تداعيات فوز المحافظين في الانتخابات التشريعية على مستقبل الجالية المغربية في ألمانيا

حقق التحالف المسيحي المحافظ، بزعامة فريدريش ميرتس، فوزًا في الانتخابات التشريعية الألمانية التي جرت يوم الأحد 24 فبراير 2025، بنسبة بلغت 28.52% بعد حصوله على 208 مقاعد من الأصوات، ما يعزز موقعه في تشكيل الحكومة الجديدة.
ومن جهته، حقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بزعامة أليس فايدل نتائج تاريخية، حيث حصل على 152 مقعدًا بنسبة 20.8% من الأصوات، ما يجعله القوة السياسية الثانية في ألمانيا، في سابقة منذ الحرب العالمية الثانية.
ووصول التحالف المحافظ بقيادة فريدريش ميرتس الذي يحمل مواقف متشددة تجاه الأجانب والمهاجرين يفتح العديد من الأسئلة المشروعة بخصوص مستقبل الجالية المغربية المقيمة بألمانيا، وواقع اليمين في ألمانيا.
تنامي اليمين
في هذا السياق، أكد الباحث المتخصص بالشأن الأوروبي عبد الله مشنون بأن “المشهد يعكس نهاية فصل سياسي وبداية آخر غير محسوم المعالم.”
ويُرجع مشنون في تصريحه لصحيفة “صوت المغرب” بأن صعود التحالف المسيحي المحافظ راجع إلى استغلاله للمخاوف الاقتصادية والأمنية، حيث يتبنى الحزب خطابًا مشبعًا بكراهية الآخر، خاصة تجاه المهاجرين، متهمًا إياهم بتحمل مسؤولية الأزمات الداخلية في البلاد.
وهو ما أكده عبد الصمد اليازدي، رئيس المجلس الإسلامي بألمانيا؛ حيث يرى أن فوز الحزب الديمقراطي المسيحي راجع لاعتماده على خطابٍ معاديٍ للمهاجرين والأجانب خلال حملته الانتخابية، مشيرًا إلى أن “هذا الحزب تبنّى خطاب اليمين المتطرف واستعمله بشكل واضح”.
وأضاف اليازدي، أن تصاعد الخطاب الشعبوي المناهض للمهاجرين لم يقتصر على الأحزاب اليمينية، بل امتد إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، حيث يرى أنَّ “الأحزاب التقليدية بدأت تتبنى لغة اليمين المتطرف وتهاجم اللاجئين بشكل متزايد.”
ومن جانبه يرى منتصر حمادة، رئيس مركز المغرب الأقصى للدراسات والبحوث والمكلف بمهمة في مجلس الجالية المغربية بالخارج، أن هذه النتائج تكرّر سيناريوهات مماثلة شهدتها دول أوروبية خلال العقد الأخير، مثل السويد التي شددت قوانين الإقامة وفرضت قيودًا على ولوج سوق العمل للأجانب، ما يعكس توجهًا عامًا نحو السياسات المعادية للمهاجرين بمن فيهم المغاربة.
وأوضح حمادة في تصريحه لصحيفة “صوت المغرب” أن توظيف الخطاب العنصري والتشدد ضد الأجانب أصبح قاسمًا مشتركًا في خطابات أغلب الأحزاب اليمينية في أوروبا، مشيرًا إلى أن: “هذه الأحزاب تستغل تصاعد المشاعر القومية لاستقطاب الناخبين، حتى لو كان ذلك على حساب قيم التعددية والانفتاح.”
سياسات ضد المهاجرين والمسلمين
وبخصوص آثار هذه الانتخابات على المهاجرين المغاربة، يرى اليازدي أن نتائج الانتخابات ستدفع المشهد السياسي في ألمانيا نحو اليمين، مما قد يؤدي إلى سياسات أكثر صرامة تجاه الأجانب بمن فيهم المغاربة، بغض النظر عن مدى اندماجهم وإسهاماتهم الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما ” قد يؤدي إلى انعكاسات خطيرة على الأجانب والمجتمع ككل”.
ويتوقع رئيس المجلس الإسلامي بألمانيا أن تشهد المرحلة القادمة تصعيدًا في التضييق على المسلمين في البلاد، مشيرًا إلى احتمالية فرض قيود أكبر على بناء المساجد وممارسة الحقوق الدستورية المتعلقة بحرية الدين.
وأضاف أنَّ “ما هو قادم سيكون صعبًا بلا شك، ولكن بالحضور السياسي القوي والتكاثف مع القوى الديمقراطية، يمكن التغلب على هذه الأزمة.”
ومن جهته يشير حمادة إلى أن تصاعد الأحزاب اليمينية المتطرفة لا يؤثر فقط على المهاجرين بمن فيهم المغاربة، بل يخلق أيضًا ردود فعل داخل المجتمعات الأجنبية نفسها، إذ يساهم الخطاب اليميني المتشدد في تعزيز تيارات التشدد داخل بعض الجاليات المسلمة.
وحذر حمادة من أن استمرار الخطاب الشعبوي اليميني قد يؤدي إلى تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، ليس فقط في ألمانيا، ولكن على مستوى أوروبا ككل، مما يهدد بزيادة الاستقطاب داخل المجتمعات الأوروبية.
مشاركة المغاربة في الانتخابات
رغم هذه التحديات، أشار اليازدي إلى أن هناك مؤشرات إيجابية، من بينها أن الجالية المسلمة، والمغاربة على وجه الخصوص، بدأوا في إدراك أهمية المشاركة السياسية.
وأكدَّ إن هناك “وجود وعي سياسي أكبر (لدى المغاربة) مقارنة بما كان عليه في السابق، حيث أدرك المواطنون الألمان من أصول مغربية، ومن أصول أخرى، أن من واجبهم الوطني، بل ومن مسؤوليتهم الدينية، التصدي للتيارات المتطرفة.”
وأوضح اليازدي أن نسبة المشاركة بين المسلمين كانت أعلى مما كانت عليه في الانتخابات السابقة، لكن هناك حاجة إلى تحليل معمق لفهم تأثير هذه المشاركة على النتائج السياسية.
وشدد نفس المتحدث على أهمية تكاثف الجاليات المسلمة مع القوى الديمقراطية والمعتدلة، سواء داخل الأوساط الإسلامية أو من خلال التعاون مع الكنائس والطوائف الدينية الأخرى، بهدف الدفاع عن قيم التعددية والديمقراطية.
وخلص اليازدي إلى أن مواجهة هذا التحدي ليست مسؤولية المسلمين وحدهم، بل مسؤولية جميع الديمقراطيين في ألمانيا.