القاصرون في سبتة.. لماذا يصر المغرب على إعادتهم وما الذي يمنع إسبانيا؟
يتصدر القاصرون في سبتة الخلاف بين الرباط ومدريد منذ وصول أعداد من القاصرين إلى المدينة المحتلة خلال موجة العبور الجماعي الأخيرة، وسط مطالب مغربية بإعادتهم إلى بلدهم، وتمسك إسباني بإخضاع مستقبلهم لإجراءات قانونية وقضائية قبل اتخاذ أي قرار بشأنهم.
وبينما ترى الرباط أن بقاء هؤلاء القاصرين في مراكز الحماية بسبتة ليس الحل المناسب، وتطالب بتسريع عملية إعادتهم إلى المغرب، تواجه هذه المطالب تحفظات من المؤسسات الإسبانية التي تتعامل مع الملف من زاوية حماية القاصرين، وتؤكد أن أي عودة لا يمكن أن تتم بصورة جماعية أو تلقائية.
آخر فصول هذا الخلاف جاء على لسان النائبة العامة المكلفة بشؤون القاصرين في إسبانيا، تيريزا غيسبرت، التي رفضت فكرة الإعادة الفورية للقاصرين الموجودين في سبتة، معتبرة أن الأمر لا يمكن حسمه من خلال قرار عام يشمل جميع الحالات، وإنما يتطلب دراسة وضع كل قاصر على حدة، بما يضمن احترام “المصلحة الفضلى للطفل”.
لماذا يريد المغرب إعادة القاصرين؟
تنطلق الرباط من اعتبار أساسي: هؤلاء القاصرون مواطنون مغاربة، والهدف من معالجة وضعهم ينبغي أن يكون إعادتهم إلى أسرهم وبلدهم، بدل استمرار إقامتهم في مراكز الحماية الإسبانية.
ولا يتعلق الموقف المغربي، بحسب هذا التصور، بمجرد إعادة مهاجرين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية، وإنما بقاصرين يفترض أن تكون لهم حماية أسرية واجتماعية في بلدهم الأصلي.
وفي هذا الصدد، برزت تصريحات أدلى بها وزير العدل عبد اللطيف وهبي لوكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” وعدد من القنوات الدولية، حيث انتقد ما وصفه بالتناقض في السياسات الأوروبية والإسبانية التي تمنح تسويات للوضعية والإقامة أو اللجوء لمن ينجح في الوصول إلى الضفة الأخرى، بينما يطلب من المغرب في الوقت نفسه منعهم من المغادرة، متسائلًا عن جدوى دفع الناس إلى ركوب أخطار البحر إذا كانت الوجهة النهائية مستعدة لاستقبالهم.
كما شدد وزير العدل على تمسك الرباط باستعادة أطفالها القاصرين والمراهقين ليكونوا وسط عائلاتهم ومقاعد دراستهم، بدل مواجهة مخاطر الاستغلال وشبكات الاتجار بالبشر، معتبرًا أن “فصل الأطفال عن أسرهم تحت ذرائع قانونية أو حقوقية بمثابة جريمة”، ومنتقدًا ما وصفه بتعقيد الإجراءات القضائية الإسبانية وخضوعها أحيانًا لحسابات سياسية وانتخابية.
ويستند هذا الموقف أيضًا إلى وجود إطار ثنائي بين المغرب وإسبانيا ينظم قضية القاصرين غير المصحوبين، ويضع العودة إلى الأسرة أو إلى مؤسسة للرعاية في بلد الأصل ضمن آليات التعاون بين البلدين.
ماذا يقول الاتفاق المغربي الإسباني؟
وقّع المغرب وإسبانيا في 6 مارس 2007 اتفاقًا يتعلق بالتعاون في مجال الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم و”عودتهم المنسقة”، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في أكتوبر 2012.
وينص الاتفاق على تعاون البلدين من أجل إعادة القاصر إلى أسرته أو إلى مؤسسة تتولى رعايته في بلد الأصل، مع العمل على إعادة إدماجه اجتماعيًا.
كما ينص على تعاون السلطات المغربية في تحديد هوية القاصر والبحث عن أسرته، وعلى أن يتم الاتفاق بين الطرفين بشأن الحالات التي يمكن أن تشملها العودة.
غير أن الاتفاق لا يمنح، في المقابل، حقًا تلقائيًا في إعادة أي قاصر مغربي بمجرد إثبات جنسيته.
فالنص يشترط أن يتم قرار العودة مع احترام القانون الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل، وأن تؤخذ “المصلحة الفضلى للقاصر” في الاعتبار، مع ضمان لمّ شمله بأسرته أو تسليمه إلى مؤسسة وصاية مناسبة.
وهذه النقطة هي التي تفسر جزءًا أساسيًا من الخلاف الحالي بين الرباط ومدريد.
إسبانيا: لا عودة من دون دراسة كل حالة
بينما تنظر الرباط إلى الاتفاق باعتباره إطارًا يسمح بإعادة القاصرين المغاربة في سبتة إلى بلدهم، تتعامل المؤسسات الإسبانية معه باعتباره آلية مشروطة لا يمكن تفعيلها خارج الضمانات التي يفرضها القانون الإسباني والدولي.
وبمعنى آخر، فإن وجود اتفاق ثنائي لا يعني، وفق القراءة الإسبانية، أن عملية الإعادة يمكن أن تتم بصورة جماعية أو بمجرد تحديد الجنسية المغربية للقاصرين.
بل يجب أن تسبقها إجراءات تسمح بتحديد وضع كل قاصر، ومعرفة أسرته وظروفها، والتأكد من إمكانية استقباله في المغرب، ثم اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت العودة تحقق فعلًا مصلحته الفضلى. وهنا تحديدًا يأتي موقف النائبة العامة الإسبانية الأخير.
ترفض تيريزا غيسبرت، النائبة العامة المكلفة بشؤون القاصرين، مقترح إعادة القاصرين في سبتة بصورة فورية، معتبرة أن مثل هذه الخطوة لا يمكن أن تتم من دون تقييم فردي لكل حالة.
وأكدت غيسبرت أن عودة القاصرين ممكنة من حيث المبدأ، لكنها ليست “فورية” أو “مباشرة” أو “حصرية”، وإنما مرتبطة بمجموعة من الشروط والضمانات التي يفرضها القانون الإسباني والأوروبي.
كما تؤكد أن القاصر لا يمكن التعامل معه في هذا الملف فقط باعتباره مهاجرًا غير نظامي، وإنما باعتباره طفلًا يخضع لمنظومة حماية خاصة، وهو ما يجعل أي قرار بإعادته مرتبطًا أولًا بتحديد ما إذا كانت العودة تخدم مصلحته.
وتشير النيابة العامة الإسبانية إلى أن العملية تتطلب الاستماع إلى القاصرين، والاستعانة بمترجمين عند الحاجة، ودراسة أوضاعهم العائلية والشخصية، والتأكد من أن الجهة التي سيُسلّمون إليها في المغرب قادرة على توفير الرعاية اللازمة. وقالت غيسبرت إن القاصرين الذين جرى الاستماع إليهم يريدون الذهاب إلى شبه الجزيرة الإسبانية لا العودة إلى المغرب، كما أشارت إلى عدم تقدم آباء يطلبون إعادة أبنائهم إلى المغرب، وفق ما صرحت به في مقابلة حديثة.
وبذلك، فإن موقف النيابة العامة لا يتمثل في رفض مبدأ إعادة القاصرين إلى المغرب، وإنما في رفض أن تتحول هذه العودة إلى إجراء جماعي لا يراعي الفوارق بين حالة وأخرى.
لماذا أصبحت إسبانيا أكثر حذرًا؟
لفهم تشدد المؤسسات الإسبانية في الملف الحالي، لا بد من العودة إلى ما حدث في سبتة سنة 2021، إذ شرعت السلطات الإسبانية آنذاك في إعادة مجموعات من القاصرين المغاربة إلى المغرب، وبدأت العملية بدفعات من 15 قاصرًا يوميًا تقريبًا قبل أن تتوقف وسط تدخلات قضائية وانتقادات واسعة.
لكن القضاء الإسباني خلص لاحقًا إلى عدم قانونية العملية. ففي يناير 2024، أكدت المحكمة العليا أن إعادة القاصرين في أغسطس 2021 كانت غير قانونية بسبب عدم احترام الإجراءات التي تفرضها قانونية الأجانب، ومنها وجود مسار إداري فردي، وإبلاغ المعني بوضعه، والاستماع إليه إذا كان يتمتع بالقدر الكافي من النضج، وتدخل النيابة العامة. كما شددت المحكمة على أن اتفاق 2007 لا يشكل وحده أساسًا قانونيًا كافيًا للعودة.
ولم تقف المحكمة عند الجانب الإجرائي، بل اعتبرت أيضًا أن إعادة عدد كبير من القاصرين من دون دراسة فردية شكلت طردًا جماعيًا محظورًا بموجب البروتوكول الرابع للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأصبحت هذه السابقة عنصرًا أساسيًا في النقاش الحالي، لأنها تعني أن مجرد الاستناد إلى الاتفاق المغربي الإسباني لا يكفي لتبرير العودة، وأن السلطات الإسبانية مطالبة باحترام الإجراءات الفردية التي ينص عليها قانونها والتزاماتها الدولية.
كما جعلت هذه السابقة المؤسسات الإسبانية أكثر حذرًا في التعامل مع أي محاولة جديدة لإعادة القاصرين، خصوصًا أن تنفيذ عملية لا تحترم الضمانات المطلوبة قد يفتح الباب مجددًا أمام الطعن القضائي.
لماذا تصبح العودة أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بقاصر؟
يشرح حسن بنطالب، الخبير في قضايا الهجرة، أن التعامل مع القاصرين يختلف قانونيًا عن التعامل مع شخص بالغ دخل إلى سبتة بصورة غير نظامية، معتبرًا أن القول إن “المغرب يريد إعادتهم وإسبانيا ترفض” يحتاج إلى قدر من التحفظ.
وأوضح بنطالب، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن إسبانيا قد تكون راغبة في إعادة بعض الأشخاص، لكنها مطالبة قانونيًا بأن تمر عملية الإعادة عبر إجراءات فردية تضمن تحديد الهوية، وبلد الانطلاق، والوضع القانوني، والتأكد من عدم وجود مانع يحول دون الإعادة.
وفي المقابل، يرى الخبير أن الموقف المغربي يقوم على منطق واضح، يتمثل في أن هؤلاء الأشخاص دخلوا إلى سبتة انطلاقًا من الأراضي المغربية، وبالتالي تعتبر الرباط أن اتفاق إعادة القبول يوفر أساسًا قانونيًا لإعادتهم، خصوصًا مع إعلان المغرب استعداده لاستقبال من دخلوا بصورة غير قانونية، بمن فيهم القاصرون غير المصحوبين.
ويؤكد بنطالب أن الهجرة غير النظامية لا تلغي الحقوق الأساسية للأفراد، وأن وضع القاصر يظل خاضعًا لضمانات قانونية خاصة حتى في حال دخوله إلى الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية.
إعادة القبول ليست ترحيلاً
ويرى بنطالب أن من المهم، في هذا السياق، عدم الخلط بين “إعادة القبول” و”الترحيل”. فاتفاق 1992 بين المغرب وإسبانيا بشأن حركة الأشخاص والعبور وإعادة قبول الأجانب الذين دخلوا بصورة غير قانونية ينص على أن إعادة القبول تتم، بالنسبة إلى أشخاص دخلوا إسبانيا من الأراضي المغربية، عندما يثبت أنهم قدموا فعلًا من الأراضي المغربية، وبعد طلب رسمي من الدولة الطالبة.
أما العودة أو الترحيل وفق القانون الأوروبي والإسباني، فتخضع لقرارات وإجراءات قانونية محددة، ولا يعني وجود آلية لإعادة القبول تجاوز الضمانات الخاصة بالقاصرين.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في حالة سبتة، لأن النقاش لا يتعلق فقط بإثبات أن القاصر دخل من الأراضي المغربية، وإنما أيضًا بما إذا كانت الشروط القانونية لإعادته قد استُوفيت، وما إذا كان هناك والدان أو أسرة يمكن تسليمه إليها، وما إذا كانت العودة تحقق مصلحته الفضلى.
ماذا تقول بروكسل؟
ويأخذ الملف بعدًا أوروبيًا أيضًا، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية في 18 أغسطس الجاري أن توقعها هو إعادة الأشخاص الذين يبقون بصورة غير قانونية في سبتة إلى المغرب، وأشارت صراحة إلى أن ذلك يشمل القاصرين الأجانب غير المصحوبين، مؤكدة أن قانون الاتحاد الأوروبي يتضمن إمكانية إعادتهم.
لكن هذا الموقف لا يعني أن بروكسل تعطي الضوء الأخضر لإعادة القاصرين بصورة جماعية أو تتجاهل الضمانات الخاصة بهم؛ فموقف النائبة العامة الإسبانية يشير إلى أن تنفيذ العودة يظل مرتبطًا بالقواعد الأوروبية والإسبانية التي تتطلب تقييم كل حالة واحترام مصلحة الطفل.
وبالتالي، فإن الموقف الأوروبي الأخير يضيف عنصرًا جديدًا إلى المعادلة: مبدأ العودة ليس مستبعدًا بالنسبة إلى القاصرين، لكن طريقة تنفيذه وشروطه تظل خاضعة للضمانات القانونية.
هل يتحول الملف إلى أزمة جديدة؟
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن ملف القاصرين بات أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة المغربية الإسبانية، لأنه يجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة: مطلب مغربي باستعادة القاصرين، والتزامات إسبانية وأوروبية بحمايتهم، وضغط إنساني متزايد بسبب مصير جثث المهاجرين الذين لقوا حتفهم خلال محاولات الوصول إلى سبتة.
ومن الناحية السياسية، قد يدفع ربط هذه الملفات مدريد إلى البحث عن تفاهم جديد مع الرباط، خصوصًا أن البلدين بحاجة إلى استمرار التعاون في مجال الهجرة وإعادة القبول. لكن من الناحية القانونية، لا يبدو أن أي اتفاق سياسي يمكن أن يلغي الإجراءات التي تفرضها حماية القاصرين أو يتجاوز السابقة القضائية التي خلفتها عمليات 2021.
وبالتالي، فإن مستقبل الملف قد يتجه نحو تسويات فردية تسمح بإعادة القاصرين الذين يمكن تحديد أسرهم والتأكد من قدرتها على استقبالهم، بالتوازي مع وضع آلية مغربية إسبانية للمواكبة وإعادة الإدماج.
أما الخيار الآخر، المتمثل في إعادة جماعية وفورية للقاصرين، فيبدو أكثر صعوبة، ليس فقط بسبب موقف النيابة العامة الإسبانية، وإنما أيضًا بسبب الأحكام القضائية التي رسخت حدود ما تستطيع السلطات القيام به في هذا المجال.