story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

المحاماة.. نعم للإصلاح لا للإكراه!

ص ص

رغم أن السياق متشنج، والسلوك الحكومي في ملف مشروع قانون المحاماة لا يساعد على أي نقاش هادئ، فإن الرأي الصادر عن مجلس المنافسة بهذا الشأن يستحق أن يُقرأ خارج ضجيج المعركة، ليس لأنه منزّه عن النقاش، ولا لأن المجلس نفسه فوق المساءلة، بل لأن الوثيقة التي أنتجها تضع، ربما لأول مرة بهذا القدر من التركيز، مهنة المحاماة أمام مرآة التناسبية، والمقارنة الدولية، وكلفة الولوج، وتكافؤ الفرص، وجودة الخدمة القانونية، وحق المواطن في عدالة لا تكون حكرا على من يملك المال أو القرب أو النفوذ.

أفضل ما يمكن أن تخضع له هذه الوثيقة، هو عدم استعمالها كعصا جديدة في يد الحكومة التي طالما سفّهت آراء المجلس الدستورية، ولا ذخيرة إضافية في معركة وزارة العدل مع المحامين. كما لا ينبغي، في المقابل، أن يُرمى التقرير بكامله في سلة المهملات، فقط لأن الحكومة قد تجد فيه ما يخدم نزعتها إلى المرور بالقوة.

الوثيقة، كما تكشف خلاصاتها، لا تكتفي بترديد خطاب الحكومة، بل تفكك عددا من أعطاب المهنة، وتضع الأصبع على مناطق ظل ظلّت طويلا خارج النقاش العمومي، مثل واجبات الانخراط في الهيئات، وتوزيع المساعدة القضائية، وشفافية الأتعاب، وشروط الولوج إلى المهنة، والحضور الرقمي للمحامين، وتفاوت الخدمات الاجتماعية والمهنية بين الهيئات…

المشكلة، إذن، ليست في أن تُفتح مهنة المحاماة على النقاش، بل في أن يُفتح النقاش بسيف الإكراه. أن تُقدَّم المهنة كما لو كانت قلعة مغلقة ينبغي اقتحامها، لا جسما مهنيا ينبغي إصلاحه، معه لا ضده.

والمشكلة في أن يتدخل رئيس الحكومة في لحظة معينة، فيجني الثمار السياسية للوساطة أو التهدئة، ثم ينسحب تاركا الملف يعود إلى يد وزير العدل بالطريقة نفسها التي فجّرت الأزمة من البداية، بكل ما يميّزها من استفزاز، وضغط، وتلويح بالإكراه، ومحاولة تحويل الإصلاح إلى عملية إخضاع.

الدفاع عن استقلال المحاماة لا يعني الدفاع عن كل أعرافها، ولا عن كل رسومها، ولا عن كل اختلالات تدبيرها الداخلي. كما أن نقد بعض جوانب تنظيم المهنة لا يعني السماح بتأميمها أو وضعها تحت وصاية إدارية مباشرة. بين هذين الحدين يجب أن يدور النقاش الحقيقي.

قوة رأي مجلس المنافسة تكمن في منهجه أولا. فهو لا يناقش مشروع القانون 66.23 من زاوية سياسية، بل من زاوية أثر القيود على المنافسة وتكافؤ الفرص وجودة الخدمات القانونية. وقد اعتمد المجلس، اختبار التناسبية، أي السؤال البسيط والصعب في الوقت نفسه: هل القيد المقترح مشروع؟ وهل هو ضروري؟ وهل يحقق مصلحة عامة فعلية؟ وهل توجد طريقة أقل كلفة وأكثر عدلا لتحقيق الهدف نفسه؟

هكذا يصبح النقاش حول شرط السن، مثلا، نقاشا عقلانيا. لماذا يمنع شخص في السادسة والأربعين أو الخمسين من العمر، راكم تجربة قانونية أو إدارية أو أكاديمية، من دخول المحاماة؟ ما علاقة السن بالكفاءة؟ ولماذا تبقى المهنة محرومة من خبرات قد تكون مفيدة للمتقاضين والسوق القانونية؟

لذلك تبدو توصية إلغاء سقف 45 سنة منطقية، ليس لأنها “تفتح الأبواب” بلا ضوابط، بل لأنها تضع الكفاءة بدل العمر، معيارا للولوج إلى المهنة.

الأمر نفسه ينطبق على الجسور بين المهنية. ففتح الباب أمام أطر الإدارات العمومية، وموظفي كتابة الضبط، والمستشارين القانونيين بالمقاولات، لا ينبغي أن يُقرأ كتهديد آلي للمحاماة، بل كفرصة لإدخال خبرات عملية إلى جسم مهني يحتاج إلى مزيد من التخصص والمعرفة الميدانية.

لكن هذا الفتح لا يستقيم إلا بشروط واضحة تتضمن انتقاء جديا، واختبار للكفاءة، وتجربة مثبتة، ثم تفرغ كامل للمحاماة حتى لا تتحول الجسور إلى باب خلفي لتضارب المصالح. وهذا ما تقترحه الوثيقة نفسها، حين تربط الإدماج بالتفرغ وبضمان الاستقلالية المهنية.

في المقابل، لا يمكن القفز على الجانب الذي يثير حساسية مشروعة داخل المهنة، والمتعلق بتوسيع دور وزارة العدل. حين تقترح الوثيقة أن تتدخل الوزارة في مرجعيات الأتعاب أو في بعض آليات الولوج والتكوين، فإن السؤال يصبح سياسيا ومؤسساتيا قبل أن يكون تقنيا: أين ينتهي التنظيم الذاتي وتبدأ الوصاية؟

شفافية الأتعاب، مثلا، مطلب معقول. المواطن من حقه أن يعرف، ولو بشكل تقريبي، كلفة الخدمة القانونية. ومن حقه أن يحصل على اتفاق مكتوب وفاتورة مفصلة، وأن يجد آلية سريعة لتسوية النزاع حول الأتعاب. لكن المرجعية الاسترشادية لا ينبغي أن تتحول، ولو بالتدريج، إلى تسقيف مقنّع، أو إلى تدخل إداري-سياسي في العلاقة الحرة بين المحامي وموكله.

من أكثر أجزاء التقرير أهمية ما يتعلق بالمساعدة القضائية. والأمر هنا لا يتعلق بصراع بين وزارة ومحامين فقط، بل بحق الفئات الهشة في الدفاع، وبأموال عمومية، وبسؤال العدالة داخل المهنة نفسها.

حين يغيب معيار معلن وموضوعي لتوزيع ملفات المساعدة القضائية، يصبح الخطر مزدوجا: إقصاء عدد واسع من المحامين، خصوصا الشباب، وتركيز الملفات لدى مكاتب بعينها. وهذا لا يمس مبدأ تكافؤ الفرص داخل المهنة فقط، بل قد يخلق امتيازا ماليا غير موضوعي لبعض المكاتب.

لهذا تبدو فكرة التعيين الأوتوماتيكي أو المنصة الرقمية الموحدة جديرة بالنقاش. ليس لأنها تلغي دور الهيئات، بل لأنها قد تحمي هذا الدور من الشبهة ومن التقدير الشخصي ومن المحسوبية والزبونية.

لا ينبغي أن تكون المساعدة القضائية غنيمة، ولا عقوبة، ولا طريقا سريا نحو الريع، بل خدمة عمومية منظمة، تمكّن الفقير من الدفاع، وتمكّن المحامي من أداء واجبه في شروط كرامة وشفافية.

كما أن انتقاد واجبات الانخراط لا يعني ضرب استقلال الهيئات. حين تصل الرسوم في بعض الهيئات إلى مستويات تجعل الولوج إلى المحاماة أقرب إلى شراء تذكرة هجرة آمنة نحو كندا، يصبح السؤال مشروعا: هل يتعلق الأمر بتغطية كلفة إدارية فعلية أم بحاجز مالي يفرز المهنة طبقيا قبل أن تفرزها الكفاءة؟

مجلس المنافسة لا يقترح إلغاء تمويل الهيئات، بل يدعو إلى عقلنته، عبر وضع سقف وطني مرجعي، ورسم إداري مرتبط بالكلفة الفعلية، ثم اشتراكات سنوية متدرجة حسب تطور النشاط المهني للمحامي.

وهذا مثال عن التوصيات التي ينبغي أن تُناقش بجدية. لأن استقلال المهنة لا يستقيم إذا كان الولوج إليها محكوما بالقدرة على أداء مبالغ ثقيلة. ولأن المحامي الشاب، الذي لم يفتح مكتبه بعد، لا ينبغي أن يبدأ مساره المهني مكبّلا بدين مالي تجاه هيئة يفترض أن تساعده على الانطلاق، لا أن تختبر قدرته على الدفع قبل أن ينطلق بالفعل.

ولا يمكن تجاهل قيمة أن يوصي المجلس بصندوق وطني لدعم مكاتب المحاماة، وبتمويل التحول الرقمي، وبتأمين مركزي موحد للمسؤولية المدنية، وبمنظومة اجتماعية وصحية وتقاعدية أكثر انسجاما. هذه التوصيات تذهب في اتجاه مأسسة الحماية المهنية وتقليص التفاوت بين الهيئات وبين المكاتب الكبرى والصغرى.

حتى في موضوع التواصل الرقمي، لا تبدو الوثيقة خارج العصر. منع المحامي من كل حضور مهني واضح على المنصات لم يعد واقعيا. لكن ترك الباب مفتوحا أمام الإشهار التجاري الفج والمقارنات السوقية سيكون ضربا لأخلاقيات المهنة.

بين الخيارين، تقترح الوثيقة طريقا ثالثا، يتمثّل في تعريف موضوعي بالتخصصات والخبرات، وتوعية قانونية، وميثاق أخلاقيات رقمي، ورقابة لاحقة على التجاوزات. وهذه ليست نهاية الوقار المهني، بل محاولة لتكييفه مع زمن لم يعد فيه المواطن يبحث عن المحامي عبر العائلة أو المقهى أو الوسيط فقط، بل عبر تيكتوك وفيسبوك أيضا.

كل هذا لا يلغي أصل الأزمة، والذي يتمثل في أن الحكومة لم تعرف كيف تفتح ورش الإصلاح دون أن تحوله إلى معركة. وأن وزير العدل، بدل أن يجعل المحامين شركاء في إصلاح مؤلم وصعب، تعامل معهم كما لو كانوا عائقا ينبغي كسره. وأن رئيس الحكومة، حين تدخل، ظهر كمن يسحب النار من السطح، ثم انسحب، فعاد الدخان من النوافذ نفسها.

لهذا ينبغي فصل الوثيقة الجديدة عن التوظيف الحكومي المحتمل لها. رأي مجلس المنافسة ليس شيكا على بياض لوزارة العدل. وليس تفويضا لتقليص استقلال الدفاع. وليس ترخيصا لتمرير مشروع القانون بالقوة. إنه مادة للنقاش.

لقد كتبنا سابقا ضد “تأميم المحاماة”، وما يزال جوهر تلك المرافعة قائما. لا عدالة بلا دفاع مستقل، ولا دفاع مستقل تحت وصاية السلطة التنفيذية، ولا مهنة حرة إذا كان بابها ومسطرتها وتأديبها وأتعابها وتكوينها كلها معلقة في يد الإدارة. لكن الدفاع عن هذا المبدأ لا يفرض علينا أن نغلق أعيننا عن أعطاب داخلية حقيقية.

فالمهنة التي تريد أن تدافع عن استقلالها مطالبة أيضا بأن تدافع عن شفافيتها، وعن عدالة الولوج إليها، وعن تكافؤ الفرص بين أبنائها، وعن حق المواطن في خدمة قانونية واضحة وجيدة.

الطريق الوحيد المعقول هو أن يعود الملف إلى مكانه الطبيعي: حوار مؤسساتي هادئ، وعلني بالقدر المفيد، وصارم في حماية استقلال المحامي، وشجاع في مواجهة اختلالات المهنة.

عدا ذلك، فهو مجرد استمرار للمعركة نفسها بوسائل أخرى: حكومة تريد أن تنتصر على المحامين، ومحامون يخشون أن يخسروا استقلالهم ومصالحهم، ومواطن يتفرج على عدالة تتحول إلى ساحة شد وجذب بين منطقين؛ منطق الإصلاح بالقانون، ومنطق الإخضاع بالقوة.

المحاماة تحتاج إلى إصلاح، نعم. لكنها تحتاج، قبل ذلك، إلى ألا تُكسر.