انتخابات 2026: هل تراهن الدولة على السياسة أم على إدارة الفراغ؟
لم تعد انتخابات 2026 مجرد استحقاق دستوري دوري، بل أضحت لحظة كاشفة لطبيعة الرهان الذي تختاره الدولة في علاقتها بالمجتمع. ولذلك، لم يعد السؤال الجوهري مرتبطا بمن سيفوز، بل بسبب استدعاء المواطن إلى صناديق الاقتراع وبالمعنى السياسي الذي يُطلب منه أن يمنح صوته باسمه.
أول ما يفرض نفسه في هذا السياق هو رهان الاستقرار بأي كلفة. غير أن تحويل الاستقرار إلى ذريعة دائمة لتجميد السياسة يقود بالضرورة إلى نتيجة عكسية، إذ يظهر المجتمع هادئًا في الظاهر، لكنه محتقن في العمق. فالدولة التي تراكم الاستقرار دون شرعية سياسية متجددة، إنما تراكم شروط الانفجار المؤجل، وتستبدل الفعل السياسي الحي بإدارة تقنية للزمن.
أما التحكم في المشهد الانتخابي، فقد تجاوز مرحلة الاتهام العابر ليصبح معطًى راسخا في الوعي العام. وحين تتحول الانتخابات إلى تمرين إداري مضبوط الإيقاع سلفًا، فإنها تفقد جوهرها الديمقراطي، ويتحول المواطن من فاعل سياسي إلى مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة لإضفاء شرعية شكلية على نتائج خالية من أي مضمون تمثيلي.
ويبرز في هذا الإطار رهان إعادة تدوير النخب الفاشلة، حيث يُعاد ترتيب المشهد الحزبي في كل محطة بالوجوه ذاتها، وبالخطاب ذاته، وبالوعود ذاتها، رغم حصيلة اجتماعية مثقلة بالإخفاقات. إن الإصرار على هذه النخب لا يعكس فقط ضعف الأحزاب، بل يكشف إرادة ضمنية في إبقاء السياسة بلا مخاطرة، حتى وإن كان ذلك على حساب الكفاءة والتمثيل الحقيقي.
وفي خضم هذا الانسداد، يكتسب إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار دلالة سياسية تتجاوز بعدها التنظيمي. فبينما قُدِّم القرار في صيغة احترام مبدأ التداول، فإنه يعكس في العمق وعيًا بكلفة المرحلة المقبلة، ومحاولة استباقية لإعادة ترتيب الواجهة الحزبية قبل دخول انتخابات يُدرك الجميع أنها ستكون صعبة ومحمَّلة بالاحتقان الاجتماعي.
إن انسحاب أخنوش من قيادة الحزب لا يعني بالضرورة خروجه من دائرة التأثير، بل يمكن قراءته كفصل محسوب بين المسؤولية الحزبية وكلفة الحصيلة الحكومية. وذلك في سياق يسعى فيه الحزب إلى تخفيف الحمولة الرمزية المرتبطة بالسياسات العمومية، وتقديم واجهة أقل استهلاكا سياسيا دون المساس بجوهر الاختيارات الكبرى.
وتكشف هذه الخطوة عن منطق أوسع يحكم الاستعداد لانتخابات 2026، وهو منطق الهندسة الاستباقية للمشهد الانتخابي عبر تغيير الواجهات وتقليص المخاطر، بدل فتح نقاش سياسي حقيقي حول الحصيلة والاختيارات. وهو ما يعيد طرح السؤال المؤجل نفسه، والمتعلق بكون الأمر يتعلق بتجديد فعلي للنخب والبرامج أم فقط بإعادة تسويق سياسي للمرحلة ذاتها بأدوات مختلفة.
وفي ظل هذا كله، تُستعمل انتخابات 2026 كآلية لامتصاص الغضب الاجتماعي، بدل معالجة جذوره. فالأزمات الحقيقية، من غلاء المعيشة إلى تراجع الخدمات العمومية وتآكل القدرة الشرائية، تُرحَّل من استحقاق إلى آخر، بينما يُطلب من المواطن أن يمنح الثقة ذاتها للأدوات نفسها التي راكمت الأزمة بدل حلها.
أما رهان الصورة الخارجية، فقد أصبح بدوره رهانا قصير النفس، لأن العالم لم يعد ينخدع بانتخابات منظمة تقنيا ومفرغة سياسيا. ولم تعد المؤشرات الحقيقية تتعلق بعدد مكاتب التصويت، بل بنسبة العزوف، ومستوى الثقة، وقدرة المؤسسات المنتخبة على اتخاذ قرارات مستقلة ذات أثر اجتماعي ملموس.
إن أخطر ما قد تُقدِم عليه الدولة في انتخابات 2026 هو الخلط بين الهدوء والرضا، وبين غياب الاحتجاج ووجود القبول. فالصمت لا يعني الدعم، والعزوف لا يعني الحياد، بل هو في كثير من الأحيان تعبير صريح عن انسحاب جماعي من لعبة سياسية فقدت معناها ولم تعد قادرة على إقناع أحد بجدواها.
وهنا تحديدا يتجلى جوهر المأزق، لأن الدولة التي تراهن على إدارة الفراغ بدل ملئه بالسياسة، إنما تؤجل مواجهة السؤال الأساسي بدل الإجابة عنه. فإفراغ السياسة من محتواها لا يُنهي الحاجة إليها، بل يجعل عودتها أكثر كلفة حين تفرض نفسها في شكل أزمة مفتوحة.
إن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 لا يتعلق بضبط النتائج، ولا بإعادة ترتيب الواجهات، ولا بتدوير النخب، بل يتعلق بإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها مجالا للتنافس الحقيقي والمساءلة والتداول، وبالإرادة الشعبية باعتبارها مصدر الشرعية لا عبئًا يجب التحكّم فيه.
ودون هذا التحول الجذري، ستظل الانتخابات مجرد طقس متكرر، يُدار فيه الانسداد بدل كسره، وتُؤجل فيه الأسئلة بدل مواجهتها، ويُطلب فيه من المواطن أن يشارك لا لأنه يؤمن بالاختيار، بل لأنه مدعو إلى تزكية غياب الاختيار.
وفي السياسة كما في التاريخ، فإن أخطر القرارات ليست تلك التي تُتخذ، بل تلك التي يُصرّ على تأجيلها، لأن كلفة السؤال المؤجل تكون دائما أعلى من كلفة الجواب الشجاع.