الله يعطيك زهر بنسعيد!
يبدو محمد مهدي بنسعيد محظوظا، أكثر من زملائه، بمنصبه في وزارة الشباب والثقافة والتواصل. أقول هذا الكلام لعدة اعتبارات، أهمها أن بنسعيد أول وزير، منذ حقبة الوزير الأسبق محمد الأمين الصبيحي، استطاع أن يبقى في منصبه قرابة ثلاث سنوات، دون أن يبرز أي موهبة فريدة، أو اجتهاد كيفما كانت طبيعته، في تنشيط الحياة الثقافية المغربية، أو حتى في التدبير، ما عدا نقل معرض الكتاب من البيضاء إلى الرباط وصرف تلك الملايير المعلومة على الشركة المكلفة بتنظيم فعاليته الجديدة في عاصمة الأنوار.
ومن هنا يحق للمرء أن يتساءل: هل هناك سياسة ثقافية يمارسها الرجل حتى يستحق البقاء في منصبه؟ لماذا يتغاضى المثقفون عن هذا الوضع الذي تعيشه الثقافة المغربية من الناحية الرسمية على الخصوص؟ ولماذا يكتفي الوزير بنسعيد بالمعرض للنشر والكتاب عنوانا لها، دون أن ينبري لتحريك الساحة الثقافية؟ ولماذا لا يسارع ممثلو الأمة إلى محاسبته على ما يحصل، أو إلى مطالبته على الأقل بخلخلة ما ركد في الساحة الثقافية منذ جائحة ‘كورونا’ إلى اليوم؟
وطبعا، يحق للوزير أن يرد: “علام ستحاسبونني؟ تسير وزارة الثقافة بشكل جيد، وكل دورات المعرض ناجحة حتى الآن.” طيب! إليك هذه المقارنة، أيها الوزير الموقر: قبل بضع سنوات، فاقت حصيلة المنشورات المغربية أربعة آلاف عنوان، لكنها نكصت- حسب التقرير الأخير الذي أصدرته مؤسسة آل سعود قبل بضعة أشهر، إلى ألف وسبعمائة عنوان فقط. إليك مقارنة ثانية: لقد تجاوز عدد زوار معرض الكتاب عتبة المليون، عندما كان يقام في البيضاء، لكنه لم يحقق سوى ثلاثمائة ستة عشر ألف زائر خلال دورته الأخيرة في الرباط. في البيضاء، لم تكن هناك حاجة إلى خيام أو لوجيستيك. والفضاء مفتوح على المطاعم والمقاهي، وموصول بشبكة مواصلات مختلفة. والأهم من هذا أن الزائر يتحرك بجواره بكل حرية، ولا يبحث عن مرآب سيارات أو يتحمل عناء البحث وسيلة تقله إلى أي جهة في المدينة.
لنترك معرض الكتاب جانبا. يحار المرء بأمر إغفال دور الثقافة والمركبات الثقافية والخزانات والمكتبات البلدية: لماذا لا ينفض عنها الغبار؟ ولماذا لا يتم تطعيهما بكتب جديدة؟ ولماذا لا تشغل الوزارة مواطنين قادرين على تسيير هذه المؤسسات بشكل جيد؟ ولماذا لا تضع برنامجا أسبوعيا خاصا بالأنشطة الثقافية في هذه البنايات؟ بل إن المرء ليتساءل بحرقة: لماذ وجدت وزارة للثقافة أصلا؟ هل وجدت فقط لتوزع الدعم على الناشرين وأصحاب الجمعيات والمهرجانات وتمنح جائزة بئيسة للكتاب؟ أم وجدت لتضع سياسة ثقافية شاملة، وتعمل على تحفيز الإنتاج الثقافي والفني، بمختلف مشاربه؟
على الوزير أن يتململ قليلا، وأن يشعر ببعض القلق والتوتر الداخلي تجاه ما يشهده واقعنا الثقافي من تردٍّ وبؤس. عليه ألا يستطيب الجلوس كثيرا. إلى حد الآن، مضت ثلاث سنوات من ولايته الحكومية على رأس هذه الوزارة، بدون أن نشعر- نحن المنتمون إلى هذا المجال الرمزي- بأثر استوزاره، ولو في حدود ضئيلة. وإلى حد الآن، لم يأت، كما فعل بعض سابقيه، بفكرة جديدة قد تضاف إلى الرصيد التدبيري في الوزارة، فما بالك بما ينبغي أن تكون عليه السياسة الثقافية. فعلى سبيل المثال، كل هذا المال الذي صرف منذ ثلاث سنوات على نصب خيام لإقامة معرض الكتاب في الرباط كافٍ لبناء صرح معارض رسمي لن يخصص فحسب للكتاب، بل لأنشطة ثقافية أخرى، إن لم نقل لأنشطة اقتصادية وسياسية واجتماعية وترفيهية، الخ. على الوزير أن يفكر في تشييد بناية خاصة بالمعرض، إسوة بما تمتلكه دول عربية من حجم المغرب.