story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

الوكلاء في كرة القدم.. مهنة رسم المسارات خارج الملاعب

ص ص

في الأخبار التي راجت خلال الآونة الأخيرة حول “استقالة” الناخب الوطني وليد الرگراگي، ونفي الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم للخبر، برز طرف ثالث في المشهد منذ انتهاء كأس إفريقيا للأمم الأخيرة بالمغرب، ويتعلق الأمر بوكيل أعمال الرگراگي الفرنسي موسى سيسوكو الذي يُعتبر من الوكلاء المؤثرين في أوروبا، وسبق له أن مثّل نجومًا كبارًا مثل عثمان ديمبيلي وإدوارد كمافينگا وآخرين من الجيل الفرنسي الجديد، وكان قد بدأ مسيرته كـ“مستشار” ثم أصبح أحد أبرز وكلاء اللاعبين في فرنسا، ومعروفًا بعلاقاته القوية في سوق الانتقالات.

سيسوكو أشارت إليه الكثير من أصابع الإتهام في تسريب خبر استقالة وليد الرگراگي، بهدف الضغط على جامعة فوزي لقجع، من أجل إعفاء الناخب الوطني، وتحدثت العديد من المصادر الإعلامية المغربية عن عرض مغر حمله الوكيل الفرنسي من المملكة العربية السعودية للرگراگي يتضمن الإشراف على منتخبها في كأس العالم 2026.

الحديث عن وكيل أعمال وليد الرگراگي يدفعنا إلى تسليط الدور على هذه المهنة التي تتزايد أهميتها كثيرا في عالم كرة القدم اليوم، بعدما شهدت الكثير من التأطير والتقنين والتخصص، وأيضا من التشابك مع عوالم المال والأعمال والتجارة والتسويق.

تخصصات وكيل الأعمال

يعمل وكيل اللاعب، سواء كان فردًا أو شركة، على كل ما يخص اللاعب باستثناء لعب كرة القدم. ويمكن وصفه بأنه ممثل اللاعب في جميع شؤونه، فهو مدير أعمال وممثل علاقات عامة في خدمته. وعادةً ما يحصل على نسبة من كل الأرباح التي تُودَع في حساب اللاعب.

ولا يُعد وجود وكيل أمرًا إلزاميًا، إلا أن إدارة الشؤون الخاصة قد تكون صعبة على اللاعب بمفرده، مما يدفعه إلى تعيين وكيل محترف، أو اختيار أحد أفراد العائلة ممن يثق بهم، كما فعل كيليان مبابي حين وكّل والدته، فايزة العماري، لتمثيله.

تتمحور مهمة الوكيل حول إدارة المسيرة المهنية للاعب، إذ يتفاوض مع الأندية بشأن الانتقالات والتعاقدات، ويبحث عن فرص الرعاية المناسبة ويمثّل اللاعب فيها، فضلًا عن تنظيم شؤونه التسويقية، بما في ذلك إدارة حساباته على منصات التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، يحصل الوكيل على نسبة من دخل اللاعب، سواء من مرتبه أو مصادر أخرى، وقد يصل الأمر إلى حصوله على جزء من قيمة التوقيع مع نادٍ جديد.

مظاهر جشع الوكلاء

يربح الوكيل من كل مبلغ يدخل إلى حساب اللاعب، ومصلحتُه، بطبيعة الحال، أن يجني اللاعب كل ما يمكن جنيه طوال مسيرته، ليحصل هو بدوره على مبلغ أكبر من وراء ذلك. ويسعى بعض الوكلاء جاهدين لدفع لاعبيهم نحو الأندية التي تقدم عروضًا مالية أكبر، ومنهم من يُقنع اللاعب بمغادرة ناديه لما يبدو “أفضل له”، بينما الواقع أنه الأفضل فقط للوكيل.

يتذكّر الكثيرون قصة رحيل روبينيو، مهاجم ريال مدريد السابق، من الميرينغي إلى مانشستر سيتي. فقد ضغط وكيله على إدارة ريال مدريد للسماح ببيعه، ورفض تجديد عقده، رغم أن اللاعب كان مرتبطًا شفهيًا بتشيلسي، كما أكّد الرئيس التنفيذي السابق للنادي الإنجليزي. وفي اليوم الأخير من سوق الانتقالات، وجد روبينيو نفسه في مانشستر سيتي، الذي دفع 42 مليون يورو مقابل ضمه، مع راتب أسبوعي قدره 160 ألف يورو. وفي الشهر نفسه، أنهى روبينيو علاقته بوكيله، فاغنر ريبيرو، ليُوكل والده بدلًا منه.

ويظهر مينو رايولا، المعروف بلقب “الوكيل السوبر”، في أذهان كثيرين عند الحديث عن ألاعيب الوكلاء. وتبرز في الذاكرة صفقة انتقال بول بوغبا من يوفنتوس إلى مانشستر يونايتد مقابل 105 ملايين يورو، ليعود إلى ناديه السابق. كان رايولا قد عرض اللاعب على ريال مدريد ومانشستر يونايتد، حيث بلغ عرض ريال مدريد نحو 100 مليون يورو.

سعى الراحل رايولا لإرسال بوغبا إلى مانشستر يونايتد، والذي قدم عرضًا بلغ 123 مليون يورو متضمنًا الإضافات، إلى جانب 24 مليون يورو كعمولة حصل عليها رايولا من يوفنتوس. وبعقدٍ تبلغ قيمته 65 مليون يورو على مدى خمس سنوات، أصبح بوغبا من أعلى اللاعبين أجرًا. وبعد ثلاث سنوات، بدأ رايولا يروّج لرحيل بوغبا مجددًا، على أمل أن يتقدّم ريال مدريد بعرض ضخم. لكن محاولاته باءت بالفشل، وانتهى عقد بوغبا في 2022 دون تجديد، ليعود إلى يوفنتوس مجانًا.

وتتفاقم المشكلات في الدوريات الأدنى أو في البطولات الصغيرة خارج أوروبا، حيث تنتشر حالات الاستغلال بحق اللاعبين الشباب الذين ما زالوا في بداية مسيرتهم. وقد روى جورجينيو، لاعب وسط منتخب إيطاليا، قصة استغلاله من قبل وكيله الذي نقله من البرازيل إلى نادي هيلاس فيرونا. وحينها، لم يكن للنادي فريق ناشئين يشارك في الدرجة الأولى، مما دفعه للتدرب في نادٍ محلي يُدعى بيريتي.

تعرّف جورجينيو على لاعب برازيلي آخر في الفريق، وخلال حديثهما، كشف له عن مرتبه الأسبوعي، والذي كان 20 يورو فقط. لاحقًا، اكتشف أن وكيله كان يختلس راتبه الذي يُحوّل من هيلاس فيرونا. وكان جورجينيو على وشك اعتزال كرة القدم لولا تدخل والدته، التي أعادته إلى المسار الصحيح، ليصبح لاحقًا أحد أبرز لاعبي خط الوسط الدفاعي في جيله

قوانين صارمة من الفيفا

غابت القوانين طويلًا عن عالم وكلاء اللاعبين، فلم تكن هوامش ربحهم ولا مكافآت التوقيع الخاصة بهم محددة بنسبة واضحة، بل كانت تعتمد على طبيعة الاتفاق بين الوكيل واللاعب، وأحيانًا النادي، دون وجود نظام يضبط هذه الاتفاقات. وقد تمكّن وكلاء، مثل مينو رايولا، من تحصيل عمولات ضخمة تجاوزت 25 مليون يورو، في ظل تفاوت النسب المُقتطعة من رواتب اللاعبين بين وكيل وآخر.

وفي عام 2023، أقرّ الاتحاد الدولي لكرة القدم، الفيفا، مجموعة من القوانين التي تنظم عمل وكلاء اللاعبين وتحدد نسب أرباحهم. بات من الضروري أن يوقّع الوكيل عقدًا مكتوبًا مع اللاعب، مدته القصوى عامان، يوضح فيه الخدمات التي سيقدمها والنسب المالية التي سيحصل عليها. وبدون هذا العقد، لا يحق للوكيل المطالبة بأي مستحقات.

وأبرز ما جاء في القانون هو تحديد سقف العمولة بنسبة 5% من الرواتب والحوافز التي تقل عن 200 ألف دولار سنويًا، و3% لما يتجاوز ذلك. وتُطبق هذه النسب على الرواتب والحوافز فقط. وتشمل الحوافز مكافآت الأداء، مثل الفوز بالبطولات أو تسجيل عدد معين من الأهداف، لكنها لا تشمل أي مزايا عينية من النادي، مثل السكن أو التنقلات. كما لا يجوز للنادي دفع أي مبالغ للوكيل، إلا في حال الاتفاق المسبق مع اللاعب على سداد مستحقات العقود الجديدة، بشرط أن تكون من فئة ما دون 200 ألف دولار.

ومن الجدير بالذكر أنه يحق للوكيل الحصول على عمولة بنسبة 6% من قيمة التعاقد بين اللاعب والنادي الجديد، بشرط أن يكون هو وكيل اللاعب، وكذلك وكيلًا لأحد اللاعبين في النادي المُستقطِب. ولا يُسمح له بالمطالبة بأي مدفوعات إضافية خارج هذه الشروط.

وكلاء مع مصلحة موكليهم

يختلف وكيل عن آخر، وكما لا يشبه أحد في هذا العالم غيره، فمن الطبيعي أن يُركّز بعض الوكلاء على جوهر وظيفتهم الأساسية: رعاية اللاعبين وخدمتهم. هؤلاء يضعون تطور اللاعب ومصلحته في المقام الأول، ولا يشغلهم جمع أكبر قدر ممكن من المال.

وتبرز أمثلة مثل كاراباو ماثانج، أول وكيلة لاعبين في تاريخ جنوب أفريقيا، ورئيسة شركة PManagement، التي كرّست جهودها لتطوير المواهب الشابة، خصوصًا من المناطق النائية. كما كانت أول من بادر بتشكيل جمعية لوكلاء اللاعبين في بلادها، سعيًا للتخلص من ظاهرة الوكلاء غير المرخصين.

وحتى إن كان الوكيل من كبار الأسماء في المجال، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يلهث خلف المال. يظل فرانك تريمبولي، الوكيل الأسترالي التابع لوكالة CAA Sports، من الأسماء البارزة التي أولت اهتمامًا حقيقيًا بمسيرة لاعبيها. فقد نصح سون هيونغ مين سابقًا بالبقاء في توتنهام لما في ذلك من مصلحة فنية له، كما عمل مع جيمس ماديسون لضمان أفضل انتقال ممكن لمسيرته، والذي تم إلى توتنهام، النادي الذي كان في حاجة فعلية لنوعيته، ما وفّر له فرصة اللعب كأساسي ضمن أحد أبرز أندية إنجلترا.

مهنة تضيق بأصحابها

يظل الوكيل حلقة الوصل بين اللاعبين والأندية، ولكلٍ منهم طريقته الخاصة في التعامل مع الآخر. ويبقى القرار النهائي دائمًا بيد النادي واللاعب، فلا يمكن للوكيل أن يتحول إلى مجرد “سمسار” إلا في بيئة تسمح بذلك.

وهذا ما يجعل بعض الأندية ترفض التعاقد مع لاعب بسبب وكيله، كما يدفع بعض اللاعبين إلى تغيير وكلائهم أكثر من مرة خلال مسيرتهم. ومع سن قوانين جديدة تُقيد صلاحياتهم بشكل متزايد، قد يجد الوكلاء أنفسهم مضطرين لوضع مصلحة اللاعب في مقدمة أولوياتهم، وربما يتجه بعضهم مستقبلًا إلى وظائف أخرى تُحقق طموحاتهم المادية.