story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الله على أخلاقك يا ترامب

ص ص

غير طبيعي أن يصير البديهيُ خِلافياً. هبوط أخلاقي أن يتحوّل عنصريٌ مثل دونالد ترامب إلى حامل لواءِ “تحرّر الشعوب”. يصيرُ المرءُ كمَنْ يمشي على رأسه وهو يعتبر السمسار الخالي من أيّ فضيلة، غير منطقِ السوق وسلوك البلطجة، عنوانَ حرية.

حتى اختطاف رئيس دولة ذات سيادة صار موضوعاً للخلاف، ونموذجاً للتنظير فيما عليه “العلاقات الدولية”، في سياق كيْدٍ يُغمض العين عن فاجعة سقوط كل قيمةٍ في عالمٍ يقوده مخبولون.

اختطاف الرؤساء وغزو الدول غير جديد في تاريخ أمريكا. سبق لواشنطن، التي اختطفت نيكولاس مادورو في 3 يناير الجاري، أن فعلتها قبل 36 سنة مع رئيس بنما مانويل نورييغا. وبين 3 يناير 1990 و3 يناير 2026 كثيرٌ من التحولات، التي لم تُغيِّر الجوهر العدواني لواشنطن، في أمريكا اللاتينية، وفي أكثر من محلٍّ على هذا الكوكب الموبوء بسوء الأخلاق السياسية.

الجديد اليوم أن رئيس الولايات المتحدة لم يعد بحاجة إلى أن يُخفي أهدافه الاستعمارية، بل “يتطاوَسُ”، وكل أركان إدارته، بأحاديثهم المتواترة عن السعي إلى سرقة النفط الفنزويلي، والسمسرة فيه، عبر “تسويقه”، ضمن أضخم عملية سطو مالي ونفطي في التاريخ الحديث. وزير الطاقة كريس رايت كشف عن جانب من الخطة بقوله: “إذا سيطرنا على تدفق النفط الفنزويلي والعائدات النقدية الناتجة من مبيعاته، فسنمتلك نفوذاً كبيراً”.

كانت موجات الاستعمار في التاريخ الحديث تجتهد على الأقل في “تسويغ” جرائمها، وتكذب بشأن نقل الحضارة والتمدين ضمن تلفيقات “أعباءٍ ملقاة على الرجل الأبيض” اتجاه الشعوب المُستَعمَرة. في عهد ترامب، لم تعد واشنطن تحتاج تبريراً، بل تكشف عن النوايا الحقيقة ضمن مفاخرةٍ وتباهٍ شديديْ الفجور.

قبل غزو العراق، تحرّكت آلة دعائية ضخمة لشيطنة نظام صدام حسين، وشُيِّدت سردية تأسّست على جبالٍ من الأكاذيب للتمهيد للحرب، ثم استصدار قرار من مجلس الأمن، تحت مزاعم خطر برنامج نووي غير موجود من الأصل. خلال اختطاف مادورو وانتهاك سيادة فنزويلا لم تكن واشنطن تحتاج غير قليلٍ من الكذب، وكثير من الصراحة والتطاولِ الفجَّيْن.

في حديث لشبكة “إم إس نيوز”، قال ترامب إن الفارق بين خطته (لإدارة!!) فنزويلا والوجود الأميركي في العراق أن الولايات المتحدة (التي تنتج نفطاً أكثر من أي دولة أخرى) “ستحتفظ بالنفط الفنزويلي هذه المرة”، ووصف احتلال العراق بـ”الفاشل”. هنا يتضّح المعيار: الفشل والنجاح يتحدّدان فقط بالقدرة على النهب وانتهاك القانون الدولي.

وضمن إسهال الكلام ( المفيد على كل حال)، الذي يصيب الرئيس الأميركي، قال لصحيفة “نيويورك تايمز” إن “إشراف”- الكلمة الناعمة للاحتلال- الولايات المتحدة على فنزويلا “قد يستمر لسنوات”. ولمن يحتاج تفسيراً أكثر، تتطوّع متحدثة باسم البيت الأبيض للتوضيح أن واشنطن “ستُملي” (هكذا) أي قرار تتخذه على السلطات الفنزويلية المؤقتة، وأنها بدأت بالفعل في “تسويق النفط الخام الفنزويلي في السوق العالمية لصالح الولايات المتحدة”. ثم يعود ترامب ليجزم: “سيُباع هذا النفط بسعره في السوق، وسأسيطر على تلك الأموال، بصفتي رئيس الولايات المتحدة”.

ومع ذلك، هذا الجاري هو بالضبط ما سطّره “منظّرو” الإدارة في استراتيجية الأمن القومي (أعلنت في 05 دجنبر 2025)، التي أشارت، من ضمن كثيرٍ، إلى أن دور واشنطن، على الصعيد الدولي، سينتقل إلى التركيز أكثر على الهيمنة في أميركا اللاتينية، موضحةً: “سنُعلن ونطبِّق مُلحق ترامب على مبدأ مونررو”. كما تعهّدت بـ”تعديل الحضور العسكري العالمي للتعامل مع التهديدات العاجلة في الجزء الذي نحن فيه من الكرة الأرضية”.

جوهر الاستراتيجية “إعادة تأكيد هيمنة أمريكا في نصف الكرة الغربي”. (و”مبدأ مونرو 1823″، المنسوب إلى خامس رؤساء أمريكا جيمس مونرو، مبنيٌّ على اعتبار أمريكا اللاتينية، وعموم النصف الغربي من الكرة الأرضية، “فناءً خلفياً” للولايات المتحدة). ثم جاء ترامب بعد قرنين، ضمن نفس الاستراتيجية، للحديث عن ضرورة التحرك لضمان “الإحاطة بجيران جيّدين” و”تحقيق الاستقرار”. وطبعاً، وحدَه ترامب من يملك حقّ تعريف “الجيّدين”، وتحديد معنى “الاستقرار”.

ضمن هذا السياق، وتحت شعار “أمريكا أولا” الذي يُبرِّر كل سفالةٍ، وحتى قبل أن يُودَع نيكولاس مادورو في محبسه، تعالت مطالباتٌ سافرة في واشنطن للاستحواذ على غرينلاند ضمن مبرر “الأهمية القصوى للأمن القومي” و”الأمر الحيوي لردع خصوم واشنطن في منطقة القطب الشمالي”، مع تأكيد صريح من البيت الأبيض أن الخيار العسكري “يبقى مطروحا” للسيطرة على الجزيرة.

ولمن لا يعلم، غرينلاند جزءٌ من الدنمارك، “حليف” واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهذا شأنٌ بين “الحلفاء” نحن معنيون بمراقبة وترقّب مآلاته، وحدود الاستعداد الترامبي للذهاب فيه، بما يفتح الباب أمام إمكانية إنهاء “أضخم وأقوى تحالف عسكري في العالم حالياً”.

“حُمّى ترامب”، التي ترفع درجة حرارة العالم، تفتح الباب أيضا أمام تحولات يغذيها منطق القوة المجرّدة في ترتيب العلاقات الدولية. صار واضحاً أن واشنطن تجعل العالم أقلّ استقراراً رغم أكاذيب ترامب عن إنهاء 9 حروب (ما هي؟!!) واستحقاقه لجائزة نوبل للسلام. صار العالم أكثر شكّاً في نيات الولايات المتحدة، التي لم تسلم من أطماعها حتى الجارة كندا التي أكد ترامب صراحة أنها “يجب أن تكون الولاية الحادية والخمسين”، مضيفا لمزيد من الحماسة: “تخيلوا ما سيبدو عليه الوضع عند التخلص من هذا الخط المرسوم بشكل مصطنع (يقصد الحدود). سيكون ذلك أيضا أفضل كثيرا على صعيد الأمن القومي”.

أيضا، بعد كل هذه العربدة الأمريكية، يبدو أن الدول الأقوى تتّجه إلى أن تكون أكثر تخفّفاً من أحكام القانون الدولي، والمعايير الإنسانية. لا شيء سيمنع الصين من أن تفعل ما تريد في تايوان، ولا روسيا في أن تأخذ ما تشاء من أراضي أوكرانيا (الغربية)، التي ابتزّها ترامب بكذبةٍ أخرى لم تكن لتخطر على بال أحد، حين ضغط على رئيسها فولوديمير زيلينسكي للتنازل على ثروات ومعادن نادرة لسداد (ديون؟؟) قيمتها 500 مليار دولار (!!) مقابل أسلحة ومساعدات قدمتها إدارة جو بايدن طواعيةً لأوكرانيا. وبعدما وضع يده على ثروات كييف، يمنح ترامب روسيا، كل يومٍ، أسبابا لمزيدٍ من احتلال أراضي أوكرانيا لترسيخ حدود جديدة تتكلف واشنطن بترسيمها في “اتفاقات سلام”/ إذعان.

كذلك، منطق القوة هو نفسه الذي يمكّن إسرائيل من الإفلات من تبعات جرائمها، ويكرّسها قوة مهيمنةً في الشرق الأوسط، ويطلق يدها إلى “ما بعد بعد” الأراضي المحتلة. بمنطق القوة ذاته تجرّب تل أبيب فرض حقائق جديدة في لبنان، وفي سورية، بل ويبلغ الطموح كسر التوازنات في القرن الأفريقي ( أرض الصومال)، واليمن وتلك المحاولة الموءودة لانفصال خاطفٍ أزعج الرياض. ولن يكون مفاجئاً الاستيقاظ يوماً على خبر قصف إسرائيلي جديد في طهران، أو أية عاصمة أخرى.

إنها عملية تدوير هيمنة القوى الأكبر على حساب الكيانات الأصغر، بمنطق القوة الذي لا يُقيم اعتباراً لقوانين أو مواثيق أو قواعد أو معاهدات دولية. وقد أسهب نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، في مؤتمر ميونيخ، في شرح معنى “السلام من خلال القوة”، الذي لا يعني إلا سلوك الهيمنة.

ولمن يعتقد أن “العجبَ انقضى”، يتفضّل ساكن البيت الأبيض بالزيادة، في مقابلة مع “نيويورك تايمز”، بأنّ “أخلاقه” هي الشيء الوحيد الذي يقيّد سلطته في إصدار أوامر بشنّ عمليات عسكرية في أنحاء العالم. الله على أخلاقك يا ترامب.

قصارى القول

لا تتعلّق القصة نهائيا بالتضامن مع مادورو أو كيلِ السباب لسياساته. إنما عن “ممكنات وقوع” في أي مكانٍ في العالم، حين تقدّر واشنطن وتدبّر وتقرّر أنه يجب انتهاك سيادة دولة ما ونهب ثرواتها، تحت مزاعم ضرورات “الأمن القومي الأمريكي”، وبدمغة “بصفتي رئيس الولايات المتحدة”.

القصة تدور حول حالة توحّش أظهرتها “قائدة العالم الحر” وذلك “التطواف” برئيس دولة مختطف في شوارع نيويورك، وإتاحة تصويره للجمهور خلال نقله عبر عربة مفتوحة، ضمن استعراضٍ يتعمّد الإهانة، ويتقصّد تسويق الهيمنة والقوة، ويكرّس لغريزة الانتقام والتشنيع، بدل احترام القانون.

ما يعنينا، نحن سكان الدول الأضعف في عالم يزداد تغوّلاً، أن نتأمل جيّداً هذا الهبوط، وأن لا نتوهّم أننا بعيدون عن الهيمنة وعن هذا “التنمّر”. فلا نحن أقرب لواشنطن من كندا، ولا حلفاء كما الدنمارك. وما يعنينا أيضا هو أن نراقب إلى أيّ مدى يتلاشى خيط القانون والحقوق والحريات في بلداننا التي تعيش فقراً ديمقراطياً في عالم لم يعد يعنيه القانون، ولا يعبأ بالإنسان.