story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

المغرب و السنغال: من الروابط الروحية إلى حسابات الجيوبوليتيك

ص ص

لطالما قُدِّمت العلاقات المغربية–السنغالية كنموذج استثنائي داخل الفضاء الإفريقي، ليس فقط بحكم عمقها التاريخي، ولكن أيضاً بسبب ما يميزها من استمرارية سياسية وثقة متبادلة قلّ نظيرها في العلاقات بين الدول الإفريقية. فمنذ مرحلة ما بعد الاستقلال، تشكل محور الرباط–داكار كأحد الأعمدة الهادئة في الدبلوماسية الإفريقية للمغرب، قائم على مزيج من الروابط الروحية، والتقارب السياسي، والتعاون جنوب–جنوب. غير أن ما يمنح هذه العلاقة طابعها “الاستثنائي” اليوم، ليس فقط تاريخها، بل قدرتها على الصمود داخل بيئة إقليمية تشهد تحولات عميقة تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في غرب إفريقيا والساحل.

فالسنغال تعيش في السنوات الأخيرة على إيقاع تحول سياسي لافت، أفرز قيادة جديدة تختلف في خلفياتها وتصوراتها عن النخب التي طبعت المشهد السياسي منذ عهد سنغور، مروراً بعبد الله واد، وصولاً إلى ماكي سال. إن بروز جيل سياسي صعد من سياق احتجاجي واجتماعي مختلف، ومرّ عبر مسارات صدام مع السلطة قبل أن يصل إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، يعكس تغيراً في الذهنية السياسية أكثر مما يعكس قطيعة مع ثوابت الدولة. فالسنغال ما تزال دولة مؤسسات، لكنها اليوم تُدار بعقل سياسي ينتمي إلى موجة إفريقية جديدة تؤمن بتنويع الشراكات، وتغليب منطق المصالح الوطنية، والتعامل البراغماتي مع القوى الدولية الصاعدة، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية الجاهزة.

هذا المعطى يضع العلاقات المغربية–السنغالية أمام لحظة مراجعة هادئة. فطبيعة الأنظمة الديمقراطية تجعل السياسة الخارجية أكثر حساسية للتحولات الداخلية، وأكثر ارتباطاً بالرهانات الاجتماعية والاقتصادية. ومن ثمّ، فإن أي علاقة، مهما كان رصيدها التاريخي عميقاً، لا يمكن التعامل معها باعتبارها “مضمونة” بشكل دائم. الرأسمال الرمزي مهم، لكنه لا يكفي وحده في عالم تتحول فيه التحالفات وفق منطق المصالح والنتائج.

لقد بنى المغرب حضوره في السنغال على رصيد تاريخي وروحي وسياسي وازن، وكان للروابط الدينية، وخاصة من خلال الطريقة التيجانية، دور أساسي في ترسيخ جسور الثقة. غير أن هذه الروابط، على أهميتها، لم تعد سوى دعامة من بين دعائم متعددة، بعد أن أصبحت الدول الإفريقية، ومنها السنغال، تنظر إلى شراكاتها من زاوية العائد التنموي، ونقل الخبرة، وخلق الفرص، ودعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وفي المقابل، تتحرك قوى إقليمية ودولية بنشاط متزايد في غرب إفريقيا، في سياق يتسم بتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي، وصعود خطاب سيادي وطني، وبروز فاعلين جدد يسعون إلى تثبيت موطئ قدم استراتيجي في المنطقة.

في هذا المناخ التنافسي، لم يعد عمق العلاقة التاريخية كافياً بذاته، بل أصبح من الضروري ترجمة هذا العمق إلى شراكات ملموسة في قطاعات حيوية، من قبيل الطاقة، والتكوين، والخدمات، والبنية التحتية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الأكاديمي والثقافي الموجه نحو الأجيال الجديدة. فالمطلوب هو الانتقال من دبلوماسية الذاكرة إلى دبلوماسية المصالح المتبادلة، ومن منطق الاطمئنان إلى الماضي إلى منطق الاستثمار في المستقبل.

كما أن التحولات الإقليمية تفرض بدورها قدراً أكبر من اليقظة. فالأحداث التي عرفها المحيط الإفريقي في السنوات الأخيرة، وما صاحب بعض المناسبات القارية من توترات وخطابات مشحونة، بيّنت أن حتى العلاقات التي تبدو مستقرة يمكن أن تتأثر بمناورات إقليمية أو حملات موجهة. وهذا يذكّر بأن البيئة الإفريقية لم تعد خالية من التنافس الحاد على النفوذ والتموقع، وأن إدارة العلاقات تقتضي قراءة استباقية دائمة، لا افتراض الاستقرار الدائم.

إن العلاقات المغربية–السنغالية لا تمر بأزمة، لكنها تعيش مرحلة إعادة تعريف هادئة في سياق إقليمي ودولي متغير. وإذا كان التاريخ قد صنع الثقة بين البلدين، فإن المرحلة الراهنة تفرض تجديد أدوات هذه الثقة وتوسيع مضامينها. فالصداقة التي لا تتطور قد تضعف بصمت، أما الشراكة التي تتجدد على أساس المصالح المشتركة والرؤية المتقاسمة للمستقبل، فهي وحدها القادرة على الصمود في عالم لا يعترف بالفراغ، ولا يمنح الامتيازات الدائمة لأحد.

وعليه، يمكن قراءة ما حدث على هامش نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال، وما رافقه وتلاه من تفاعلات، بميزان السياسة لا الرياضة فقط. فمثل هذه اللحظات، رغم طابعها العاطفي والظرفي، تكشف حجم التداخل بين الرمزي والجيواستراتيجي في الفضاء الإفريقي، وتُذكّر بأن المزاج العام، والخطاب الإعلامي، وحركية الفاعلين في الظل، قد تتحول أحياناً إلى مؤشرات مبكرة على تحولات أعمق. ومن هذه الزاوية، قد يشكل ذلك الحدث منبهاً إيجابياً للمغرب من أجل تعزيز يقظته الدبلوماسية، وتحصين شراكاته الإفريقية، وعدم التعامل مع أي علاقة – مهما بدت راسخة – خارج منطق المتابعة الدائمة، والتجديد المستمر، والقراءة الاستباقية للتحولات.