم عند الساعة الثانية صباحاً من يوم الأحد 6 أبريل 2025.
وفي سياق متصل، بدا وزير الصناعة والتجارة متردداً في تقديم إجابة حاسمة بشأن الجدوى الاقتصادية للساعة الإضافية، وذلك خلال استضافته في برنامج “من الرباط“، حيث أقر بعدم امتلاكه معرفة دقيقة بالموضوع، مشيراً فقط إلى وجود دراسات تتحدث عن إمكانية تحقيق وفرة في استهلاك الطاقة يعادل ما تستهلكه مدينة بحجم مدينة مكناس، لكنه شدد على أنه لم يطلع على التفاصيل الكافية التي تؤكد صحة هذه المعطيات.
وفي هذا السياق، أوضح الوزير أن تأثير الساعة الإضافية على قطاعات الصناعة والخدمات والتجارة يبدو “هامشياً”، حيث أوضح أن التركيز منصب أكثر على القضايا الداخلية المرتبطة باقتصاد الطاقة بدلاً من الانشغال بالتأثيرات الخارجية، مشيرا إلى أن المغرب يستورد أكثر من 80% من احتياجاته الطاقية، مما يستدعي العمل على الانتقال الطاقي من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ولم تكف الأصوات الحقوقية بالمغرب، منذ إقرار الحكومة السابقة اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم سنة 2018، عن المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية والعمل بتوقيت غرينيتش، مبرزة أن “التخلي عن هذه الساعة المشؤومة صار ضروريا”.
وتقول الهيئات الحقوقية بالمغرب، إن قرار العمل بالساعة الإضافية “يخدم بدرجة أولى مصالح الشركات الأجنبية بالمغرب، وهو ما يضع استقلالية القرار الحكومي بالبلاد على المحك”، ويؤكد في نفس الوقت أن مثل هذه القرارات لا زالت تخضع لقوى ضغط خارجية ضدا على مصالح المواطنات والمواطنين”.
وكانت حكومة سعد الدين العثماني سنة 2018 قد نشرت تفاصيل الدراسة التي بررت من خلالها قرار العمل بالساعة الإضافية بشكل دائم، باستثناء شهر رمضان.
وأوضحت الدراسة أن، “عدم اعتماد توقيت واحد طيلة السنة يسبب اختلالات في الساعة البيولوجية واضطرابات هرمونية للأفراد”.
وأضافت الوثيقة ذاتها أن “77 في المئة من المستجوبين أكدوا أن تغيير الساعة القانونية يؤدي إلى اضطرابات في النوم خلال الأيام الأولى بعد العودة إلى الساعة القانونية، بينما اعتبر 70 في المئة منهم أنهم قد فقدوا ساعة إلى ساعتين من النوم”.
فضلا عن ذلك، أكد المصدر ذاته أن، “54 في المئة من الأشخاص الذين شملتهم الدراسة، انخفاضا في التركيز واليقظة خلال الفترة الأولى من تغيير التوقيت”، مبرزا أن “نسبة حوادث السير ارتفعت بنسبة 10 في المائة عند التغيير المتكرر للساعة”.
ويُؤطر هذا التغيير السنوي، للساعة القانونية، مقتضيات المادة الثانية من المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في 16 صفر 1440 (26 أكتوبر 2018) المتعلق بالساعة القانونية ولقرار رئيس الحكومة 3.17.23 الصادر في 13 من شعبان 1444 (06 مارس 2023) بتغيير الساعة القانونية للمملكة.