story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

المسخ السياسي

ص ص

أخطر ما يحصل معنا هذه الأيام، ونحن على بعد أسابيع قليلة من انتخابات 23 شتنبر، ليس انتقال برلماني من حزب إلى آخر، ولا انفجار اتهامات داخل حزب عريق بتحويل التزكية إلى بورصة مالية، ولا تراشق وجهين قياديين من الحزبين الأول والثاني في الحكومة نفسها والأغلبية عينها؛ كل هذا سيئ بما يكفي، لكن الأخطر منه أن يصبح مألوفا.

الخطير هو أن نقرأ الخبر في الصباح، ثم نهز أكتافنا، ونطلق نكتة، ثم ننتقل إلى الخبر التالي. وأن نقتنع بأن السياسة تمارس هكذا، وأن الانتخابات لا بد أن تكون “رحبة” موسمية للأعيان والتزكيات والولاءات والمواقف، ثم نمضي جميعا، دولة وأحزابا وإعلاما ومجتمعا، إلى 23 شتنبر كأن الأمر يتعلق بموعد إداري عادي.

حين يتبادل القادة والوزراء الاتهامات بالإرهاب، ويصدر الحزب الذي يرأس الحكومة بلاغا رسميا يقول فيه إن برلمانييه ومنتخبيه وقياداته يتعرضون لـ”الاستمالة” و”الضغوط”، وإن ما يجري يهدد “مصداقية العمل السياسي” ويمكن أن يقوض ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها، فهذه ليست مشادة بين دكاكين متجاورة.

وحين يردّ عليه شريكه في الحكومة، حزب الأصالة والمعاصرة، قائلا له، في ما معناه: لا تعطونا دروسا، فقد رشحتم أنتم في 2021 أكثر من 17 برلمانيا قادمين من خمسة أحزاب، بينهم ستة من حزبنا، فإن القضية لم تعد معرفة أي الطرفين أحق بلقب الضحية.

القضية أن الطرفين، كل بطريقته، يقدمان أمام أعيننا شهادة على الحالة الماسخة التي وصلت إليها السياسة.

لا يمكن لمن يتابع ما يجري أن يصدّق أننا أمام تنافس بين مشاريع سياسية متمايزة. منتخبون محليون وبرلمانيون يعاد توزيعهم بين الأحزاب كما يعاد توزيع أوراق اللعب. ليس في تغيير الانتماء السياسي، في حد ذاته، جريمة ولا عار؛ فالإنسان يراجع أفكاره، ويختلف مع حزبه، ويغادره. لكن هل هناك من يستطيع أن يقنعنا بأن هذه الموجة الجماعية من الصحوات الفكرية كان لا بد أن تحصل، بالصدفة العجيبة، قبل أسابيع من إغلاق باب الترشيحات؟

عوض أن يعبّر الانتماء الحزبي عن التقاء في الأفكار والاختيارات والمشاريع، بات الحزب يريد المرشح الذي يفوز معه بالدائرة، والمرشح يريد الحزب الذي يمنحه التزكية الأوفر حظا، وكل يعرف قيمة الآخر في السوق.

وحين ينجح الانتقال يصبح التحاقا لكفاءة وطنية، بينما يصبح المنتقل نفسه فجأة ضحية استمالة وانتهاك لأخلاقيات العمل السياسي في نظر الحزب الذي خسره. أما المواطن الذي صوّت لهذا المنتخب على أساس اسم حزب وبرنامج ولون ورمز وتحالفات، فلا أحد يسأله إن كان يقبل أن تنتقل وديعته السياسية إلى “مصرف” آخر.

دراسة أنجزها الأستاذ الجامعي عبد المنعم لزعر تتبعت عينة من 148 مرشحا غيّروا انتماءهم الحزبي قبل الانتخابات التشريعية الماضية، والنتيجة أن 79 منهم فازوا بالمقعد، أي أكثر من نصف العينة. وبالتالي فإن الترحال السياسي لم يكن استثناء على هامش العملية الانتخابية. بل كان، في حالات كثيرة، استراتيجية ناجحة للوصول إلى البرلمان.

يخبرنا صاحب الدراسة أن الأحزاب التي تراهن على تصدر الانتخابات تستثمر في البرلمانيين ورؤساء الجماعات وأصحاب “التمثيليات الجاهزة”، لأنها تحقق بذلك غرضين في وقت واحد: تقوّي صفوفها بمرشحين قادرين على الفوز، وتضعف منافسيها بانتزاع هؤلاء منهم.

هكذا يصبح الترحال جزءا من اقتصاد انتخابي كامل، وتتحول الهوية الحزبية إلى عنصر ثانوي أمام قيمة المرشح في السوق. ويصبح ما نشاهده اليوم أخطر من خلاف حول الأخلاق الانتخابية. نحن أمام قواعد لعبة أثبتت نجاعتها، وأمام شيء أخطر من مجرّد فساد انتخابي محتمل. نحن أمام تآكل بطيء للمعنى، وأمام مسخ حقيقي للسياسة.

قضت الدولة سنوات طويلة وهي تقول للمغاربة إن المؤسسات هي السبيل، وإن المشاركة هي الجواب، وإن التغيير يكون من داخل القواعد. وهذا كلام صحيح، بل لا أرى للمجتمعات طريقا آمنا غيره.

لكن المؤسسات لا تعيش بالنصوص وحدها. بل تعيش بالثقة. وحين يرى المواطن أن السياسي الذي طلب صوته أمس باسم حزب، يطلبه غدا باسم نقيضه دون أن يكلف نفسه حتى عناء شرح التحول؛ وحين يسمع عن ملايين تدخل نقاشات التزكية؛ وحين يتداول تسجيل منسوب إلى أحد أكبر مسؤولي الدولة المنتخبين يناقش بالفعل من سيأخذ وزارة المالية ومن سيمنع منها، قبل أن تبدأ الحملة وقبل أن يضع مواطن واحد ورقته في الصندوق، فما الرسالة التي نرسلها إليه؟

إننا نقول له: شارك، فصوتك مهم. ثم نتصرف أمامه كما لو أن الجزء الأهم من المباراة يجري في غرفة الملابس، بعيدا عن الأعين وعن الأضواء وعن حكام “الفار”.

قبل أيام قليلة، في يوم عيد العرش تحديدا، وفي لحظة كان يفترض أن تكون مناسبة جامعة، اندفع عشرات الآلاف نحو سبتة المحتلة. لا ينبغي لنا بطبيعة الحال ارتكاب الخفة الفكرية نفسها التي اقترفها بعضهم، ونقول إن هؤلاء هاجروا لأنهم لا يثقون في الأحزاب، أو لأن فلانا غيّر تزكيته. الهجرة أعقد من ذلك بكثير. لكن من الخطير أيضا أن نفصل الصورتين كما لو أنهما تنتميان إلى عالمين مختلفين: شباب يرى البحر أرحم من البقاء، ومجال سياسي يعرض عليه في الجهة الأخرى هذا القدر من العبث والصفقات والتقلبات.

القنوط لا يولد في يوم واحد. بل يتراكم، وهو يبدأ حين يعتقد الإنسان أن سعيه لا يغير وضعه. ثم يزداد حين يقتنع أن صوته لا يغير من يحكمه، ثم يصبح خطرا على المجتمع كله حين يصل إلى الاعتقاد بأن لا شيء هنا يعنيه.

لهذا، لا يتعلق الأمر اليوم بالدفاع عن صورة الانتخابات، ولا بمن سيتصدر النتائج، ولا بمن سيشكل الحكومة المقبلة. الأمر أكبر من الأحرار ومن البام والاتحاد الاشتراكي ومن جميع المتنافسين. نحن نتحدث عن الشيء الذي لا تستطيع دولة أن تشتريه حين تفقده: ثقة الناس في قواعد اللعبة.

يمكن للدولة أن تبني طرقا وموانئ وملاعب، وأن ترفع نسب النمو، وأن تنظم أفضل الانتخابات تقنيا، لكنها لا تستطيع أن تبني مجتمعا مستقرا فوق قناعة جماعية بأن السياسة مجرد سوق وأن المؤسسات واجهة وأن الاختيارات الحقيقية تحصل في مكان آخر.

عندها لا يكون الخطر انتخابيا فقط، بل يصيب العيش المشترك نفسه؛ لأن المواطن الذي يفقد ثقته في السياسة لا يعاقب حزبا واحدا، بل يبدأ، بالتدريج، في سحب ثقته من الدولة ومن المجتمع ومن فكرة أن له مستقبلا مشتركا مع الآخرين في هذا البلد.

لذلك ينبغي أن نصرخ قبل أن يصبح كل هذا عاديا: لا تطبّعوا مع ما يجري. فحين يصبح المسخ مألوفا، لا تموت السياسة وحدها، بل يموت معها السبب الذي يجعل الناس يعتقدون أن البقاء والمشاركة وانتظار الغد، أمور تستحق المحاولة.